//Put this in the section //Vbout Automation

طرابلس أمّ الفقير

وجع #طرابلس وأهلها كان وسيبقى، انعكاساً تلقائياً لوجع أبناء الشمال ولبنان عامة. فهذه المدينة كان بمقدورها، لو أحسن التعاطي مع شعبها الصادق وتاريخها الرصين، أن تكون إحدى لآلئ البحر المتوسط، بدل أن تكون إحدى أفقر مدن هذا البحر.

لا ينقصها شيء، لا في تاريخها ولا في عماراتها ولا في قلاعها ومبانيها ومساجدها، كنائسها وجامعاتها ومدارسها، وأسواقها التاريخية القديمة والحديثة. ولا بحرها ونبض الناس الحيّ فيها، ولا في بساتين الخير، فهي كانت وستبقى أمّاً لمحيطها .




طرابلس أمّ الفقير، هكّذا عرفها أجدادنا وعرّفوا بها، وكذا آباؤنا. وهذا ما خبرناه نحن فيها أولاداً وشباباً، ونحن على المقلب الثاني من العمر نوصي بها أيضاً أبناءنا والأحفاد…

طرابلس الجامعة منذ زمن لكل أبناء الشمال. كل قرية أو بلدة شمالية من وادي خالد إلى البترون، ومن شاطئها إلى أعالي جبال الأربعين والقرنة السوداء… لها في طرابلس سفراء، عائلات تقطنها وتعمل وتستريح فيها. فيها يطيب العيش، فهي كانت ولمّا تزل رغم كلّ المحن معجناً للخير، ولم ولن تشوّه صورتها أيّ طفرة من طفرات هذا الزمن الرديء، ذلك أنّ أُناسها طيّبون مفطورون على الحبّ، وعلى الشجاعة والنخوة والشهامة.

فالصداقة بين بنيها وفي الأحياء والأزقّة الداخلية، كما في شوارعها وشواطئها، لا تموت، بل تورَّث. ومَن لا يختبر معجن الخير هذا، فليس بمقدوره أن يعي ويعرف لمَ طرابلس أمّ… لمَ هي أمّ الفقير…

وما حصل بالأمس من مشاهد مخزية وشائنة ومشبوهة، ليست إلّا حالة طارئة. والطرابلسيون ومعهم أهل الخير الذين أحبوها، قادرون على النهوض من جديد بها، ذلك أنّ ما حصل الأمس وليل الأول من الأمس، ليس بالاختبار الأول ولن يكون الأخير.

فقط أبعدوا أيديكم عن هذه المدينة وأهلها وكفى…

لا يجوز الاستمرار بهذا النكد البغيض والمقيت حقاً، فالألعاب جميعها مكشوفة. لا يجوز الاستمرار بهذا الكمّ الكبير من البغض تجاه هذه المدينة ودورها الوطني الكبير كعاصمة ثانية لهذا البلد، الذي لنا شرف الانتماء إليه.

أعيدوا إليها ما سلبتموه منها، أبعدوها عن مكامن الخبث، فهي قادرة على أن ترمّم نفسها بنفسها.

فطرابلس غنية بأهلها بعلمائها بمثقفيها ونخبها، بعمّالها وسواعد كلّ أبنائها. بذور الخير في معاجنهم نابتة دائماً… لكن أفسحوا لها في المجال. لا تعوقوها، ابتعدوا عن طريقها، ولا تدخلوها في دهاليز ظلمكم وزواريب أنانياتكم المفرطة، فطرابلس ما كانت يوماً إلا في النور، وهي نحو نورها ذاهبة لا محالة، والفجر قريب .


النهار