سمير عطا الله

ما فيش فايدة – سمير عطالله – النهار

عن الشاعر الاميركي الصربي، #تشارلز سيميتش، أن والده المهاجر الى نيويورك، كان كلما عاد إلى البيت في آخر النهار، رمى سترته على الكنبة وقال “كم هو متعب أن تكون #صربياً”.

خلال حرب البلقان، التي انهت دولة #يوغوسلافيا، كما أقامها المارشال تيتو، لم اتعب من البحث عن اوجه الشبه بين بركانياتها وبركانيات هذا الشرق. وكان الشبه مفزعاً. في يوم، تكون سراييفو زهرة اوروبا، وبستان التنوع البشري، وفي غد ترتفع المتاريس، وتُحفر الخنادق، وينتشر القتال من شارع الى شارع، وتفصل خطوط التماس بين رفاق واصدقاء الأمس، وتصبح الهويات رمزاً للأنقضاض.




لم يتسلم جان عبيد حقيبة وزارية إلا ورفع من مستواها وجدّيتها. وعندما اصبح وزيراً للتربية وعد بوضع كتاب موحد للتاريخ. وبعد محاولات في منتهى الجديّة والتكرّس، استقالت الحكومة ولم يكن كتاب #التاريخ الموحد قد أتم، وحتى اليوم. يقول تشارلز سيميتش إن اعقد الاستحالات هي الاتفاق على تاريخ موحد لصربيا.

كيف يمكن ان تعثر على صيغة واحدة لكي تروي تاريخ بلد لا نهاية لحروبه الأهلية والسياسية والعسكرية، بين الطوائف، وضمن الطائفة الواحدة، بين المقيمين وضمن المهاجرين، مساحته عشرة آلاف كلم2، وفيه الف حزب والف قبيلة وألف مفوض سامٍ.

صباح الجمعة الفائت، حاولت ان اعرف، مع جميع ال#لبنانيين، ماذا يجري في طرابلس، التي نخدعها بتسميتها “عاصمة الشمال”. وجميعنا نعرف انها حارة للبؤس، وغيتو للفقراء، ونصب فاضح لجريمة الاهمال الرسمي المتعاقب، منذ الاستقلال الى اليوم. باستثناء الاهتمام الأميري، ايام فؤاد شهاب.

إذن، مَن اشعل طرابلس؟ صحف تقول “حزب الله”، وأخرى تقول العهد، وثالثة تقول سعد الحريري، ورابعة تقول صراع الاجهزة، وبعض آخر يعلن، بكل بساطة، أنها مقدمة لانفجار الصراع المسلح؟ أقصى الافتراضات وأقصى المتناقضات. لكن المأساة أنها ايضاً اقرب الاحتمالات. بلد مفتوح على جميع انواع الخراب. وكل فريق يحمل علبة كبريت، وما من احد، أو ظل لأحد، في العشرة آلاف كلم2، يحمل سطل ماء او طفاية آلية. الاطفائيون هنا يموتون تحت الردم البركاني، ويسجل موتهم، كما يسجل موت بلدهم كل يوم، على فاعل مجهول.

حاول المارشال تيتو ان يبني يوغوسلافيا بالقوة. وأن يضع حداً لترهات العنف والجنون في البلقان. وبعد وفاته عن 88 عاماً ويخت ضخم وعشاءات السباغيتي مع صوفيا لورين، جاء الى الحكم في بلغراد، المدعو سلوبودان #ميلوسيفيتش. في نيويورك، لم يكن في إمكان الشاعر سيميتش ان يقاوم متابعة اخبار وطنه الأم، فلما قرأ عن وصول ميلوسيفيتش قال: “انها اخبار غير طيبة على الاطلاق”.

حملت نهاية يوغوسلافيا توقيع ميلوسيفيتش. والدماء، والمجازر، والتحالف مع زعماء المافيات. وبعد سنوات الوحدة الوطنية في ظل الشيوعية، ايقظ الرجل البليد جنون القوميات والطائفية والثأرات البلهاء، التي تنتقم للموت بالموت.

يقول سيميتش ان اكثر ما اخافه بعد وفاة تيتو، كان انتهاء زمن العمالقة. ولم يعد ممكناً ان يتجدد. فمن هو الآن الميكانيكي الذي سيصبح موحّد يوغوسلافيا وماريشالها؟ مع وصول القامات والكرامات والاحلام الصغيرة، بدأت يوغوسلافيا تتفكك. جميع رفاق تيتو كانوا قد هرموا او غابوا.

