“حزب الله” يضمن الثلث المعطّل… هل من حدود للاستعصاء العوني؟

ابراهيم حيدر – النهار

لا يعني كلام الرئيس الفرنسي الأخير عن لبنان تجديداً للمبادرة الفرنسية. مانويل ماكرون يبادر مجدداً من خلفية تتصل بالملف الإقليمي، خصوصاً وانه يسعى إلى الاتفاق مع الأميركيين والإيرانيين لفتح كوة وإحداث خرق في قضايا عدة في المنطقة يتم إدراج الملف اللبناني تحتها أو في سياقها. هنا يمكن القول أن ماكرون أدرك أن المبادرة الفرنسية الأولى سقطت بعدما لم تجد طريقها إلى التنفيذ. وهو اقتنع أن التشكيلة اللبنانية بمكوناتها وقواها الممسكة بالسلطة تمنع العبور الى مرحلة انتقالية جديدة تؤسس من خلالها لحكم قادر على السير في العملية الإصلاحية وانقاذ البلد من المأزق والانهيار.




في الواقع انتهت المبادرة الفرنسية، وفق سياسي متابع، مع اعتذار الرئيس المكلف السابق، مصطفى أديب، حين تحدث ماكرون بعدها وحمَّل المسؤولية لكل من ساهم في منع إنفاذ مندرجاتها. وبعد تكليف الرئيس #سعد الحريري أعاد الفرنسيون دعمهم لتشكيل #الحكومة قبل أن تُعلّق المساعي بالخلاف الذي برز بين الرئاستين الأولى والثالثة ثم الاستعصاء ال#عوني أمام مسودة التشكيلة التي قدمها الحريري، فتمسك الرئيس ميشال عون بتسمية الوزراء المسيحيين بما يعني تصميمه على نيل الثلث المعطل في حكومة الـ18 وزيراً وهو ما كشفت عنه كل التصريحات والمواقف على رغم نفي الرئاسة له، ليتمثل هذا الاستعصاء أخيراً برفض كل المبادرات والوساطات وتعليق الحكومة والبلد أمام مجموعة مطالب تعبر عن مصالح بعناوين الحصة المسيحية مقابل الحصص السنية والشيعية والدرزية، وما يخفي في طياتها من محاولة للإمساك بالقرار وتثبيت صلاحيات وأعراف تكرست بالامر الواقع خلال الحكومات السابقة.

بات يوجد استعصاء عوني واضح وصريح لا يزال يراهن على تحالفه مع “حزب الله” لقلب الأمور ودفع الرئيس المكلف إلى الخضوع والتنازل لما يطالب به عون والتيار الوطني الحر بما صار يعتبره الجميع “الثلث المعطل”، وأن كان يفسره رئيس الجمهورية بتسمية الوزراء المسيحيين وممارسة صلاحياته في التأليف. لكن الحزب الذي يأخذ بالاعتبار موقف حليفه في الثنائي الشيعي رئيس مجلس النواب نبيه بري الرافض للثلث المعطل، ليس في وارد السير إلى النهاية مع رئيس الجمهورية في هذا الملف تحديداً وإن كان يرفض كسر موقف الرئيس، لكن حساباته محطتها الرئيسية في ما تشهده المنطقة من اتصالات قد تفتح على تفاوض إيراني أميركي جديد، ولذا هو ينتظر ما سينتج عن الاتصالات الفرنسية المفتوحة على إيران وعلى دول أخرى فاعلة ومقررة في المنطقة، فلم يعلن موقفه مباشرة وإن كان يريد تنفيذ جزء من مطالب عون أبرزها حصوله على وزارة الداخلية وتسمية خمسة وزراء مسيحيين من ستة على أن يكون السادس توافقياً، خصوصاً وأنه يعرف ان الحريري لن يمانع إذا طرحت عليه هذه الوجهة انطلاقاً من حسابات تتعلق بموقع “حزب الله” وما قد ينتج عن المبادرة الفرنسية إيرانياً، أو حصول تفاهم فرنسي إيراني قد يدفع إلى حلحلة ملفات لبنانية ومن بينها الحكومة، علماً أن إيران ومن موقع ذراعها في لبنان “حزب الله” لا تقدم تنازلات مجانية إلا إذا كانت تتصل بتوافق يشمل أطرافاً عدة ويضمن مصالحها.

لا شيء إيجابياً بعد طالما أن القضية مرتبطة بالشروط العونية داخلياً، وبما يتصل بالتفاهمات في المنطقة إقليمياً. يتم التواصل مع الفرنسيين من قوى داخلية للضغط على عون للتنازل عن بعض شروطه، خصوصاً وأنه كان أوحى في مواقف غير مباشرة بأنه لا يريد الحريري ويفضل شخصية أخرى لرئاسة الحكومة، فيما حليفه الأول “حزب الله” لن يقبل باستهدافه ولا إحراجه، وهو ينتظر مترقباً ما ستؤول اليه الامور، فإذا كانت الوجهة حالياً التمنع عن الإفصاح عن وجهته والصمت وعدم التصعيد ومحاولة استيعاب مواقف عون وعدم الضغط عليه للحسابات نفسها، إلا أنه قد يتقدم إلى دائرة الاستعصاء إذا تبين أن أجواء الاتصالات في المنطقة سلبية، ولا بد من العودة الى المواجهة وتشكيل حكومة لها صفة الممانعة.

في المحصلة يستمر “حزب الله” في حماية موقع حليفه رئيس الجمهورية، بالتوازي مع تمسكه بسعد الحريري رئيساً مكلفاً لتشكيل الحكومة، فلا بديل بالنسبة إليه عن الحريري الذي يوفر له مسارات تواصل دولي. أما الوجهة التي يعمل عليها لتسوية الإشكالية العونية، والاستثمار فيها إذا أمكن، بالتوازي مع التحركات الفرنسية، فتقوم على محاولة إقناع عون بالتنازل جزئياً عن تسمية إسم مسيحي بما يعني التراجع عن الثلث المعطل، بضمانات يقدمها الحزب ليشكل ثلثاً معطلاً بديلاً، للسير بالتأليف، على رغم أن “حزب الله” ليس مستعجلاً في هذا الشأن لحسابات ترتبط بتطورات المنطقة، وهو يقيس على أساسها المصلحة في ما إذا كانت هناك ضرورة للتعجيل في التأليف أو عدمه وإبقاء الامور على ما هي عليه كي تنضج الظروف التي تسمح بإخراج تسوية جديدة. لكن هل يمكن إقناع ميشال عون بالتنازل؟ العقدة تكمن هنا، خصوصاً وأن رئيس الجمهورية يريد من حكومة العهد الأخيرة أن تحقق ما عجزعن تحقيقه طوال أكثر من اربع سنوات، في وقت ينزلق البلد إلى الانهيار. ووفق سياسي خبير، هل ينظر عون إلى أن موقع رئاسة الجمهورية يتضمن الوطني العام قبل أن يكون موقعا مسيحياً خاصاً، وهناك حدود دستورية ينبغي التوقف عندها. ويُطرح السؤال من زاوية أخرى أيضاً… هل من حدود للإستعصاء العوني؟