//Put this in the section //Vbout Automation

“ليتنا لم ننجب”.. عائلات لبنانية تشعر بعجز أمام أطفالها

“تخيل، كان يفترض أن تكون هذه أجمل مراحل حياتي كأم، باتت جحيما يوميا، أفكر أحيانا، ماذا لو رزقت بولد واحد بدلا من توأم، أما كان ذلك أسهل؟” تقول إيناس، أم لولدين بعمر السنة وتسعة أشهر، تخوض يوميا منذ قرابة الشهر رحلة بحث يومي لأطفالها عن حليب الأطفال المفقود في لبنان.

أما يحيى، 42 عاما، فيتمنى لو أنه لم يتزوج ولم ينجب أولادا، “لم أكن أعلم ما هو قادم على البلاد، لا أحتمل فكرة أن أولادي يعيشون في هذه البلاد وسط كل ما يجري وما هو قادم، أشعر بأنني مسؤول مسبقاً عما سيعانونه، إلى حد أنني أتمنى في لحظات معينة لو أنني لم أتزوج أصلا كي لا أصل إلى هنا”.




ليس أمرا عاديا أن يصل آباء وأمهات إلى حد قول مثل هذا الكلام حول مؤسستهم العائلية، في أي ظروف طبيعية. لكن ما يشهده لبنان من أزمات متلاحقة ومتراكمة، وصل بهذه الشريحة الاجتماعية إلى هذا الحد الذي يدفع للتساؤل حول سلامتهم وصحتهم النفسية، لاسيما وأنهم المتأثر الأول بكل ما تشهده البلاد من أزمات اقتصادية كانت أم اجتماعية أو صحية أو أمنية.

ردة فعل عكسية

يرى الدكتور أرا كافلاكيان، مستشار في الطب النفسي العيادي لدى جمعية “أمبريس” التي تعنى بالصحة النفسية والوقاية من الانتحار في لبنان، أن “ردة الفعل هذه للأهل تجاه أولادهم، ليست ناتجة عن شعور تخل أو انزعاج من أولادهم أو ندم على إنجابهم، بقدر ما هي معكوسة بالدوافع النفسية تماما، فما يشعرون به من حب لأولادهم وحرص عليهم يدفعهم للخوف والحزن عليهم إلى درجة أن يقولوا هذا الكلام، لعدم قدرتهم على تقبّل ما يجري من حولهم وحجم التهديد الذي يحيط بأولادهم وأمنهم الغذائي والاقتصادي، وسلامتهم الشخصية وتعليمهم ومستقبلهم”.

الإنهيار المالي وأزمة المصارف تنعكس باستمرار في الأسواق اللبنانية، على شكل ارتفاع بالأسعار وانقطاع لمواد رئيسية وأساسية كالأغذية والأدوية والمحروقات وتهافت على التخزين، وانعكست تلك الأزمة مؤخرا على حليب الأطفال الذي انقطع من الأسواق وتسبب بحالة هلع لدى الأهالي.

تقول إيناس إنها لم تعد تستطيع تحمل المجهود النفسي والجسدي الذي تتطلبه تربية أولادها والعناية بهم وسط هذه الظروف: “إذا تغاضينا عن كيفية تأمين تكلفة الحليب الذي ارتفع سعره 4 أضعاف، ما من صيدلية تقبل بإعطائي أكثر من علبتي حليب إن توفر، فيما يحتاج ولدي إلى أكثر من 16 علبة أسبوعيا، تخيل أن ترى أولادك مهددين بالجوع، أقوم أنا وزوجي 3 مرات في الأسبوع برحلة بحث بين الصيدليات وفي مختلف مناطق وأحياء بيروت ومحيطها عن الحليب، أحيانا نضطر إلى المخادعة فأدخل أنا لآخذ علبتين ثم نذهب بالسيارة ونعود فيدخل زوجي ليأخذ علبة أو 2 من جديد، بات جزءا من همومنا اليومية تأمين الحليب والحفاضات والأدوية المنقطعة.”

” كنت أحلم بالأمومة وبرعايتي لأولادي وتمنيت دائما هذه المسؤولية، اليوم أفقد هذه المتعة تماما بسبب الهموم اليومية، أعيش قلقا دائما من كل النواحي حول نفسي وزوجي وأولادي، ولا أرى أي أفق في هذه البلاد إلا مزيدا من المعاناة.” تقول إيناس التي زادت جائحة كورونا من معاناتها،

وتضيف: “كانت أمي وحماتي تزوراننا باستمرار خلال الأسبوع، وتساعدانني في رعاية الأطفال حينما أكون في العمل، اليوم قلت تلك الزيارات بسبب مخاطر كورونا والحجر الصحي، وبات عملي من المنزل مع زوجي وتوأم صبيان.”

