//Put this in the section //Vbout Automation

من سمير إلى جبران ولقمان… ماتت العدالة فعاش القاتل!

منذ صباح الثاني من حزيران 2005، يوم اغتيال الصحافي والكاتب #سمير قصير، إلى صباح الرابع من شباط 2021، يوم اغتيال الناشط السياسي #لقمان سليم، مروراً باستشهاد الصحافي والنائب #جبران تويني في الثاني عشر من كانون الأول 2005، أكثر من خمس عشرة سنة، شهدت أفظع عمليات التصفيات السياسية ومساعي كمّ الأفواه والاغتيالات التي ضُمِّنت رسائل ترهيب، فنُدرك اليوم، مع اغتيال سليم، أنّ العدالة المفقودة هي التي تشرّع بشكل مباشر الجريمة السياسية – الاجتماعية.

لم تُخطئ شقيقة سليم، رشا الأمير، حين قالت إنها لا تثق في #القضاء اللبناني، فتاريخ لبنان بعد الحرب الأهلية حافل بتمييع القضايا والمماطلة في المحاسبة. فمن استهداف قصير وتويني، وسلسلة الاغتيالات السياسة، حتّى اليوم، أُقفلت ملفّات جرائم عدّة أو أُهملت، ولم تُقدّم التحقيقات العدلية فيها أي إدانة لأي طرف. واليوم، فيما يُحيي لبنان ذكر أعنف الجرائم التي ارتُكبت في حقّ اللبنانيين، اغتيل سليم، ما يعزّز التخوّف من إفلات المجرم، كما في السابق، من العقاب.




يطرح الواقع السياسي – القضائي اللبناني مبدأ “عدم الإفلات من العقاب” الذي نصّ عليه القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يبقى الرادع الأول للجريمة. في هذا الإطار، يرى رئيس مؤسسة “جوستيسيا” الخبير القانوني الدكتور بول مرقص أنّ “المجرم متى وَجد مماطلة في التحقيق بالجرائم السابقة التي لم تُسفر حتى اليوم إلى نتائج، يكرّر فعلته ويتّجه غيره إلى اعتماد الجريمة”. والواقع، أنّ العدالة المفقودة تضمن للقاتل الحصانة اللازمة، “فطالما أنّ التحقيقات العدلية بالاغتيالات والتفجيرات التي ناهزت الثلاثين خلال الحرب وما بعدها، لم تُسفر إلى نتيجة بمعظمها”، يؤكّد مرقص لـ”النهار” أن “الأمر يبعث برسالة مضلّلة للقاتل، وإن اختلف، بأنه يمكنه تكرار فعلته”.

تمييع اغتيال سليم وطمس الحقائق مساهمة في الجريمة وتواطؤ مع القَتَلة. ويرى المدير التنفيذي لـ”مؤسسة سمير قصير” أيمن مهنّا أنّ “لا شيء من شأنه نهي القاتل عن ارتكاب الجريمة المقبلة إلّا ملابسات جرائم اليوم والأمس”، معتبراً في حديث لـ”النهار” أنّه “تمّ التحضير لاغتيال سليم يوم أُغلق ملف سمير قصير وجبران تويني”. ويشير مهنّا إلى أنه “لا حلّ مع الطبقة الحاكمة وسلطة الأمر الواقع التي تضمّ قادة متورّطين بتهم فساد وبعضهم بجرائم قتل”. ويتماهى حديث مهنّا مع رأي المحامي والباحث ومدير”المفكرة القانونية” التنفيذي نزار صاغيّة، الذي يرى أنّ “غياب المحاسبة يُفضي إلى مزيد من جرائم القتل واضطهاد المتظاهرين والفساد”.

“حوّلت الممارسات السلطوية التي ارتُكبت بعد الطائف، القضاء، إلى أداة في بيد السلطة” يؤكّد صاغيّة، الذي، وإن يؤثر “انتظار نتائج التحقيق قبل إطلاق المواقف والتساؤلات”، يطرح سؤالاً حول “كيفية التصرّف حيال تولّي النائب العام في الجنوب رهيف رمضان، المحسوب جهاراً على رئيس مجلس النواب نبيه بري، جمع الأدلة في اغتيال سليم”، معتبراً أننا “نعيش تحت نظام أقوى من المجتمع وفي ظل الحاكم بأمره الأقوى بدوره”. وبذلك، تُعيد قضية سليم إلى الواجهة أهمّية استقلالية القضاء.

