صحيفة هآرتس العبرية.. محللون يتوقعون حرباً أهلية في لبنان: “تصفية الدولة جارية”

محافظ البنك المركزي في لبنان، رياض سلامة، استدعي للمثول أمام قاض – محقق كي يعرض موقفه حول سلوك البنك، الذي -حسب رأي الكثيرين- أدى إلى ما يعتبر الآن الأزمة الاقتصادية الأكثر خطورة التي عرفها لبنان في تاريخه. ظاهرياً، هذا تحقيق ضروري وموضوعي، يتعلق بالطريقة التي خصص البنك المركزي فيها ملايين الدولارات بسعر رسمي لمن يستوردون السلع الأساسية، والذين فضلوا بيعها في السوق السوداء وربح مئات النسب المئوية بدل استخدامها في الأهداف التي خصصت لها. كان الإغراء كبيراً جداً. لأنه عندما بلغ السعر الرسمي 1.517 ليرة للدولار، وكان سعر الدولار 9 آلاف ليرة في السوق السوداء، فإن كل دولار رسمي يعدّ مصدراً لربح كبير. الشك هو أن محافظ البنك قد تعاون مع البنوك والمستوردين ولم يراقب ولم يستخدم صلاحيته للتحقيق في التحايل، خصوصاً عندما لم يكن من المسموح للجمهور الواسع والمستوردين سحب ودائعهم بالدولار من حساباتهم.

التحقيق مع البنك المركزي هو أحد الشروط التي وضعها الرئيس الفرنسي إيمانوئيل ماكرون من أجل تجنيد الدعم المالي للبنان بعد الانفجار الذي وقع في ميناء بيروت في آب الماضي. رياض سلامة يخضع لتحقيق جنائي آخر من قبل السلطات في سويسرا بتهمة تحويل خلال 18 سنة ملايين الدولارات، وهناك من يقولون بأن الأمر يتعلق بـ 2.5 مليار دولار، من البنك المركزي لحسابات شخصية، منها حساب شقيقه البنكي، رجا سلامة، صاحب شركة المحافظ نفسه شريك فيها. وقال سلامة إن هذه المبالغ مضخمة وأنه لم يحولها من أموال البنك المركزي. وسيقدم إفادته أمام المدعي العام في سويسرا حول ذلك.




الفساد في البنك المركزي في لبنان ليس سرياً، لكنه لم يتم التحقيق فيه من قبل السلطات اللبنانية لأن لسلامة شخصين قويين يقدمان له الحماية: الأول هو رئيس الحكومة المعين سعد الحريري، والثاني هو الإدارة الأمريكية التي تعتبر سلامة رجل اتصال حيوي لمعالجة شؤون لبنان بشكل عام وسياسة لبنان بشكل خاص. سلامة، المحافظ المخضرم في العالم، الذي يتولى هذا المنصب منذ العام 1993، يمكن أن ينهي فترة ولايته في 2023. الرئيس ميشيل عون يحاول إبعاده قبل ذلك، وعلى أي حال، أعلن سلامة بأنه لا ينوي تمديد فترته. ولكن عون نفسه يتوقع أن ينهي فترة ولايته قبل سنة من ذلك. وبناء على ذلك، من غير الواضح من منهما سيترك الكرسي.

ولكن من يعتقد أنه هنا يكمن مركز الفساد الوحيد في لبنان، أن إبعاد سلامة سيجلب الدواء للأزمة، فمطلوب منه النظر في داخل الورطة السياسية – القانونية التي تحيط بالقضية.

التحقيق في سلوك البنك في السنة الأخيرة، لا سيما التحقيق في تحويل الدولارات بسعر رسمي للمستوردين، بادرت إليه المدعية العامة في جبل لبنان، القاضية غادة عون، المحسوبة على مقربي الرئيس عون. قبل سنة كانت غادة عون مرشحة لتسلم وظيفة قضائية كبيرة، لكن مجلس القضاء الأعلى الذي هو نفسه غارق حتى عنقه في اعتبارات سياسية، رفض ترشحها وعين قاضياً آخر للمنصب. الرئيس عون هب على الفور لمساعدة من تحظى برعايته وجمد جميع التعيينات. وغادة عون نفسها بدأت في حملة انتقاد لاذعة ضد مجلس القضاء الأعلى في الشبكات الاجتماعية، خلافاً للوائح وأخلاق المهنة.

من يؤيدون رياض سلامة، ومن بينهم الحريري، يقولون الآن بأن التحقيق معهم يستهدف السيطرة أيضاً على البنك المركزي عن طريق إقصاء سلامة وإلقاء المسؤولية عن الأزمة عليه.

