سننتَصر وستُهزمون

قاسم يوسف – أساس ميديا

ظلّ لقمان سليم يهرول نحو الموت بلا هوادة. كان يدرك، وكنا معه مدركين، أن الحفر الممنوع في الجبل الذي أرساه حزب الله، هو بمثابة حفر مستفيض لقبره. وأنه حين يتوثّب نحو المقارعة والمواجهة وكشف الحقائق، فإنما يرتقي بشجاعته وجنونه، ليس نحو تجاوز السقف الملاصق للقتل وحسب، بل نحو التفوّق على خوفه وذاته، هو الذي يعرف تمامًا أن هؤلاء لم يتورّعوا عن ذبح أترابه ونظرائه في العقل وفي النهج وفي القضية، لكنه لم يجزع، ولم يرتدع، ولم يفكر مرة أو اثنتين بمهادنة أو هرب أو حياد، وكأن الدم المسفوك لا يزيده إلا صلابةً وإصرارًا وإقدامًا، إزاء معركة مكشوفة اللثام وشديدة اللؤم ومعدومة التكافؤ، هناك حيث يصير الموقف صنو الانتحار، وتستحيل الكلمة شباكًا مفتوحًا على الموت المحتوم.




قبل لقمان بأسابيع معدودة، تعرّض الزميل قاسم قصير لما يشبه الاغتيال المعنوي والضغط الاجتماعي الأقصى، وذلك على خلفية مواقفه الاستثنائية والشجاعة، وأهمية المواقف تلك لا تستند قطعًا إلى رغبتنا المستدامة بالوصول إلى الخلاصة التي وصل إليها، بل إلى مؤشر متقدم بات يوضح التغييرات المستجدة في هوية المزاج الشيعي العام، لا سيما النخبوي، الذي راح يسلك، ولو بخجل، دربه الوعر والطويل نحو إعادة ضبط البوصلة، بعد أن تماهى مع مشاريع الجنون، واستحال جزءًا لا يتجزأ من تداعياتها الكارثية على لبنان واللبنانيين بشكل عام، وعلى البيئة الشيعية بوجه الخصوص، وهذا تمامًا ما ينفع في ترك أثره العميق، ليس في الفئات الشديدة التدجين والأدلجة، بل في عموم الناس الذين حولتهم إيران إلى ما يشبه الأدوات والرهائن والعبوات الناسفة.

يدرك حزب الله أن مروحة الاعتراض آخذة في الاتساع، وأن أمثال لقمان سليم وقاسم قصير وغيرهم من الشيعة الشجعان ومن الوطنين الأحرار، استطاعوا أن يحفروا بمثابرتهم وصمودهم جزءًا لا بأس به من النفق الذي لا بد وأن يصل في نهايته إلى النور، وهو أراد بالقتل والترهيب أن يضع حدًا ناجزًا ونهائيًا لهؤلاء ولكل من تسوّل له نفسه أن يسلك هذا المسار، وهذه بطبيعة الحال سجية كل الأحزاب الشمولية وكل الأنظمة التوتاليتارية والدكتاتورية التي آلت وستؤول عاجلاً أم آجلاً إلى الترنح والسقوط.

قضى لقمان سليم نحبه بشجاعة منقطعة النظير. كان يعرف أنه سيُقتل. وأنه يواجه مشروعًا يمتهن القمع والتكميم ويحترف الشطب والإلغاء. لكنه ما برح يمد لسانه هازئًا منهم ومن الموت. ظل على سجيته تلك حتى أردوه مضرجًا بدمائه، في واحدة من أبشع الصور وأكثرها كثافة على الإطلاق، حيث تخطت منطق الإجرام المجرد أو المنظّم، إلى ما يفوق الترهيب الممنهج والمستدام، عبر بلورة شديدة الوضوح للرسالة الأدق والأهم: الكلمة يُقابلها الموت، فماذا أنتم فاعلون؟

الرد على هذه الرسالة لا يحتمل التأجيل أو التسويف أو المماطلة. الآن الآن، وبينما نقف جميعًا أمام هذا المصاب الجلل، نعود لنردد على مسامع حزب الله وبالفم الملآن: نحن ها هنا. كنا وسنبقى. نقاوم ونناضل ونصمد. لن نجزع ولن نخاف ولن نتراجع. اقتلنا جميعًا، اشبع من دمنا، اقتلع حناجرنا، اسحب ألسنتنا، في الطرقات وعلى الأرصفة وأمام أعين زوجاتنا وأطفالنا، ثم أخبرنا مرة ومرتين وألف، أننا لا نساوى أكثر من رصاصة حاقدة تستقر في جماجمنا المتورمة بالأوهام والأحلام. افعل ما شئت. أشطب من شئت. تجاسر وتجبّر وتكبّر. لكن تذكّر. دائمًا تذكّر. أننا في نهاية المطاف سننتصر، وأنكم ستهزمون.