//Put this in the section //Vbout Automation

طرابلس: حاسبوا المسؤولين الكبار أولاً

علي حمادة – النهار

تمثّل أحداث طرابلس التي شهدت تنامياً كبيراً في المنحى العنيف الذي اتخذته في اليومين الماضيين، وجهاً عاكساً للواقع السيىء الذي تمر به، ليس طرابلس وحدها، بل البلاد بأسرها. فإذا كانت بقية أنحاء لبنان أقل توتراً في الظاهر من عاصمة الشمال، فإن الحقيقة ان الشعب اللبناني بأسره متوتر، ويعاني الأمرَّين من حالة الاهتراء التي بلغتها البلاد على كل الصعد، من السياسة حيث باتت ازمة تشكيل الحكومة مهزلة كبيرة، الى الاقتصاد حيث العجز ومعه الجوع في المنازل، الى المالية حيث نُهبت أموال الناس من دون حسيب أو رقيب، إلى الأمن مع توسع حلقة التعديات على أمن المواطن في يومياته. ما حصل ويحصل في طرابلس هو مثال عما يمكن ان يحصل في أماكن أخرى تعاني من الضائقة المستشرية نفسها، وتعاني من الإهمال المجرم نفسه الذي يتحصن به المسؤولون السياسيون عموما، وذلك بعدما أخذوا لبنان الى الهاوية، ويخوضون في ما بينهم معارك “دونكيشوتية” تحاصصية في دولة منهارة، ومهترئة، وعلى شفير الانفجار التام.




تمثل أحداث طرابلس أيضاً نتيجة طبيعية لانهيار منهجي لمؤسسات الدولة، وللمرجعيات السياسية التي باتت على طلاق تام مع شعب يعتبر القيادات السياسية الحاكمة في البلد مجموعة مافيوية، مجرمة، حان الوقت لكي يتم إبعادها عن هذا البلد. فالناس جائعون، ويائسون، ويشعرون بأن مستقبلهم سُرق منهم، وان آفاق الخروج من الهوة السحيقة بالوسائل التقليدية ما عادت متوافرة.

وهكذا يزول الحد الفاصل بين الاحتجاج السلمي، والانتفاضة العنيفة، ولو جرى استغلالها من قِبل جهات سياسية أو أمنية، على النحو الذي يصرح به قادة سياسيون معنيون بمدينة طرابلس. فاذا كان العنف، وإحراق مؤسسات عامة جرماً وتعدياً لا يمكن السكوت عنه اقله بالقانون، فإن الواقع ان في طرابلس شعباً يعيش يوميا على حافة الموت جوعاً الى درجة ألاّ يعبأ بما يمكن ان يُعتبر استغلالاً لأوجاعه. فالقادة الذين خرجوا ينددون بالعنف، وهم في المبدأ على حق، تناسوا ان ليس كل شيء يحصل في الشارع فعلاً امنياً من صنع جهاز مخابراتي، أو جهة سياسية تستغل فقر الناس وجوعهم.

فلو لم يكن هؤلاء “بؤساء” بمعنى الفقر والفاقة والجوع، لمَا أمكن أي جهة ان تستغلهم (هذا في حال جرى استغلالهم) في الشارع، وتوجههم شطر أجندات خدمة لأهداف معينة. إن اصل المشكلة في طرابلس، وغيرها من مناطق لبنان، هو الازمة الكبيرة التي تمر بها البلاد. ازمة يُسأل عنها مَن تولّى مسؤولية الحكم في لبنان مدى عقود، وصولاً الى مَن تولّوها في هذا العهد الأسود الذي فاقم بجهل اهله سوء أعمالهم أزمات لبنان على جميع الصعد. ومن هنا، وبالتوازي مع محاسبة مَن اعتدوا على المؤسسات والمباني الرسمية، حبذا لو يُحاسب المسؤولون عما آلت اليه أحوال الناس من سوء، ومن نهبوا خيرات البلاد، وسرقوا مستقبل هذا الشعب اللبناني البائس، الذي لا يزال يعيش تحت سيطرة هذه الحالة المافيوية المجرمة، التي لا يمكن حتى البدء بالتفكير بإنقاذ لبنان قبل التخلص منها كلها بما فيها الحالة الفاشيستية الطائفية المسلحة التي تحتل لبنان، وتصادر قراره الوطني بقوة السلاح وترهيبه.