//Put this in the section //Vbout Automation

ما بعد الوطن والغربة.. أرض ثالثة!! – كاتيا سعد – باريس

لا أملّ من إثارة موضوع الغربة، بقدر ما أملّ من أسطوانة “اللي برّا عايش بكرامتو، وفي احترام للإنسان”.

لن أقيّم الغربة، وإن كنتُ مخوّلة لذلك. ولكن أشعر برغبة أن أتحدّث عن “غربة vice-versa” – غربة باتجاه معاكس. ما هي؟ هي مرادف كلمة “عودة إلى الوطن”.. عودة بالروح، وإن لم تكن بالجسد ؛ عودة برائحة الذكريات، وإن لم تكن بحواس الواقع!




منذ اليوم الأول نقيم “بأوراق شرعية” ؛ ثمّ بعد سنوات نترقّى إلى درجة مواطن حاملين “الجنسية الأجنبية” ؛ ثمّ نستمرّ عمراً في الغربة.. ومع ذلك، نحن نندرج تحت اسم “المغترب”، وأسماؤنا تتوّج لائحة Diaspora – “الجالية الإغترابية”. ولكن حين نقرّر عكس ذلك، نقول: نحن نعود إلى الوطن. ونُسأل: متى ستعود إلى الوطن؟

حتى وإن كنت أشعر أنني أنتمي إلى فرنسا، وأستأنس في نمط حياتها، وأتأقلم مع دهاليزها.. أرى دائماً لبنان في بعض أماكنها، وأبحث أحياناً عن أجزاء لبنان في شعبها وشوارعها. كل كا هو جميل في باريس، أرغب أن أحمله معي إلى لبنان ؛ وكل ما هو جميل في لبنان أرغب أن أحمله معي إلى هنا. قد يستغرب البعض قولي، لأنهم يجهلون أن ما يزعجهم في لبنان ويتغنّون بوجوده في الخارج، نحن أيضاً نلتمسه وإن بشكل آخر: ثمة ما يزعجنا في الخارج، ونتمنى لو نوضّبه في حقيبة السفر من بلدنا.

كم مرّة أعود إلى ذاكرة لبنان “نمط الحياة”، بعيداً عن السياسة وتشوّهاتها للوطن. نعم، هنا، في غربتي، لديّ كل شيء مؤمّن من حيث متطلبات الحياة والجسد، ولكن ماذا عن الروح؟ ليس بكلام فلسفة، ولا خواطر اعتدتُ أن أخطّها على صفحاتي الإلكترونية. في لبنان، نتمنى أن يحصل كل شخص على حقّه كإنسان، في مستلزمات حياته الرئيسية قبل الثانوية. وفي الخارج، نصارع مع وحدتنا كي نحصل على تلك “اللفتات” الإنسانية – العاطفية، التي تُبلسم أوجه متعددة من حياتنا كإنسان. هل تعلم ماذا ينقصنا؟ نحتاج إلى:

أن نجلس في Living room مع الأهل، كي نشتّت ذهنا من مشاكل العمل؛
أن نلتقي مع أقرب صديق(ة) في Coffee shop، كي نزيل ألم الفراق مع حبيب؛
أن نشارك مشروعنا المقبل مع أحبائنا، لا أن يمرّ مرور الكرام؛
أن نعرف هوية كل شخص، من الجيران المقيمين معنا في نفس المبنى؛
أن نشعر باهتمام من حولنا، عند أدنى وعكة صحية؛
أن يكون لدينا أصدقاء “حقيقيين”، نبقى معهم على تواصل في حال انتقلنا؛
أن يُقلّنا أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء إلى المطار، سواء نسافر في إجازة أو مُهمّة عمل.

أعرف أنّ هذه الممارسات لم تعد كما السابق، بفعل التحوّلات الكونية، والانشغالات اليومية. ولكن ما تزال تتنفّس في أحضان لبنان، وما زلت حتى اليوم أشحن نفسي بها في كل زيارة إليه. ومع أنني اعتدتُ غربتي، وأحب مكان إقامتي ؛ ولكنني أفتقد في كل رحلة “باريس – بيروت”، ذاك الإحساس الذي أشعر به، وأنا أتوجه إلى المطار لأستقل طائرة “بيروت – باريس”.. الخروج من المنزل باتجاه لبنان، هو وحيد، جاف وبارد ؛ بينما الوداع وأنا متّجهة إلى باريس هو حميمي، عائلي ودافئ!!

بين الوطن الذي فيه ثقوب “حيوية” جمّة ؛ والغربة التي نفتقد فيها معالم “روحية” متعدّدة ؛ ما أجمل أن يكون أمامنا خيار يجمع بينهما، بلد ثالث – أرض ثالثة. بلدٌ يتغذّى الجسد منه طمأنينة الحياة اللوجستية، وتنمو فيه الروح بأعمدة وجدانية!!