//Put this in the section //Vbout Automation

لقمان سليم سياسي وكاتب شيعي قد يكون قتله منعطفاً للبنان

صلاح تقي الدين – العرب

أربع رصاصات في الرأس وواحدة في الظهر، هذا كل ما عثر عليه قضاة التحقيق اللبنانيون حتى تاريخ كتابة هذه السطور، في ما يتعلق بجريمة اغتيال فجعت الشارع اللبناني والعربي قبل أيام.




ولعل الغصّة التي لم يستطع الباحث السياسي مكرم ربح بلعها، كما والدموع التي انهمرت من عينيه وهو ينعى رفيق دربه وصديقه لقمان سليم على صفحته على فيسبوك، تنمّ عن تعبير حقيقي وصادق عمّا شعر به كل اللبنانيين الذين أًصيبوا بصدمة كبيرة فور تلقيهم نبأ اغتيال هذا الناشط السياسي السلمي المعارض لحزب الله وسياساته وأدخل الرعب إلى نفوسهم خوفاً من عودة شبح الاغتيالات والتصفيات التي توالت منذ اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري في العام 2005 والتي لم تبرح تؤرق مضاجعهم حتى اليوم.

وما أن بدأت وسائل التواصل الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي بإعادة نشر تغريدة شقيقة سليم، رشا الأمير، التي تساءلت فيها “أين لقمان؟”، حتى بدأت المخاوف تتعاظم من أن يكون قد ذهب ضحية “اعتقال تعسفي” من قبل أجهزة الأمن اللبنانية حول مقال نشره أو تغريدة كتبها وانتقد فيها السلطة الحاكمة وحزب الله، والسوابق في هذا المجال كثيرة، لكن الحقيقة المرة ظهرت صباح يوم الخميس عندما أعلنت قناة المؤسسة اللبنانية للإرسال عن اكتشاف جثة سليم في سيارته في منطقة النبطية الجنوبية، معقل حزب الله.

فرضية الطابور الخامس

Thumbnail

بالطبع بدأت الاتهامات السياسية توّجه إلى “الحزب” بتصفية أحد أهم الأصوات المعارضة له داخل بيئته، في وقت ذهبت أصوات أخرى إلى ترجيح فرضية دخول “طابور خامس” على الخط وتصفية سليم لتوجيه الأنظار إلى حزب الله دون غيره نظراً لمقولة إمساكه بإحكام بأمن بيئته والتبجّح بعدم قدرة العملاء الصهاينة على التسلل إلى داخل هذه البيئة والعمل منها وفيها على تخريبها.

ولد سليم في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت في العام 1962 لعائلة معروفة في تلك المنطقة. والده كان المحامي الألمعي والنائب الراحل محسن سليم الذي تشهد له قاعات قصر العدل في بيروت بمرافعاته الفذة وحججه المنطقية. وكان ابنه آنذاك قريباً من حزب العمل الاشتراكي العربي الذي خطّط للتحول إلى حزب شيوعي عربي، بفعل ارتباطه بعلاقات تنظيمية وثيقة مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

حصل على شهادة في الفلسفة من جامعة السوربون في فرنسا، وأسس مطلع التسعينات “دار الجديد” للنشر التي تهتم بنشر الأدب العربي ومقالات ذات محتوى مثير للجدل. وشارك في العام 2004 في تأسيس “أمم للأبحاث والتوثيق”، ومركزها حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية، وهي تُعنى بإنشاء أرشيف مفتوح للمواد المتعلقة بالتاريخ الاجتماعي والسياسي في لبنان، وتهتم بجمع شتات ذاكرة الحرب اللبنانيّة، وكان يُتابع بدقّة عبر كتب ومعارض وحلقات نقاش موضوع المفقودين وبوسطة عين الرمانّة وأستوديو بعلبك والمحكمة العسكريّة ومصير المقاتلين الصغار الذين دفعوا أثمان الحروب الجانبيّة التي دارت على هامش الحرب الأهلية.

كانت له مواقف حادة كثيرة من سياسة حزب الله في لبنان والعالم العربي، تعرّض بسببها لكثير من حملات التخوين من قبل المقربين من الحزب والصحافة الناطقة باسمه، ويرى بعض منتقديه أن مواقفه كانت راديكالية ضد التطرف الديني كله وليس ضد حزب الله وحده، ففي مقابلة أجرتها معه إذاعة فرنسا الدولية في برنامج “الكيوسك العربي” في سبتمبر 2005 برّر سليم إنشاء معتقل “غوانتنامو” معللاً ذلك بأن للديمقراطية الحق في الدفاع عن نفسها باستخدام الوسائل “المناسبة” في مقابل أعداء لا يعترفون بمرجعياتها القيمية والأخلاقية.

وكان قد نُشر مقالٌ في العام 2012 يتهم سليم بالعمالة، ليضاف إلى غيره من التقارير التي كانت تحرّض عليه، كما اتهم مع رفاق له من أبناء الطائفة الشيعية المناوئين لسياسة الحزب وعلى لسان الأمين العام للحزب حسن نصرالله مباشرة بأنهم من “شيعة السفارات” أي الذين تحوم حولهم شبهة التعاون والتعامل مع سفارات الدول العربية والغربية المناهضة لحزب الله.