من يؤيدون سلامة، ومن بينهم الحريري، يقولون الآن بأن التحقيق معهم يستهدف السيطرة أيضاً على البنك المركزي عن طريق إقصاء سلامة وإلقاء المسؤولية عن الأزمة عليه. صحيح أن الحريري عين لمنصب رئيس الحكومة القادم من قبل الرئيس، وحصل أيضاً على دعم حزب الله، لكن مرت ثلاثة أشهر ولم ينجح في تشكيل حكومة متفق عليها، لأن الرئيس عون لا يقوم بالمصادقة. يطالب عون الآن بزيادة عدد الوزراء من 18 وزيراً إلى 20، بحيث يقوم هو بتعيين الوزيرين الإضافيين. وهي خطوة يعارضها الحريري بشدة.

هناك أهمية كبيرة لعدد الوزراء وتوزيعهم السياسي. حسب الدستور، قد توافق الحكومة أو ترفض قرارات رئيسية بأغلبية ثلثي عدد الوزراء. لذلك، من يسيطر على ثلث + 1 من الوزراء قد يحدد أي قرارات سيتم اتخاذها وأياً منها سترفض. وإن ضمّ وزيرين آخرين سيمنح عون العدد المطلوب كي يمنع أي مبادرة يقررها الحريري، في حالة تشكيله للحكومة، سواء تعلق الأمر بإصلاحات اقتصادية أو بقرارات مرتبطة بميزانية الدولة وتوزيعها أو باتفاقات دولية.

التوتر بين الحريري وعون وصل مؤخراً إلى الذروة في أعقاب تسريب فيلم قصير يسمع فيه عون وهو يسمي الحريري بالكاذب، ويسمي جهوده لتشكيل حكومة “خدعة”.

التوتر بين الحريري وعون وصل مؤخراً إلى الذروة في أعقاب تسريب فيلم قصير يسمع فيه عون وهو يسمي الحريري بالكاذب، ويسمي جهوده لتشكيل حكومة “خدعة”. في المقابل، قال المقربون من الحريري إن عون يحاول تمهيد طريق صهره جبران باسيل، الخصم اللدود للحريري، لتولي منصب الرئيس القادم للبنان. صحيح أن البرلمان هو الذي ينتخب الرئيس، لكنه يصادق بصورة تقليدية على المرشح الذي توافق عليه الحكومة. وبناء على ذلك، إذا سيطر عون على أكثر من ثلث الوزراء فبإمكانه أن يصد أي مرشح غير صهره، وسيطرح باسيل كمرشح.

لقد دفع عدم جدوى جهود تشكيل حكومة مسؤولة الزعيم الدرزي المخضرم، وليد جنبلاط، إلى دعوة الحريري للانسحاب من تشكيل الحكومة، طالما أن من يقرر في لبنان هو “حزب الله” وحزب الرئيس عون، التيار الوطني الحر. “ليأخذوا الدولة وكل أجزائها بأيديهم وليتحملوا المسؤولية عن الربح أو الخسارة. لماذا نشارك دون الحصول على أي شيء؟”، قال جنبلاط في مقابلة مع راديو “صوت لبنان”. من المشكوك فيه إذا كان الحريري سيتبنى نصيحته، وإن لم يكن بسبب “المهمة الوطنية” التي يراها في تشكيل الحكومة. هذا المنصب ضروري بالنسبة له من أجل أن يوقف جهود سيطرة الرئيس عون وصهره باسيل.

رغم أن الحسابات السياسية، التي هي ليست نقية من ترسبات الماضي المريرة ومن المصالح الاقتصادية المهيمنة، فإن أي محاولة لتنفيذ بعض طلبات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحكومة فرنسا، ستفشل. وتطبيق هذه المطالب هو شرط لتحرير أموال المساعدة التي تقدر بـ 11 مليار دولار، أو الحصول على قروض من مؤسسات تمويل دولية. هذه المؤسسات رفضت المصادقة على قروض ضرورية للدولة المنهارة بما يتجاوز الـ 264 مليون دولار، التي أعطيت كقرض للحكومة الانتقالية، وأيضاً مساعدة للمتضررين من الانفجار في ميناء بيروت.

