سركيس نعوم - النهار

اللبنانيون كلّهم لبنانيو سفارات! – سركيس نعوم – النهار

لقمان محسن سليم شهيد، يعترف بذلك طبعاً شركاؤه في “النضال” من أجل “تحرير” لبنان من سيطرة محور إقليمي قوي له هدفان استراتيجيان، الأول سياسي والثاني ديني أو ربما مذهبي. ينتمي هؤلاء الى محور دولي – إقليمي – عربي قومي ومذهبي في آن. يعترف بشهادته أيضاً الذين وقف في وجههم من أشقائه في الداخل وسعى خلال عمره القصير 58 سنة الى تخليصهم من سيطرة عرّابهم الإقليمي وفكره المنغلق في رأيه. لما عجز عن ذلك بل لما اكتشف مبكراً عجزه هذا بدأ السعي الى تخليص لبنان من سيطرتهم بكل الوسائل الممكنة. هذا الاعتراف قد يبقى ضمنياً لأن جيوشهم الإلكترونية لن تترك في الشهيد لقمان “ستراً مغطى” كما يُقال، ولا سيما بعد إسراع شركائه وحلفائه وأصدقائه من أبناء وطنه في اتهام رعاتها اللبنانيين والأكبر بينهم أي “حزب الله” بالمسؤولية عن “القتل الاستشهادي” إذا جاز التعبير لأنه حصل في إحدى مناطق نفوذهم. كما بعد إسراع شركاء سليم الإقليميين في فتح الإعلام المتنوّع على الآخر استنكاراً واتهاماً باستضافة شركاء لقمان في عمله الوطني. واعترافهم بشهادته ناجمٌ عن معرفتهم قيمة الشهادة بعد الثمن الكبير الذي دفعوه لتحرير جنوب لبنان من إحتلال إسرائيلي مزمن (22 سنة)، كما قيمة “الشهادة” بعد الثمن الكبير الذي دفعوه أيضاً في حرب سوريا. علماً أن الشهادة الأولى صفّق لها اللبنانيون كلّهم إجمالاً رغم خوفهم على أوضاعهم منها وعلى التركيبة والنظام اللبنانيين، بل على الكيان الوطني نفسه جرّاء انقسامهم شعوباً طائفية ومذهبية متناحرة. وعلماً أيضاً أن التصفيق لـ”الشهادة” الثانية اقتصر عملياً على شعبٍ واحد وحلفاءٍ له مصلحيين وذلك للسبب المذكور أعلاه.

طبعاً تأخر “الموقف هذا النهار” 24 ساعة للكتابة عن شهادة لقمان سليم ليس خوفاً من الذين نفّذوها ولا يزالون مجهولين حتى الآن إلّا في قلوب وعقول كثيرين وعلى ألسنتهم، وقد يبقون مجهولين رسمياً وعقاباً. الذين ينتظرون القضاء أو يطلبون منه تحقيقاً جدياً وجريئاً وشفّافاً سيبقون على رصيف الانتظار إذ أن لا قضاء في لبنان ليس لأنه غير موجود رسمياً بل لأنه غير مستقل. وسيبقى غير مستقل أولاً لأن دولة لبنان منقسمة دولاً ثلاث ضعيفة وعاجزة وفاسدة ودولة رابعة تديرها كلها عملياً بفضل قوتها الداخلية والإقليمية وجيشها الأكثر تسليحاً من “جيش الدولة” المشلّعة. وثانياً لأن شعب لبنان منقسم شعوباً تدعو كلّها الى لبنانٍ واحدٍ ودولة مستقلة وعادلة وحرّة و”ديموقراطية”. لكن عملياً لكلٍ منها دولته المختلفة عن الأخرى والمناقضة لها، وتتساوى في ذلك كل الشعوب. ذلك أنها تتبادل الحقد والكره وتخاف بعضها بعضاً، ولم يكن ولاؤها دائماً إلّا الى انتمائها الديني والمذهبي، في حين أنه يجب أن يكون للدولة، وأن يكون كل المنتمين إليها مواطنين فيها لا جاليات يدفع الانتماء الديني والمذهبي كلاً منها الى الإرتباط بخارجٍ حليف شقيقاً كان أم صديقاً أم عدواً من أجل إما حماية نفسها وإما الإستناد إليه لحكم الشعوب الأخرى في البلاد.