وفي شتاء العام 2019، تم الاعتداء على منزله الواقع في الضاحية الجنوبية، وقد تزامن ذلك مع اعتداء مماثل نفذه مؤيدون لحزب الله وحركة أمل استهدف خيمة لنشطاء في بيروت يُعتبرون من المعارضين للحزب وسلاحه.

ضد الولي الفقيه

منذ أن قرر سليم العمل في السياسة سارع إلى انتقاد سياسة “الولي الفقيه” من الخميني إلى خامنئي، متصدياً لسياسات حزب الله منذ تولى أمانته العامة الشيخ صبحي الطفيلي وصولاً إلى حسن نصرالله. لم يكن يملك سلاحاً لكنه يرتكز إلى اسمه واسم عائلته وتاريخها والأهم إلى صوته الذي كان يغرّد خارج “السرب” باعتباره ابن البيئة الشيعية الحاضنة للحزب ما جعله يحظى دائماً باهتمام كل الذين يريدون إظهار الصوت الشيعي المعارض، فكان أن أصبح “نجماً” تلفزيونياً دائماً، وخطيباً على منابر مراكز الأبحاث المحلية والخارجية.

ولعل ما نشره سليم كبيان أعقب الاعتداء الذي طاول منزله فيه تعبير واضح عن التهديدات المباشرة التي كان يتلقّاها وقد عبّر فيه مباشرة أنه “استدراكاً على أيّ محاولة تعرض لفظية أو يدوية لاحقة لي أو لأفراد من العائلة، أحمّل قوى الأمر الواقع ممثلة بشخص حسن نصرالله المسؤولية التامة عما جرى وعمّا قد يجري، وأضع نفسي ومنزلي في حماية القوى الأمنية اللبنانية وعلى رأسها الجيش اللبناني. اللهم قد بلّغت”.

ومع اغتياله أو تصفيته، وضعت الحادثة في خانة الإعدام السياسي، أما لماذا اتجه الاتهام مباشرة إلى حزب الله فلأنه كما يقال بالمثل الشائع “جسمه لبّيس“، ولأن الجريمة وقعت في عقر داره الذي يزعم أنه محصّن وغير مخترق.

صدمة في لبنان

وفور شيوع نبأ اكشاف جثة سليم سارعت القيادات الرسمية من أعلى الهرم إلى أسفله مروراً بمعظم الأحزاب السياسية وقياداتها إلى شجب الجريمة وإطلاق المواقف المستهجنة لعودة شبح الاغتيالات إلى لبنان. وقد طلب رئيس الجمهورية ميشال عون من المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات، إجراء التحقيقات اللازمة لمعرفة ملابسات جريمة اغتيال الناشط لقمان سليم التي وقعت في منطقة العدوسية في الجنوب. من جهته، كلّف رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب وزير الداخلية والبلديات محمد فهمي، بتوجيه أجهزة الأمن للإسراع في تحقيقاتها من أجل كشف ملابسات الاغتيال، وملاحقة الفاعلين والقبض عليهم وإحالتهم إلى القضاء بأسرع وقت ممكن. أما وزير الداخلية محمد فهمي فقد اعتبر أن “ما حصل جريمة مروّعة ومدانة”.

لقاء “سيدة الجبل“ المسيحي اعتبر أن جريمة اغتيال سليم ”تأتي في سياق اغتيال كل معارضي سلطة الهيمنة الإيرانية”، مؤكّداً أن “هذه الجريمة تعكس مدى قلق الميليشيات المتسلطة على البلد وتوترها وخوفها من السقوط نتيجة عجزها عن معالجة الأزمات”. كما استنكرت جمعية “إعلاميون ضد العنف” اغتيال من وصفته بالناشط السيادي والمناضل الاستقلالي وصاحب الموقف الحر، داعية إلى “كشف المجرمين”، ومذكّرة بأن سليم حذّر مرارا وتكرارا من وجود محاولات لتصفيته، ومستهجنة كذلك أسلوب التصفيات المعتمد، ومطالبة المجتمع الدولي بالعمل على تشكيل لجنة تحقيق دولية، وصدور بيان عن مجلس الأمن، يحذر كل من تسوّل له نفسه التخلص من خصومه بالاغتيال السياسي.

صحيفة الأخبار المقربة من حزب الله والمعروفة بتوجيه اتهاماتها لسليم بالخيانة، نشرت خلال تغطيتها لخبر اغتيال سليم ما يلي “لم تظهر أيّ علامات تكسير على السيارة أو بعثرة في محتوياتها. كيس أغراضه الشخصية في أسفل المقعد الأمامي. وعلى المقعد الخلفي كتاب بنيامين نتنياهو: عقيدة اللاّحل”

أقصى ما فعلته الشخصيات والقيادات السياسية والحزبية والإعلامية هو إدانة الاغتيال، حيث طالبت هذه الشخصيات بـ”كشف الفاعلين، وإنزال أشد العقوبات بحقهم”، وبينما يرى اللبنانيون أن إدانة قاتل سليم مطلوبة، يقولون إنه مطلوب أيضاً أن يبادر حزب الله إلى كبح جماح أنصاره وخصوصاً جيشه الإلكتروني لوقف التغريدات والتعليقات المسيئة ومنها ما صدر عن نجل الأمين العام جواد نصرالله الذي نشر تغريدة قال فيها “خسارة البعض هي في الحقيقة ربح ولطف غير محسوب” مرفقاً إياها بهاشتاغ: بلا أسف. لكن نصرالله سرعان ما حذف التغريدة وأزال الهاشتاغ.