يتوقع الرئيس الفرنسي ماكرون أن يزور لبنان هذا الشهر في محاولة لأحداث معجزة تؤدي إلى تشكيل الحكومة. ولكنه يعرف بشكل جيد أن أعمال السحر ليست جزءاً من مؤهلاته. لذلك، غير في الآونة الأخيرة الاستراتيجية التي يمكن أن يقدمها للحكومة الانتقالية. وبدلاً من أن ينتظر إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وهي عملية يمكن أن تستمر أسابيع أخرى إذا لم يكن أشهراً، اقترح البدء في تطبيق إصلاحات بدون صلة بتشكيل الحكومة. هكذا على الأقل يمكنه أن يتسلح بمبررات جيدة، سيحاول بمساعدتها إقناع الدول المانحة بتحرير جزء من المبالغ التي تعهدت بها. ولكن هذا الاقتراح سيصطدم بدائرة الرعب في لبنان، لأن كل إصلاح يعني المس بمكانة وقوة النخب السياسية والاقتصادية في الدولة.

هذه الاعتبارات لا تهم مواطني لبنان الذين تدهور وضعهم، ووصل إلى نسبة 30 في المئة من البطالة فأكثر، وإلى ارتفاع في الأسعار إلى ما فوق الـ 140 في المئة، وإلى سعر دولار يصل إلى 9 آلاف ليرة لبنانية. هذا حتى قبل أن نحسب عدد الوفيات بسبب كورونا الذي وصل إلى حوالي 3100 شخص من بين حوالي 300 ألف مصاب، الذين في معظمهم لا يجدون سريراً في المستشفيات. في نهاية الأسبوع الماضي، جرت مظاهرات حاشدة في مدينة طرابلس في شمال لبنان، وتم إرسال قوات الجيش والشرطة من أجل تفريق المتظاهرين. قتل في المواجهات العنيفة شخص واحد وأصيب المئات. استمرت الصدامات أكثر من أربعة أيام، وخلالها تم إلقاء عشرات الزجاجات الحارقة، وإحراق مبنى البلدية التاريخي، ووصل سلاح ناري إلى أيدي المتظاهرين. ثمة خشية أن تنتشر المظاهرات في أرجاء الدولة.

طرابلس، المدينة الثانية من حيث الحجم في لبنان والتي يعيش فيها حوالي 750 ألف نسمة، هي المدينة الأكثر فقراً في الدولة. معظم السكان من المسلمين السنة، وفيها تجمعات سياسية سورية وفلسطينية. هذا الواقع استخدم كأساس للادعاء بأن الأمر يتعلق بعصيان تشارك فيه جهات ودول أجنبية معنية بتحطيم لبنان. محللون في لبنان يحذرون من أنه ستنمو في لبنان مليشيا سنية على شاكلة “حزب الله”، ستجر الدولة إلى حرب أهلية جديدة. وتدخل “جهات أجنبية” هو الاسم الثاني للبنان. إذا كانت سوريا قد فعلت ذلك ذات يوم، فإن إيران وتركيا وقطر والسعودية وفرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل، هي التي تنبش الآن في النسيج اللبناني الهش. وخلافاً للمظاهرات في العام 2019 التي ارتكزت في الأساس على الطبقة الوسطى والطلاب، فالتي خرجت إلى الشوارع هذه المرة هي الطبقة الدنيا الأكثر فقراً.

لبنان مغلق منذ 11 كانون الثاني في إغلاق من المخطط أن يستمر حتى الاثنين القادم. ويبدو أن معطيات الوباء ستجبره على إبقاء الإغلاق ساري المفعول حتى بعد هذا الموعد، لا سيما بسبب عدم البدء في تطعيم السكان. أعلن رئيس الحكومة الانتقالية، حسان دياب، في نهاية كانون الثاني، بأن إرساليات التطعيم الأولى يتوقع أن تصل في منتصف شباط. ولكن الحكومة اشترت 6.3 مليون جرعة تطعيم، الأمر الذي سيكفي لتطعيم حوالي نصف السكان فقط بوجبتين. صحيح أن هناك خطة تفضيل، لكن المستشفيات والعيادات لم تحصل على أي تعليمات مفصلة حول توزيع التطعيمات، ومن غير الواضح كيف سيتم تجنيد القوة البشرية اللازمة لإعطاء التطعيمات وما هي وتيرة التطعيم.

تقدير الحكومة هو تطعيم جميع السكان حتى نهاية العام 2021، بما في ذلك 1.5 مليون لاجئ وحوالي 400 ألف عامل أجنبي، معظمهم من سوريا. ولكن التجربة المريرة في لبنان تعلم بأن خططاً كهذه تبقى بشكل عام على الورق. وليس من الصعب أيضاً التكهن من هي الطبقات التي ستحصل أولاً على التطعيم. “لبنان دولة في عملية تصفية”، كتب محاضر في الجامعة الأمريكية في بيروت لـ “هآرتس”. “فعلياً، ربما نشهد أيام لبنان الأخيرة كدولة مستقلة. فهل ستوافقون على ضمه إليكم؟”.


هآرتس