لم يعرف كاتب “الموقف هذا النهار” الشهيد لقمان سليم، لكنه مطلعٌ على تحرّكه العلني من خلال نشاطه المعروف وكتاباته التي تدل على ثقافةٍ واسعة وتسيّسٍ واسع. أما النشاط غير العلني الذي يتهمه به أخصامه بل أعداؤه فغير معروفٍ لديه. علماً أن العلني منه كتابةً وقولاً وإعلامياً ولقاءات مع ممثلي دول شقيقة وحليفة يعرفه اللبنانيون كلّهم. التاريخ العلني هذا للشهيد سليم لم يمنعه من البقاء في منزله الوالدي الكائن في معقل المتهمين إعلامياً اليوم بالمسؤولية عن قتله. يثير ذلك تساؤلاً أو أكثر، الأول: هل تطوّر نشاطه وهو “الناشط” جداً وبجدارة بحيث صار مؤذياً لبيئته أو للمسيطرين عليها برضى غالبية واسعة جداً منها؟ والثاني: هل قتلت هذا الناشط جهات تريد إغراق البلاد في فوضى أمنية وربما حربية مذهبية على الأرجح بعد انهيار البلاد اقتصادياً وسياسياً ومالياً ونقدياً وأخلاقياً؟ طبعاً لا أجوبة عن التساؤلين عند أحد. لكن في لبنان الشعوب المنقسمة شِيَعاً ومذاهبَ وطوائفَ وأدياناً وأحزاباً وزعامات الأجوبة جاهزة دائماً وإن من دون تحقيق، وهي تنطلق من أقتناعات وانتماءات وولاءات ومصالح وإملاءات غالباً ما يكون مصدرها الخارج. طبعاً لا يمكن أن يغفل كاتب “الموقف هذا النهار” أنه التقى الشهيد سليم مرة واحدة قبل سنوات طويلة عدة على عشاء صغير في منزل سفير دولة سويسرا في لبنان الأسبق فرنسوا باراس حضره مسؤولون من بلاده. ما أتذكره من الذي قاله لقمان في أثناء مناقشة الوضع الشيعي في لبنان هو قوله أنهم وقبل عقود لم يكونوا متمتّعين بكل حقوقهم. وذكر أنهم كانوا ممنوعين أو شبه ممنوعين من إقامة مراسم ذكرى عاشوراء في العاصمة بيروت. كان محقاً الى حد كبير. لكنني علّقت بالقول: كانت تُقام ذكرى عاشورائية رسمية في مدرسة “العاملية” في بيروت كل سنة. وأن والد صديقٍ شيعي لي كان يذهب مرّة واحدة على الأرجح في عاشوراء الى “الضاحية” للإشتراك في مراسم ذكراها، لكن ذلك كلّه كان يتمّ في “هدوء”.

في النهاية يقتضي الإنصاف في الكلام عن الشهيد لقمان الإشارة الى أنه سُمّي وآخرين من الناشطين معه أو لوحدهم من أبناء مذهبه بـ”شيعة السفارة”، والمقصود الأميركية. لكن العدل والإنصاف تقتضيان القول علانيةً أن اللبنانيين ومن كل المذاهب والأديان والطوائف والأحزاب والقبائل لهم سفارةٌ ما يتردّدون إليها. فهناك لبنانيو سفارة فرنسا، ولبنانيو سفارة أميركا، ولبنانيو سفارة بريطانيا، ولبنانيو سفارة روسيا، و#لبنانيو سفارات دول الخليج العربية، ولبنانيو سفارة مصر، كما أن صار لسفارة الصين لبنانيّوها أيضاً. وكانت سفارة ليبيا في السابق مقصداً لبعضهم. وهناك أيضاً لبنانيو إيران الإسلامية، علماً أن سفارة إيران الشاهنشاهية كان لها لبنانيوها أيضاً. لذلك فهم متساوون في الحاجة الى دول هذه السفارات كلّها ومتساوون في الإعتماد على الخارج لترتيب أوضاعهم كما أوضاع شعوبهم في لبنان. وهنا لا يكفي تماثل الإنتماء الديني أو المذهبي بين مسيحيين وإن من طوائف مختلفة، ومسلمين وإن من طوائف مختلفة أيضاً لتبرير هذا اللجوء اللبناني الشامل الى السفارات كما الى دولها.