نتائج طبيعية

ترى المعالجة النفسية هيا سعد في حديثها لموقع “الحرة” أن “التوتر والقلق وفقدان الأمل وعوارض الاكتئاب من النتائج الطبيعية جداً على الأهل في هذا الوقت ومع هذه الظروف التي يعيشها اللبنانيون، فالوضع القائم في لبنان يعتبر مفجراً خارجياً للمشاكل النفسية ويحفز قابلية الأفراد للتعرض لها”.

تستعين سعد بالنظرية النفسية للعالم أبراهام ماسلو، التي تحدد حاجات الإنسان وفق هرمية من 5 خانات، لتشرح عبرها واقع ما يعيشه الأهل في لبنان. “في قاعدة الهرم تكمن الحاجات الفيزيولوجية التي يندرج تحتها المأكل والمبلس والجنس والنوم إلخ…، ثانيا الحاجة للأمان كالسلامة الجسدية والأمان الأسري والصحي والوظيفي، يليها ثالثا الاحتياجات الاجتماعية، كالتعارف والصداقات والعلاقات الأسرية والحميمية، ثم الحاجة إلى التقدير رابعاً، كالهيبة والمكانة الاجتماعية، لينتهي الهرم عند تحقيق الذات كالإنجازات والمشاريع الشخصية والإبداعية.”

هذه الحاجات تظهر تباعا عند الإنسان ويبحث عنها بالتراتبية أو بشكل مواز، ولكن المشكلة الرئيسية، وفق ما تقول سعد، “اللبنانيون اليوم ولاسيما الأهل، يعانون من تهديدات تبدأ من قاعدة الهرم إلى قمته، فالأزمة المعيشية والاقتصادية في لبنان تضع تهديدا مستمرا لحاجات الأهل وأولادهم الفيزيولوجية كانقطاع حليب الأطفال والمواد الغذائية والأدوية، كذلك يعانون على صعيد الحاجة للأمان، بفعل الأزمة السياسية والأمنية وعدم الاستقرار الأمني والاجتماعي في البلاد، فيما تسببت أزمة كورونا بضرب الخانة الثالثة من الهرم وهي الاحتياجات الاجتماعية بسبب التزام الناس بالمكوث بمنازلهم والإغلاق العام في البلاد ومنع الاختلاط والتجمعات، كل ذلك يؤدي حتما إلى اختلال في الحاجات الباقية ضمن خانتي الحاجة إلى التقدير والحاجة إلى تحقيق الذات، وبالتالي فإن التوتر والقلق وفقدان الأمل وعوارض الاكتئاب هي نتائج من الطبيعي أن تظهر لدى الأهل والأولاد.”

يضع كافلاكيان الحجم الأكبر من المسؤولية عن تدهور الصحة النفسية للأهل على عاتق الحجر الصحي في المنازل بحيث “بات من واجب الأهل العمل من المنزل والبقاء فيه مع ما يسببه ذلك من ضغط نفسي، وتعليم الأطفال في المنزل عبر الإنترنت والاهتمام بحاجاتهم طوال النهار ورعاية المنزل وما يتطلب من جهد من دون وجود نظام دعم رديف كالأقارب أو المدارس إضافة إلى التدبير المنزلي الذي انخفض عدد العاملين فيه بنسبة كبيرة في لبنان بعد الانهيار المالي، وهو ما كانت تتكل عليه الأسر للاهتمام بالمنزل والأولاد، وهذا إذا ما اخدنا أفضل الحالات، أضف إليهم الهم المعيشي والمادي والاجتماعي  يدفع ذلك بعض الحالات إلى الانهيار النفسي التام”.

عمل وتعليم منزلي

“أول أسباب الضغط النفسي تبدأ من انقطاع الكهرباء وانقطاع خدمة الإنترنت في أوقات التعليم عن بعد.” تقول فاتن، أم لولدين ومعلمة، وتضيف في حديثها مع موقع “الحرة”، “عملي يتزامن مع وقت تعليم أولادي بطبيعة الحال، ما يمنعني في الكثير من الأحيان من متابعة عملية التعليم عن بعد ومساعدتهم بما يطلب منهم عبر الإنترنت، ومراقبة مدى انتباههم ومتابعتهم للدروس، كل ذلك يؤدي إلى توتر حاد بسبب شعوري بعدم التركيز التام في عملي وإحساسي بالتقصير تجاه أولادي في الوقت نفسه.”

