//Put this in the section //Vbout Automation

هذا جدي ميشال الذي أحببت – نايلة تويني – النهار

#ميشال المر لم يكن رجلاً عادياً، هو الرجال في رجل. مثله مثل جدي غسان، وإنْ كانت لكل منهما مجالاته الخاصة في جولات وصولات لم تخلُ من المغامرات، لكنها في كل حال أصابت وحققت نجاحات، مهما اختلفت النظرة اليها وتقويم مراحلها.

كان جدي ميشال هو الناس. خصص كل وقته لهم. اجتماعي بكل ما للكلمة من معنى. لقاءات “العمارة” التي كانت تمتد الى الثالثة فجراً، وتغيظ جدتي، لم تكن للعب الورق والتسلية، بل لقاءات ليلية مع رؤساء البلديات وفاعليات المدن والقرى المتنية الأحب على قلبه. كان الليل يستهويه، فيه يرسم التحالفات، ويركّب اللوائح الانتخابية، ويحرك البلديات، والمخاتير، حتى اذا ما طلع الضوء يكون قد فرغ من مهماته، لينصرف نهاراً الى مواعيد رسمية، وجلسات نيابية، ومهمات وزارية. لم يقصّر يوما في هذا او في ذاك.




يهاجمه البعض في السياسة بأنه استقوى بجهة أو فريق للتربع على عرشه، لكن هؤلاء يتناسون ان استمراره في النيابة بعد العام 2005، والى يوم امس، من دون تحالفات، ولا دعم من وراء الحدود، أثبت ان ميشال المر حالة في ذاته، وانه عندما يحلّ على تحالف إنما يقوّيه ويزيد رصيده. فقد تآمروا عليه وتحالفوا ضده، وحاولوا الغاءه، لكنهم منيوا بخسائر لا تعدّ، لأنهم تحركوا احزاباً وطوائف في مواجهة فرد.

أتكلم عنه في الشأن العام لأني عشت معه تفاصيل كثيرة وكبيرة، لا اعلم الى اليوم لماذا كان يستهويه اصطحابي معه الى لقاءات ومهرجانات واجتماعات، ولماذا كان يطلب استشارتي المتواضعة على صغر سنّي. لقد درّبني على الحياة، حتى اذا ما اغتيل والدي جبران، وجدتني مهيأة للمسؤوليات اكثر مما توقعت.

جدي هذا، الذي كان جباراً في السياسة والبلديات وعالم الهندسة والاعمال، هو نفسه الوالد الحنون والجد العطوف الذي لم يكن لينام قبل ان يطمئن إلينا انا وأختي ميشيل يوم أقمنا عنده. وكان يتوجه الى غرفتنا عند الفجر قبل ان يتوجه الى سريره. وكأي جد آخر، كان يقف الى صفنا في مواجهة القيود، الصارمة احياناً، لوالدتي، في سبيل تربيتنا. كنا “نستقوي” به في المنزل، وفي خارج المنزل. وليس خافياً، ولا عيباً، هذا الامر، فمن له جد كمثل ميشال المر، يشعر انه يملك الدنيا بما فيها.
وقد عاش التجربة أولادي جبران وشريف ونور من بعدي، اذ صاروا يلجأون الى “جدّو ميشال”، وهو يحتضنهم، ويكرر الامر معهم، ولكن هذه المرة، تبدلت الادوار، وصاروا يستقوون به في مواجهتي. كنت اراقب المشهد، واضحك، مستعيدة الذكريات الحلوة لطفولتي ومراهقتي معه.

هذا جدي ميشال الذي عرفته، واحببته، وها انا اليوم اودّعه، مع كل العائلة، وكل الذين عرفوه واحبوه، واحبهم ايضا، اذ يذهب الى لقيا كثيرين ممن سبقوه، واثقا من ان التاريخ سيذكره حتما، وسيبقى من الذكريات الحلوة.