إلى الجحيم… البلد بمن فيه

قاسم يوسف – أساس ميديا

لن أدخل في أي نقاش سياسي تافه ومستفزّ ووضيع حول من يقف خلف الانفجار في طرابلس. ولن أسمح لنفسي بالانجرار خلف رغبات المخابرات والعسس وأصحاب النوايا الدنيئة. ولا أودّ أن أكون سويًا ومنتظمًا أو حكيمًا وهادئًا على سجية الجثث الذين يظهرون فجأة من بائد الأزمنة ليصدعوا رؤوسنا بضبط النفس والترفع والارتقاء. أريد أن أكون اليوم ثائرًا يصرخ من قلب تلك المدينة المفجوعة والمعذبة. من شوارعها المجبولة بالدم. من شرفاتها المفتوحة على الوجع. من جراحها التي لا تندمل. أريد فقط أن أكون من الناس. مع الناس. إلى جانب الناس. أولئك الذين ما برحوا يهرولون خلف كرامتهم ولقمة عيشهم وأحلامهم التي ظلت تتقلص وتضمحل حتى ساوت الأرض.




كلهم، ولا أستثني منهم أحدًا، صفعوا وجه هذه المدينة المُدمى غير آبهين لأنينها ومصابها وقلّة حيلتها وهوانها على الناس. كلهم، ولا أستثني منهم أحدًا، أرادوا لها أن تكون خزانًا لوصوليتهم، وساحة لرذيلتهم، ومختبرًا لمشاريعهم، وملعبًا لجنونهم، وعنوانًا أبديًا للاهمال والرجعية والحرمان. كلهم، ولا أستثني منهم أحدًا، تآمروا على طرابلس. دمروها. أفقروها. أتعبوها. أرهقوها. ثم خدعوها. وعدوها بالمن والسلوى، لكنّهم أعطوها الوهم والسراب. وهي في كلّ مرّة كانت تغفر وتصفح وتصبر وتحتسب.

طالما انتظرت طرابلس أن تأبه الدولة لحالها. أن يعود الدفء إلى تلك العلاقة التي لامست البرودة والموت. أن تستعيد جزءًا هائلاً من روحها وروحيتها ورسالتها وعميق دورها. أن تشعر بالسكينة والطمأنينة بعد أن أدت كل أقساطها ودفعت كل ضرائبها وارتصفت كما يرتصف الشجعان في مقدمة كل ركب يدغدغ هويتها الوطنية وأصالتها المتجذّرة وبسالتها المنقطعة النظير، حتّى استحالت حجر الزاوية وقطب الرحى كلما استدعاها التاريخ أو دقت ساعات حكّ الركاب.

طرابلس هذه صارت تشبه الأم الثكلى والأب المثلوم والأطفال الحيارى. لم يتركوا بابًا إلا ولجوه. وقفوا إلى جانب الانتفاضة الهادرة عقب شطب رفيق الحريري، فكانوا ضلعها ورحيقها وقلبها النابض. لم ينعسوا. لم يجزعوا. لم يتعبوا. افترشوا الأرض والتحفوا السماء. وظلوا على عهدهم مع الدولة المشتهاة. ومع أحلامهم التي تنضب.

ماذا فعلتم لأجلهم؟ ماذا قدمتم؟ كيف رددتم لهم الجميل؟ منذ حكومة فؤاد السنيورة عام 2005 إلى حكومة سعد الحريري الأخيرة، مرورًا بحكومة نجيب ميقاتي. لا شيء. لم تفعلوا أي شيء على الإطلاق. مجرد شعارات خدّاعة. مجرد وعود كاذبة. مجرد نواح وبكاء على الأطلال، بينما كانت طرابلس تذوي أمام أعينكم وتغرق في دمها بعد جولات مستفيضة من القتال والعبث والجنون. وتغرق أيضًا في الأزمات المستفحلة والإهمال المزمن والصورة المشوهة، حتى لامست القعر السحيق، ليس باعتبارها من أفقر المدن على ضفاف المتوسط وحسب، بل لأنّها وُصمت بما لا يستوي مع نزاهة تاريخها وعميق حضارتها ونبل غايتها.