تفكر فاتن بالأهالي الذين لا يستطيعون إعادة شرح الدروس لأولادهم أو لا يملكون المعرفة اللازمة لمساعدتهم عبر الإنترنت، “هذا بحد ذاته ضغط نفسي وشعور بالعجز، أضف إلى كل ذلك ضغوط معيشية ومادية، والروتين الكبير، والتزام في المنازل مع ما يترافق من تضارب للأوقات، فحين ينتهي العمل نحتاج كأهل إلى الراحة فيما يحتاج الأولاد إلى اللعب بعد الدراسة، كل ذلك يزيد من الضغط والتوتر والتعب، ويصل الأمر أحيانا إلى التعامل الخاطئ مع الولد كمعاقبته أو الصراخ عليه، ثم أعود لأشعر بالذنب على ذلك.”

يحيى عاطل عن العمل منذ 9 أشهر، كان يدير مشروعا سياحيا صغيرا يملك جزءا منه، وتوقف عمله منذ خريف العام 2019 ليخسره نهائيا بعد إغلاق البلاد وتفشي جائحة كورونا. “بقائي في المنزل زاد من مشاكلي النفسية وحدة طباعي، أعاني من عوارض اكتئاب وقلق مستمر على مستقبلي وأولادي، يسألون كثيرا عما جرى ولماذا اختلفت الأمور من حولهم، لا أعرف ماذا أجيبهم، ابنتي، 3 سنوات، أصغر من أن تتقبل رفض طلباتها وتستوعب أسبابها فتتجه إلى الشكوى والبكاء، فيما ابني الأكبر، 8 سنوات، عانى من عوارض قلق وظهرت عليه علامات اكتئاب أيضاً بعدما اعتبر أنه ومتطلبات حياته سببا بحزني وتوتري، وفي وقت ما بدأ يعبر لوالدته عن ذلك، حين علمت شعرت برغبة في الموت قبل أن أرى أولادي يشعرون بالذنب من وجودهم.”

نفسية الأطفال

التأثير النفسي لهذا الواقع ينعكس بحسب ما تؤكد سعد، على كل اللبنانيين من كل الفئات العمرية، لكنها ترتفع عند الأهل لكونهم يشعرون بضغط إضافي ومسؤولية إضافية. “اللافت أيضا أن هذا الأثر النفسي يظهر لدى الأولاد الذين يعاني أهلهم من ذلك التأثير، فالأهل هم المثل الأعلى للطفل والنموذج الذي يتعلم منه الأطفال، وعندما يظهر السلوك الناتج عن القلق والتوتر والاكتئاب لدى الأهل، تظهر العوارض نفسها أيضا لدى الأطفال بالاكتساب، وتظهر على شكل عوارض جسدية أيضا لكون الأطفال أقل تعبيرا من الكبار، فيعاني الأولاد من وجع الرأس والبطن وارتجاف الجسم، أو تراجع في مراحل نموهم.”

“لا يمكن إبقاء الأبناء غافلين عما يجري من حولهم وليست من مسؤولية الأهل أن يعزلوا أطفالهم عن الواقع الذي يعيشونه”، يلفت الدكتور كافلاكيان، ويضيف “لكن يجب على الأهل أن يتحدثوا مع الطفل ويشرحوا له ما يجري ببساطة تناسب عمره، ويطمئنوه إلى أنه ليس خطؤه، ولا بأس بأن يعلم أنه في ظرف استثنائي ولم تعد الأمور كما سبق.”

تنصح سعد الأهل بالانتباه لما يقولونه أمام أولادهم “عليهم ألا يشعرونهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالمسؤولية عن الوضع المعيشي القائم أو عن الضغط النفسي الذي يتعرضون له كأهل، والأفضل أن يجري إبعاد الأطفال عن متابعة الأخبار لاسيما السلبية منها، كذلك يجب أن يعيشوا روتينا يشمل التعليم واللعب والاهتمام بالنفس يوميا ليشعروا بالأمان والاستقرار.”

“أما الأهل فعليهم أن يفكروا أنهم في مرحلة استثنائية ستمر ولن يستمر الوضع على ما هو عليه حاليا في معظم النواحي”، تقول سعد وتنصح الأهل بالتعويض عن الوضع السلبي عبر خلق روتين صحي يجمع بين النوم الكافي والأكل الصحي وممارسة الرياضة إضافة الفصل بين العمل والحياة الأسرية داخل المنزل، وتخصيص وقت لنشاطات ممتعة مع الأسرة أو بشكل منفرد، إضافة إلى التواصل ولو عن بعد مع الأصدقاء والأقارب لتلقي الدعم منهم، وأخيراً أن يحاولوا تبسيط الأمور وعدم تحميل أنفسهم أكثر مما يحتملون”.

يقول ويختم الدكتور كافلاكيان “أحيانا أقول للمريض الذي يشكو من قلق أو عوارض اكتئاب، توجه إلى المنزل وانتظر أن تتبدل الأحوال الحالية فكل ذلك طبيعي في الوقت الراهن مع كل ما يجري في لبنان، ما ليس طبيعيا هو ألا تتأثر بكل ذلك.”