يكتب سيميتش: “كانت جدتي اول من اخبرني عن الشر في العالم. تلك المرأة المسكينة كانت منطقية اكثر من كثيرين. كانت تعرف لغات عدة، تستمع على الراديو الى موسوليني وهتلر وستالين وغيرهم من المجانين، وكانت تفهم البلاهات التي يتفوهون بها. لكن ما كان يغضبها اكثر من سفالات كلامهم، هو حماس اتباعهم. لقد علمتني درساً لم اقدِّره آنذاك حق قدره: “احذر الزعماء المزعومين كباراً وما يثيرون حولهم من نشوة”.
كان بعض المهاجرين، الفقراء مثل عائلته، يأتون للزيارة والحديث عن اوضاع البلد: “وقد فهمت من احاديثهم، لماذا يوصف الصرب بالحَمَق. وإلاَّ فأي شعب اوروبي آخر يمكن ان يخوض حرباً اهلية فيما هو واقع تحت الاحتلال النازي؟ كان بيننا الشيوعيون والملكيون وعملاء ايطاليا المحلية، وكانوا جميعاً يتقاتلون مع بعضهم البعض”.
من الصعب ان تفهم الصرب، ومن الصعب ان تفهم البلقان. “وكيف يمكن ذلك فيما كل جماعة إثنية تكتب التاريخ متذكرة فقط ما الحقه بها الآخرون من اذى، متجاهلة تماماً ما ارتكبته في حق جيرانها عبر القرون”؟

تابع سيميتش الحرب من نيويورك، وكان يكتب في الصحف الالمانية مستنكراً موقف النخب والمثقفين، المشجع للقتال والمتغاضي عن المجازر. وكان ردّ الحمقى مألوفاً، كما في كل الازمنة والأمكنة: “الكثيرون من مواطني، غضبوا مني. فالصرب شعب يعشق تكبير المؤامرات. كل شيء خلفه مؤامرة. وافضل واحدة كانت ان السي.آي ايه دفعت لي مالا طائلاً لكي اكتب الشعر ضد صربيا، وانني اعيش في قصر مليء بالخدم السود”.

يكتب: “في عجزهم عن العمل كرجال دولة، أوتشكيل قضية وطنية، فإن العمل الوحيد الذي كان ميلوسيفيتش وازلامه قادرين عليه هو بث الحقد، وتحريض الجارعلي الجار. وقد اصبحنا نعرف الآن ان كل تلك الميليشيات والحماسيات كانت منظمة وغير عفوية على الاطلاق”.

ذهبتُ الى بلغراد اوائل السبعينات، وكان سفيرنا فيها الراحل العزيز الشيخ منير تقي الدين. وكان الشيخ منير قد ألف كتاباً عن سيرة تيتو، وانخرط في الجو الديبلوماسي في المدينة. وهنا في بيروت كان الرئيس ياسر عرفات قد بدأ يتحدث عن “البلقنة” الآتية الى المنطقة. وقلت للشيخ منير ذات يوم، هل هناك خوف من عودة البلقنة؟ قال، “بعد تيتو كل شيء محتمل، وعندنا بعد فؤاد شهاب كل شيء محتمل ايضاً”.

الأمم ليست شعوباً فقط. وأنا، مع الاعتذار، لست شديد الايمان بالجماهير. فهي تفور وتغور بتصريح، أو إشاعة، أو أغنية. ودائماً نكرر ان العريف النمساوي ادولف هتلر قاد احد اكثر الشعوب عبقرية الى اسوأ عملية توحُّش في تاريخ الحروب البشرية، بينما قادها كونراد اديناور الى أهم قيامة من بين الانقاض. حتى في الانظمة الديموقراطية، حيث الادارة للجماعة والقوانين القديمة. الفرد هو من يكتب التاريخ، إما على طريقة روزفلت اوعلى طرائق ترامب.

نُسب الى سعد زغلول زعيم ثورة 1919 الكبرى في مصر، إنه في ساعاته الأخيرة قال لزوجته، “أم المصريين” يائساً: ما فيش فايدة يا صفية، غطيني”. وذهب هذا القول مضرب مثل في حياة المصريين، عاشقي النكتة والسخرية. وقد نفيَ القول في ما بعد، لكن طاب للناس استخدامه، وطاب لها نسبه الى الباشا، أهم استقلالي في تاريخ مصر.

ماذا يقول اللبنانيون في بيوتهم ومؤسساتهم (الباقي منها) ومدارسهم (الفاتح منها)، ومحالهم (غير المفلس منها)، وكل مجمع باقٍ من مجامعهم؟.. لا حياة لمن تنادي. ترجمتها بالمصرية “ما فيش فايدة يا صفية”.