آخر المندّدين باغتيال سليم كان حزب الله ذاته، الذي طالب في بيان له “الأجهزة القضائية والأمنية المختصة بالعمل سريعاً على كشف المرتكبين ومعاقبتهم”. ولعلّ المناداة بالتعددية في لبنان هي من أركان قيامته وبقائه واستكراره، وليس مَسموحاً أكان لدى البيئة الحاضنة لحزب الله أو في أيّ “بيئة” لبنانية أخرى احتضان أيّ فكر إقصائي. وللتذكير فإن نصرالله قال بنفسه في مقابلة مع جريدة “السفير” غداة حرب يوليو 2006 “عندما يغيب الرأي الآخر في بيئتنا تكون بداية هزيمتنا ولو لم تكن هناك حركة أمل لاخترعناها. في الوحدانية موتنا وفي الثنائية وأكثر حياتنا”.

لكن ما الذي يراه اللبنانيون اليوم؟ وهم يواجهون ما هو أبعد من تغييب الرأي الآخر، كتمه واختطافه وتعذيبه واغتياله. إذ أنه بعد ورود معلومات حول تعرض سليم للاستجواب والتعذيب قبل تصفيته، طالبت شقيقته بتشريح الجثة لكشف ملابسات مقتله، معلنة أن عائلته لا تثق بالقضاء اللبناني ولا بتحقيقاته.

أسباب العقاب

يتردد في بيروت أن قصة مواقف سليم السياسية المعارضة لحزب الله، لم تكن هي السبب وراء اختطافه وإنزال هذا العقاب به، بل إن وراء الأكمة ما وراءها، حول دور كان يقوم به لتفكيك شبكات حزب الله العميقة، والبعض يتحدث عن سعيه للتواصل مع شخصيات اقتصادية، نشطت في مجال غسل أموال الحزب، ودفعها للانشقاق عنه. وذلك بعد تضييق الطوق على تلك الشخصيات بالعقوبات الأميركية الأخيرة، ما فتح ثغرة أمنية جعلتهم يحاولون فك ارتباطهم به. وكان المطلوب من سليم مساعدة هؤلاء على الخروج من لبنان والنأي بأنفسهم عن حزب الله.

بينما أشار مركز كارنيغي الشرق الأوسط إلى أن نشاط سليم الصريح وظهوره الإعلامي شكّل ظاهرة، وأنه، حسب تعبير المركز “كان شجاعا بشكل مدهش، حيث كان يعيش هو وعائلته في معقل حزب الله، محاطا، بالمعنى الحرفي، بخصومه السياسيين”.

سليم متهمٌ بالخيانة، مع رفاق له من الشيعة المناوئين لحزب الله، وقد ورد ذلك صراحة على لسان حسن نصرالله حين وصفهم بأنهم “شيعة السفارات” أي الذين تحوم حولهم شبهة التعاون مع الخارج

واللافت أن صحيفة الأخبار المقربة من حزب الله كتبت في تغطيتها لخبر اغتيال سليم، أنه وحين تم العثور على سيارته وجثته “لم تظهر أيّ علامات تكسير على السيارة أو بعثرة في محتوياتها. بقع دماء على المقعد الجانبي حيث مال سليم برأسه، كيس أغراضه الشخصية في أسفل المقعد الأمامي. وعلى المقعد الخلفي، كتاب بنيامين نتنياهو: عقيدة اللاّحل”.

مذيلة خبرها بالتالي “مضي لقمان في معركته ضد حزب الله، الذي رأى فيه تجسيداً لكلّ ما يناهض ويكره. وهو قد دعا في مداخلة عبر سكايب في ندوة نظمها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، إلى أن تحرير لبنان من سطوة حزب الله قد يتطلب الاستعداد لزعزعة استقراره نسبياً. بل ذهب، خلال مشاركته في حلقة نقاشية عُقدت في الإمارات تحت عنوان ‘تفكيك شيفرة حزب الله’ إلى الحضّ على محاصرة حزب الله عسكرياً وإلحاق نكبة، لا أقل، بقاعدته الاجتماعية لدفعها للانفضاض عنه”.

وبغض النظر عن مرتكب هذه الجريمة البشعة بكل المعايير، إلا أنه من الحكمة بمكان إطلاق يد الأجهزة الأمنية والقضائية الرسمية وبالتعاون حتمياً مع جهاز أمن الحزب لكشف ذيول اغتيال هذا الناشط السلمي الذي برع في انتقاد سياسات حزب الله منذ بداياته، ولما فيه من مصلحة عامة لتعطيل محاولات المتربصين بلبنان وأمنه.