يجب أن يتوقّف تخوين الرأي الآخر لدى الشيعة

ديانا سكيني – النهار

يمثّل اغتيال #لقمان سليم مرحلة جديدة شديدة الخطورة يدخلها لبنان، لناحية الاستباحة الأمنية المتنقّلة. وتاريخ اللبنانيين مليء بمحطّات الاغتيالات السياسية التي دشّنت حقبات متفجّرة، وتزداد مشروعية المخاوف مع انسداد الأفقين السياسي والاقتصادي في البلاد، وخروج توقّعات أمنية ومعلومات مخابراتية مشبوهة مُقلقة إلى العلن، أضف تضافر العوامل الاقليمية التي تعيد ترتيب الأوراق في المنطقة.




لو كنّا في دولة طبيعية، لو امتلكنا إيماناً بقضاء يصل بالتحقيق الى خواتيمه، لكان صوت “انتظروا حكم العدالة الفصل”، لا يعلو على صوت آخر، لكنّ ذاكرة اللبنانيين تزخر بجرائم بقي القاتل فيها حراً طليقاً، لذا لا ريب بأن يطفوَ سيناريو الاتّهام السياسي على السطح، من دون إغفال فرضيات وسيناريوات أخرى.

في الشكل، نحن أمام تصفية جسدية لناشط ومثقّف شيعي خصمٍ لـ”حزب الله”، لم يتراجع يوماً عن موقفه التصعيديّ تجاه الحزب والسلاح والأدوار الداخلية والخارجية، ووجّه بوصلة معاركه السياسية نحو منظومتي الحزب والفساد في الدولة اللبنانية. صحيح أنّه يقيم منذ عقود في الضاحية الجنوبية لبيروت، لكن ما يدحضه بيان لسليم صدر عام 2019 عقب الهجوم على خيمة “الملتقى”، هو عدم التعرّض له يوماً، فيتحدّث عن تهديدات وُجّهت له ولعائلته وشعارات كُتبت على جدران منزله.

في الشكل أيضاً، يُغتال سليم في منطقة تقع ضمن نفوذ الثنائي الشيعي، ومع خروج الخبر إلى العلن، ينحو كثير من المواقف نحو الاتهام السياسي لكلّ مَن يرفض الصوت الآخر ويؤمّن بيئة خصبة للتخوين، ورسائل الترهيب والتخويف. في المقابل، يرى مناصرو الحزب في الاتّهام “استغلالاً سياسياً رخيصاً”، ويردّدون أسئلة من نوع: “لماذا يغتال حزب الله لقمان سليم؟ وماذا يمثّل الأخير من حيثية؟ ولماذا تُستبعد الفرضيات الأخرى”.

في الواقع، الأسئلة المطروحة قد تبدو واقعية، وقد يكون الموساد الاسرائيلي أو أي طرف آخر له مصلحة بمحاصرة الحزب سياسياً وإعلامياً، متورّطاً بالأمر، وقد تكون الجريمة ذات طابع جنائي، من يدري؟ غير تحقيق عادل نزيه. لكن لماذا اختيار لقمان سليم؟ هذه النقطة الجوهرية التي تستحقّ النقاش.

لقمان هو المعارض الموجود ضمن بيئة لا تتقبّل بأكثريتها الطاغية الاختلاف، وتتفاعل بسهولة مع مناخات التخوين. يكفي أن تكون شيعياً صاحب رأي نقديّ تجاه الحزب وسلاحه ودوره، حتى تصطبغ باتهامات العمالة لإسرائيل وأميركا وآل سعود. ولم تخفّ حدّة هذه العصبية بعد أكثر من عقدين من تحرير الجنوب، حين كان الإجماع على البندقية الموجّهة الى إسرائيل، والفعل المقاوم الذي تفخر به البيوتات الشيعية المزدانة بصور الشهداء، شأنها شأن القرى والأحياء في الجنوب والبقاع والضاحية.

في الواقع، يُفسح غياب العدالة ودولة القانون المجال أمام استسهال الاتّهام السياسي الذي يبقى ملاذ الضحايا غير القادرين على الإمساك بالقاتل.

لقد حان الوقت لـ”حزب الله” بما يمثّله من نفوذ في الطائفة الشيعية ومن تأثير في جمهوره، أن يضع حدّاً لهذه السياسة التخوينية التي باتت نهجاً، ولم يعد يكفي أن تطالعنا أجوبة من نوع: “أذكروا لنا متى تعرّضنا لناشط أو معارض؟ أو منعنا أحداً منهم من الترشح للانتخابات؟”. نعم هناك جو عام لا نجده بهذا الشكل في أي طائفة لبنانية أخرى؛ يرفض الرأي الآخر، وحتى النقاش بعقلانية في قضايا يُراد لها أن تُعتبر من المسلمات ضمن الطائفة، وما جرى مع الزميل قاسم قصير المعتدل ليس سوى دليل على المقصود. إنّ القضاء على هذا التخوين من شأنه أن يمنع انكشاف تلك القلّة المعارضة أمام القتلة. وهي القلّة التي يعتبرها النافذون السياسيون هامشية وغير مؤثّرة. ولا يُسقط في هذا السياق، دور ما تبقى من أمن رسميّ من ممارسة دوره بفعالية تجاه كلّ تهديد معنوي قبل الجسدي، والمسارعة إلى الكشف عن ملابسات جريمة تصفية لقمان سليم.

وأمام كلّ حفلة التراشق السياسي الوقحة التي تدور قرقعتها فوق الدماء، لا تصح سوى المطالبة بالعدالة الآن وأبداً لسمير قصير وجبران تويني ولقمان سليم وجمال خاشقجي، وكل مَن أُزهقت روحه من أجل رأي آخر.