أزمة مركبة تضع لبنان في فوهة بركان اجتماعي

أعادت تدابير الإغلاق المشدد للحد من تفشي الوباء المئات من المتظاهرين إلى الشارع في شمال لبنان وتحديدا في طرابلس، التي تعد من أفقر مدن البلاد، حيث جدت مواجهات عنيفة منذ الاثنين الماضي مع قوات الأمن. فما هي أسباب هذه النقمة؟ وهل يوشك لبنان على انفجار اجتماعي جديد؟

يشهد لبنان أزمة مركبة على كافة الأصعدة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وعلى وقع الانهيار المتمادي مع انهيار العملة المحلية والارتفاع الجنوني للتضخم وفقدان الكثيرين لوظائفهم، بات أكثر من نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر، حيث ارتفع عدد اللبنانيين الذين يعانون من فقر مدقع من 8 إلى 23 في المئة، وفق الأمم المتحدة.




ويلقي اللبنانيون بالمسؤولية على الطبقة السياسية التي أدخلت البلاد في متاهة لا يمكن لأحد أن يتوقع متى ستخرج منها، وقد ازدادت المعاناة إثر فرض قيود الإغلاق، حيث لم يجد الناس بديلا سوى الشارع للتنفيس عن احتقانهم الذي بلغ مستوى لم يعد معه بالإمكان التراجع إلى الوراء بالتزامن مع غياب الحلول لإصلاح الأوضاع.

وفي الوقت الذي أبدى فيه ناشطون في طرابلس قلقهم الشديد من أن الوضع المعيشي مقبل على انفجار شعبي، وما يحدث ليلًا ليس إلا مقدمة فقط، توجه المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش في تغريدة إلى الطبقة السياسية الخميس الماضي قائلا “شكّلوا حكومة فعالة دون المزيد من التأخير. لم يعد بإمكان الناس تحمل هذا السقوط الحر إلى الهاوية”.

ومنذ خريف 2019، فرضت البنوك قيوداً مشددة على الحسابات خصوصاً بالدولار. وبات المودعون غير قادرين على سحب دولاراتهم، لكن يمكنهم الحصول عليها بالليرة وفق سعر الصرف الرسمي المثبت على 1507 ليرات أو وفق سعر تفضيلي، لكن ضمن سقف معين، في حين أن سعر صرف الدولار في السوق السوداء يكاد يلامس عتبة التسعة آلاف ليرة.

ويقول الأكاديمي والباحث الاقتصادي جاد شعبان لوكالة الصحافة الفرنسية إن القيود المصرفية “أدت إلى انخفاض فعلي في قيمة الودائع بأكثر من خمسين في المئة”.

ورغم إقرار السلطات خطة إنقاذ اقتصادية طموحة في أبريل الماضي، وتقدّمت على أساسها بطلب مساعدة من صندوق النقد الدولي، إلا أن الخطة بقيت حبراً على ورق، وعلّق صندوق النقد المفاوضات بعد جولات عدة، في انتظار توحيد المفاوضين اللبنانيين تقديراتهم لحجم الخسائر ووضع إصلاحات ملحة يطالب بها المجتمع الدولي على سكّة التنفيذ.

وغرقت البلاد بعدها في دائرة من المراوحة السياسية مع ازدياد تفشي وباء كوفيد – 19 الذي فاقم الأعباء الاقتصادية، ثم وقع انفجار مرفأ بيروت المروّع في مطلع أغسطس الماضي. ورغم المساعي الفرنسية لدفع القوى السياسية إلى تشكيل حكومة برئاسة سعد الحريري، لا تزال الأمور تراوح مكانها.

في هذا السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الجمعة أنه سيقوم بزيارة ثالثة إلى بيروت. وقال خلال مؤتمر صحافي إنه لا حلول أخرى متاحة لأزمة لبنان غير المبادرة الفرنسية، وأنه سيفعل كل ما باستطاعته للمساعدة على تشكيل حكومة.

