من المسؤول عن التفريط بأمن طرابلس؟

فرج عبجي – النهار

ما تشهده عاصمة الشمال في الأيام الأخيرة لا يمكن وصفه إلا بجهنم عنفيّة قادرة على #إحراق طرابلس وإشعال مواجهات فيها، قد نعرف كيف تبدأ لكننا بالتأكيد لا نعلم كيف ستنتهي. والتعرض الذي حصل على الممتلكات الرسمية والخاصة، والإحراق الممنهج المباغت الذي حصل والذي استهدف مراكز محددة لا يمكن إدراجه إلا في إطار الإصرار على إسقاط المدينة وزيادة معاناة شعبها وناسها اجتماعياً واقتصادياً.




صرخة الطرابلسيين ممزوجة بالجوع والحرمان والتهميش، وهي محقة، وسبل التعبير عنها مشروعة ومقدسة، لكن انحرافها عن المطلب المعيشي والجنوح نحو العنف، هو صندوق بريد، والمسؤولون عنه كثر. الأكيد أن الوضع في طرابلس لا يمكن السكوت عنه، وعلى القوى الأمنية الضرب بيد من حديد واعتقال المندسين بين المحتجين.

اعتقال المخربين أولوية
حتى اللحظة، هناك شبه إجماع بين القيادات السياسية والدينية في المدينة على ضرورة أن تنتشر القوى الأمنية بشكل أكبر فيها وأن تعمل بصرامة على ضبط العنف مع الحفاظ على حرية التعبير للمحتجين. وفي هذا الإطار، اعتبر النائب شامل روكز، الذي قام سابقاً بدور أمني لضبط الوضع في طرابلس بين باب التبانة وجبل محسن، في حديث لـ”النهار”، أن “الأجهزة الأمنية لديها المعلومات كافة عن المندسين وتعرفهم بالاسم والشكل، وهي قادرة على منعهم من القيام بأعمال العنف، وبحسب المعلومات التي حصلتُ عليها أن الذين قاموا بالعنف هم مجموعة صغيرة ومعروفة”. لكن في الوقت نفسه، طلب روكز من المحتجين “الحفاظ على سلمية تحركهم المطلبي مع مساعدة القوى الأمنية على الذين يشاركونهم المعاناة الاجتماعية والمعيشية نفسها، على ضبط الأمن”.
ويتطابق كلام روكز مع مواقف عدد كبير من المسؤولين الذين يشكون من الانكشاف الأمني الذي تعاني منه طرابلس في المرحلة الأخيرة، وطالبوا بضبط الوضع وإلا ستنزلق المنطقة في فلتان لا تحمد عقباه.

طرابلس ليست صندوق بريد
وفي هذا الاطار، اعتبر الوزير السابق رشيد درباس في حديث لـ”النهار، أن “من يظن أن طرابلس صندوق بريد في موضوع تشكيل الحكومة، فهو تافه لأن هذا الصندوق أصبح “مقدوحاً”. طرابلس إن سقطت فسيسقط كل لبنان وسينعكس ذلك على كل لبنان، ويصبح مَن في طرابلس بمثابة قنابل عنقودية على امتداد لبنان، وهناك تقاعس سياسي لا يؤمّن الغطاء للقوى الأمنية كي تقوم بمهمتها على أكمل وجه، وهذا معيب، فالمسؤول الأمني يأتي في المرحلة الاخيرة من سلّم التخاذل، والمسؤولية الاولى تقع على الحكومة ورئيسها ورئيس الجمهورية”. وأضاف أن “الحل الامثل هو انتشار كبير للجيش في المدينة وتأمينها، وعلى الطرابلسيين أن يواجهوا هذا الهجوم بالتكاتف، وعلى الحكومة ورئيس الجمهورية تحديداً أن يشعر أن أهل المدينة ناسُه ويوجه لهم رسالة تعاضد، ويجب إنشاء منصة لمعالجة الفقر والعوز وإعادة إحياء المدينة اقتصادياً، والأهم تشكيل حكومة لأنه من دون حكومة فعلية لا نستطيع الحصول لا على اللقاح، ولا على المساعدات المالية”.

الانتفاضية غير مسؤولة عن العنف
على صعيد شارع الانتفاضة التي انطلقت في 17 تشرين وانتزعت لقب “عروس الثورة”، والذي تحرك في الأيام الأخيرة بعدما لم تعد تحتمل حال التهميش التي تعيشها عاصمة الشمال، يعتبر ناشطوه أن “هناك محاولات حثيثة لاستغلال وجعهم في مشاريع سياسية لا تعبّر عنهم”. وأكدّ الدكتور طلال خوجة، رئيس جمعية “بوزار” وأحد الناشطين في انتفاضة طرابلس، في حديث لـ”النهار”، أن “العنف الذي حصل لا تتحمل مسؤوليته الانتفاضة، والمحتجون اختُرقوا من قبل مندسين يريدون تفجير الوضع في طرابلس، وما يجري بحاجة إلى خطة لمعالجة حقيقية، وإلا فإن تأثير انفجار الوضع لن يبقى محصوراً في الشمال، وعلى جميع المسؤولين ورغم خلافاتهم التعاون من أجل مصلحة المدينة، وعلى القوى الأمنية التي تعرف المشاغبين بالأسماء أن توقفهم وتحاسبهم فوراً وتكشف الجهات التي تقف وراءهم وتحركهم”.

وبحسب معلومات أمنية لـ”النهار” عن الوضع الميداني في طرابلس، فإن “الجيش يقوم بمهامه في المدينة، لكن لا يمكنه أن يقوم بمهام جميع الأجهزة الأمنية، ورغم ذلك كان موجوداً في الأحداث الاخيرة. ويعلم المسؤولون والأهالي أن تدخله في الوقت المناسب وفي الطريقة التي تكفل حرية التعبير وتمنع المندسين من القيام بالعنف، خفّف من حجم الاضرار والخسائر البشرية وعدد الضحايا”. وفي المعلومات أيضاً أن “بعض الاجهزة ورغم عددها الكبير في المدينة تجنبت الدخول في صدام مع المحتجين خوفاً من أي ارتدادات قد تشعل المواجهات أكثر في المدينة”.

وفق ما تقدم، تعيش طرابلس على كف عفريت، ولَجمُ الوضع بقوة وحزم بات ضرورة وإلا فإن شرارة العنف لا يبدو أنها ستظل محصورة في عاصمة الشمال.