يستذكر الدكتور مرقص جريمة اغتيال الرئيس رينيه معوض، “التي يكاد يخلو ملفّها العدلي من الأوراق، في وقت تبقى التحقيقات العدلية أساس المحاكمات، ومن دونها لا يُلفظ العقاب”. نعم، نتخوّف من تكرار السيناريو عينه مع سليم كما حدث مع “أرفع شخصية لبنانية اغتيلت بعد الحرب”، كما يرى مرقص.

وعن الحلول، يستحضر مرقص نموذجاً قضائياً إيطالياً، هو حركة Mani pulite (الأيدي النظيفة)، التي أقدم بعض الساسة بسببها على الانتحار، بعد إسقاط ورقة التين الهشّة عن فسادهم، وأقام القانونيون الذين قادوها تحقيقاً قضائياً على الصعيد الوطني حول الفساد السياسي، في 17 شباط 1992. “لا حلّ سوى في مبادرات شخصية من قضاة شجعان، تتكاثر كالعدوى”، يقول مرقص، مشيراً إلى أنه لا يعوِّل بالضرورة على النظام القضائي كمؤسسة “لأنه ثقيل بفعل البيروقراطية، ومركزي وعرضة للضغوطات، من جهة، ولأنّ اقتراح قانون السلطة القضائية المستقلّة الغارق في اللجان النيابية، بالإضافة إلى أنه جاء معقّداً ولا يصلح للتجلة اللبنانية، لا أنتظر من السلطة السياسية المتمثّلة بالبرلمان أن تمنح الاستقلال للقضاء، حيث ينتزع القضاة استقلاليتهم بالقوة، ذلك أنّ السياسي يميل إلى التدخّل في شؤون القضاء والضغط عليه لأنّ لا مصلحة له في ذلك”.

من جانبه، يرى صاغيّة أنّ “واحدة من أهم مشاكل المنظومة الحاكمة هي أن لا حدود لها”، ويشرح قائلاً: “لا مؤسسات تفرض حدوداً على السلطة وتُظهر فسادها وتمنعهم من الاعتداء على المواطنين، بل ينبري أفرادها لتحديد صلاحيات وأعمال بعضهم البعض عبر المحسوبية والمحاصصة”. كما يعتبر أنّ “المحسوبية التي تطغى على النيابات العامة تعطّل عمل القضاء، بالإضافة إلى تسييس المراكز القضائية الحساسة بشكل عام، ما يزيد تخوّف السلطة من فقدان شرعيّتها وقدرتها، فترى في القوّة والعنف مسوّغاً لأعمالها، إذ إنّ عدم وجود قضاء مستقل هو نوع من أنواع هدر الدم”.

وفي إطار الحلول التي يطرحها مرقص، يشدّد على وجوب “ذهاب مجلس القضاء الأعلى إلى تطوير شرعة مدوّنة سلوك ملزِمة لجميع القضاة، تقتضي بمنعهم من تبوّء أي منصب قضائي أو إداري أو سياسي في الدولة بعد تقاعدهم، حتى لا يتّخذ أيّ منهم القضاءَ مَطيّة لبلوغ مناصب وزارية أو إدارية تكلّل مسيرته”، مشيراً إلى أنّه “من شأن هذه الشرعة إعفاء القضاء من مُسايرة السياسيين”، معتبراً أنّ ذلك “من صميم الاستقلالية”.

اغتيالات عدّة هزّت لبنان، بعضها فشل والبعض الآخر بقي حتى الآن من دون محاسبة. فقد تعرّض النائب مروان حماده لمحاولة اغتيال في الأول من تشرين الأول 2004، ثمّ اغتيل رئيس الحكومة رفيق الحريري ومعه الوزير باسل فليحان في 14 شباط، الحدث الذي سبق موجة اغتيالات سياسية وتفجيرات في عدد من المناطق، بدأت مع اغتيال الصحافي والمفكر سمير قصير (2 حزيران)، محاولة اغتيال وزير الدفاع الياس المر (12 تموز)، محاولة اغتيال الصحافية مي الشدياق (25 ايلول)، اغتيال الصحافي والنائب جبران تويني (12 كانون الأول)، واغتيال الرئيس السابق للحزب الشيوعي جورج حاوي (21 حزيران).

كما سبق اغتيال النائب انطوان غانم في سن الفيل في 19 أيلول 2007، اغتيال النائب وليد عيدو في منطقة الروشة في 13 حزيران 2007، واغتيال مدير العمليات في قيادة الجيش اللبناني العميد فرنسوا الحاج في 12 كانون الأول 2007.


المصدر: النهار