وكانت حكومة حسان دياب قد استقالت بعد أيام من انفجار مرفأ بيروت، لكنها إلى اليوم تقوم بمهام تصريف الأعمال. ورغم الانهيار الاقتصادي وغضب الشارع والضغوط الدولية التي قادها ماكرون، الذي زار بيروت مرتين، محدداً مع القوى السياسية خارطة طريق لإنقاذ البلاد وتنفيذ إصلاحات عاجلة مقابل حصول لبنان على دعم دولي عاجل، لم تبصر الحكومة النور وسط تجاذبات وانقسامات سياسية كبرى.

ويبدو أن تداعيات الإغلاق العام بسبب الوباء كانت قاسية؛ ففي نهاية العام الماضي شهد لبنان، حيث يقيم قرابة ستة ملايين شخص، قفزة غير مسبوقة في معدل الإصابات بالفايروس والوفيات. ودفع ذلك السلطات إلى تشديد إجراءات الإغلاق العام وفرض حظر تجوال على مدار الساعة مع استثناءات قليلة، وقد شرع في تطبيق مرحلة جديدة منتصف الشهر الحالي تستمر حتى الثامن من الشهر المقبل.

وجاء القرار بعد إغلاق على مراحل شهدته البلاد منذ بدء تفشي الفايروس في فبراير الماضي. وبحسب برنامج الأغذية العالمي، تسبّب الإغلاق الأول بين مارس ويونيو في إحالة نحو ثلث اللبنانيين على البطالة.

ويؤكد مراقبون سياسيون واقتصاديون أن لبنان مقبل على سيناريو أسوأ متوقّع ما لم تتكثّف الجهود لإخراج لبنان من دوامة المراوحة السياسية ووضع إصلاحات اقتصادية بنيوية قيد التنفيذ للحصول على دعم دولي عاجل، فالمستقبل يبدو قاتماً.

ويشرح شعبان ذلك بالقول إنه “إذا استمر المأزق السياسي واستمرت الاشتباكات والحوادث الأمنية، يمكن أن يرتفع سعر الصرف في السوق السوداء إلى عشرة آلاف ليرة أو أكثر مقابل الدولار، ما قد يؤدي إلى ارتفاع جديد في الأسعار”.

وعلى وقع تضاؤل احتياطي المصرف المركزي بالدولار، تدرس السلطات منذ أشهر رفع الدعم عن استيراد مواد أساسية هي القمح والأدوية والوقود، لكن شعبان أشار إلى أن تلك الخطوة كانت متوقعة أصلا منذ نهاية العام الماضي، وأنه في حال تطبيقها ستكون لها آثار تضخمية.

أما الحصول على دعم دولي فيبقى مرهونا، وفق شعبان، بتنفيذ الإصلاحات وتشكيل حكومة ذات مصداقية، لكن المراقبين يستبعدون تحققه على الأقل في الفترة المقبلة، الأمر الذي سيؤدي إلى وضع البلاد على فوهة بركان اجتماعي غير مسبوق قد يهدد بانهيار الدولة.

وتبدي منظمات دولية، من بينها منظمة “أنقذوا الأطفال” (سايف ذي تشيلدرن)، مخاوف من أن يؤثر الإغلاق الجاري على العائلات والأطفال الذين يعانون من أوضاع اقتصادية هشّة، ما لم يتم دعمهم بشكل فوري، في بلد يشكل العمال المياومون قرابة نصف اليد العاملة فيه، بحسب وزارة العمل. ولا يستفيد هؤلاء من أي تقديمات اجتماعية أو صحية.

ووافق البنك الدولي الشهر الحالي على تقديم مساعدة طارئة للبنان قدرها 246 مليون دولار على شكل تحويلات مالية وخدمات اجتماعية لنحو 786 ألف لبناني يعيشون تحت خط الفقر. وتم الجمعة توقيع اتفاق القرض بين الطرفين.

وتقدّم السلطات، وفق وزارة الشؤون الاجتماعية، مساعدات مادية بقيمة 400 ألف ليرة (50 دولاراً) شهرياً لنحو 230 ألف أسرة لبنانية، وهو مبلغ زهيد جداً لا يكفي لتأمين حاجات أساسية، في بلد 25 في المئة فقط من مواطنيه لا يحتاجون إلى مساعدة.


العرب