لكنّ طرابلس لا تنام طويلاً على ضيم. صبرت وانتظرت واحتسبت. ثم توثّبت نحو استعادة دورها وتفعيل حضورها وترسيخ صورتها عبر واحدة من أجمل وأنقى وأكثف المشهديات الوطنية منذ ولادة لبنان الكبير. فقد خطفت الضوء والدهشة والإعجاب عقب ثورتها المجيدة تزامنًا مع ثورة اللبنانيين، وتحوّلت ساحاتها وشوارعها وأزقتها وشرفاتها إلى محط أنظار العالم برمته، وإلى ملتقى الأحرار وبوصلة الثوار عبر أكثف وأجمل وأجزل صورها المشرقة والمشرّفة على الإطلاق.

امتلأت الشوارع عن بكرة أبيها بالناس. أيامٌ وأسابيع وأشهر. لم ييأسوا ولم يتعبوا ولم ينجرفوا إلى أيّ اشتباك. ظلّوا يرقصون ويفرحون ويغنون لوطن يستوطن أحلامهم. قبل أن يعودوا ليدركوا أنّ هذه البلاد محكومة بنظام متجذّر غير قابل للكسر، وبتوازنات وموروثات وعقليات غير قابلة للتعديل، وبعصبيات بغيضة وطبقة سياسية شديدة الوضاعة والنذالة والاحتراف.

استكانت طرابلس وتقوقعت في حزنها. في مأساتها. في خيبة أملها. في بحثها المستدام عن أمل مفقود. رزحت تحت انهيار اقتصادي واجتماعي ومعيشي غير مسبوق. ثم جاءت جائحة كورونا لتزيد إلى همومها همًا لا يُطاق. في وقت تغيب فيه الدولة كل الغياب، وكأنها غير معنية بأزمتها ووجعها وهول مصابها.

قبل انفجارهم بأيام، استمع الطرابلسيون جيدًا إلى نشرات الأخبار وهم يلفظون آخر أنفاسهم: ميشال عون منهمك بتجديد ولايته وتوريث صهره. جبران باسيل منهمك بالحصول على ثلث معطل قبل الموافقة على تشكيل أي حكومة. سعد الحريري مشغول بتقريب وجهات النظر بين أنقرة وأبوظبي. رؤساء الوزراء منهمكون بالدفاع عن اتفاق الطائف وصلاحيات رئاسة الحكومة وموقع من هنا أو هناك. حزب الله يزرع صور قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس من عتبة مدرج المطار وحتى آخر بقعة يحط فيها الرحال. أما وزير الصحة، وهنا كارثة الكوارث، فهو يُغلق البلد برمته ويمنع الناس من فتح أبواب رزقها، ثم يشارك في الاحتفالات والمآدب الحاشدة دون أدنى التزام بمعايير السلامة العامة.

ما فعله أهل طرابلس وشبابها الشجعان هو أقل ما يُمكن فعله إزاء هذا النوع من العهر والوضاعة وقلّة الحياء، ولو كنّا على قدر شجاعتهم، لبادرنا فورًا إلى اللحاق بهم، فإما أن يكون هذا البلد على قدر آمالنا وتطلعاتنا وأحلامنا، وإما أن يذهب بمن فيه إلى الجحيم، لأنّ الصبر والانتظار ما عاد الآن سجية الحكماء والوطنيين، بل استحال شعارًا فارغًا يختبئ خلفه الجبناء والتنابل وضعاف النفوس والقلوب.

عزيزي القارئ. أنا غير آسف على فجاجتي، لأنّ هذه البلاد ما عادت متاحة لترف النقاش وتبادل الرأي والرأي الآخر.

إنّها الحرب وقد استعرت. فإما نكون أو لا نكون.