لبنان “الفاسد”… “تحت مجهر” منظمة الشفافيَّة الدوليَّة

على الرغم من إقرار الاستراتيجيَّة الوطنيَّة لمكافحة الفساد المترافقة مع حزمة من التشريعات النيابية والتدابير والمراسيم الحكومية، فإن درجة لبنان على مؤشر مدركات الفساد لم تتحسن. بل العكس فقد تراجع لبنان منذ تشرين الأول 2019 حتى تشرين الأول 2020 إلى المرتبة 149عالمياً من أصل 180دولة يقيسها المؤشر، مقارنة بمرتبة 138 من أصل 180 لعام 2019.

وبحسب الجمعيَّة اللبنانيَّة لتعزيز الشفافيَّة – لا فساد، الفرع الوطني لمنظمة الشفافيَّة الدوليَّة، فقد حصل لبنان على درجة 25/100، بتراجع 5 نقاط منذ العام 2012. وأوضحت “الجمعيَّة” أنَّ مؤشر مدركات الفساد هو مؤشر يقيس مدى إدراك المجتمع للفساد في القطاع العام بناء على 13 مؤشراً مختلفاً تعتمدها منظمة الشفافيَّة الدوليَّة. ويمنح المؤشر درجة تتراوح من صفر إلى 100 نقطة، فكلما اقتربت الدولة من درجة صفر عكس ذلك ارتفاعاً في مستوى الفساد لديها والعكس صحيح. وقد اعتمد تصنيف لبنان على 7 من أصل 13مؤشراً للتقييم.




هذا التراجع نجم بحسب “الجمعية” عن أداء الدولة اللبنانية على مستوى مكافحة الفساد، وذلك على الرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها منظمات المجتمع المدني، وفي طليعتها “لا فساد”. حيث هدفت “الجمعية” من خلال المبادرات والمشاريع التي أطلقتها في السنتين المنصرمتين إلى تعزيز الشفافية في الإدارة العامة والإرتقاء بالنزاهة. فكان في طليعة هذه المشاريع تعزيز الشفافية في إدارة جائحة كورونا، وفي عملية إعادة إعمار بيروت وآلية توزيع الهبات والمساعدات في أعقاب انفجار المرفأ. هذا فضلاً عن الضغط الذي تمارسه “الجمعية” لإقرار قوانين ومراسيم مكافحة الفساد، وأبرزها قانون الحق في الوصول إلى المعلومات. أمَّا على صعيد الدولة والإدارة، فإنَّ التأخير عن المواعيد الدستوريَّة والقانونيَّة في إعداد وإقرار الموازنة العامة، والتوجه نحو تسيير شؤون الدولة على القاعدة الإثنتي عشريَّة، كما وعدم تشكيل حكومة جديدة والاكتفاء بحكومة تصريف الأعمال ذات الصلاحيَّات المحدودة، كل ذلك، يؤثر سلباً في مسار تطوير الإدارة العامَّة، لا بل يعرقل عمليَّة مكافحة الفساد والحد منه.

في المقابل فقد تربع لبنان على المستوى الإقليمي، على المرتبة 14من أصل 21 دولة عربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويأتي هذا التراجع في ظل الصعوبات التي تفرضها جائحة كورونا، وعدم التحضير للمرحلة الثانية من مواجهة الجائحة لا سيَّما لجهة تجهيز القطاع الصحي الرسمي والتأخر في استيراد اللقاح. كما كان للانهيار الإقتصادي وقع سلبي كبير على الصعيد الاجتماعي مع تقلص الطبقات المتوسطة وانفلاش الطبقة الفقيرة.

لبنان من الدول الأكثر فساداً في العالم

مواجهة هذا الواقع المتهاوي تتطلب بحسب الجمعيَّة اللبنانيَّة لتعزيز الشفافيَّة – لا فساد، تشكيل حكومة لوقف الانهيار والشروع في مسار الإصلاح الإقتصادي، النقدي والمالي. ويأتي على رأس هذه الاصلاحات تنفيذ التدقيق المالي والجنائي في كل إدارات الدولة لتحديد المسؤوليَّات وإنزال العقوبات القانونيَّة اللازمة بحق من قام بأي جرم من جرائم الفساد. أمَّا في ما يخص التحقيق في انفجار المرفأ، فقد شدَّدت “الجمعيَّة” على أهميَّة اعتماد أقصى معايير الشفافيَّة في تنفيذ التحقيق تناسباً مع حجم هذا الجرم الذي هزَّ العالم وليس فقط لبنان. وذلك ما يقودنا أيضاً إلى المطالبة في الإسراع في التعويض على المتضررين من انفجار المرفأ، كما والإسراع في إعادة إعمار ما هدَّمه مع اعتماد أقصى معايير الشفافيَّة لجهة مصادر التمويل وكيفيَّة إنفاقه وتحديد المستفيدين منه.

هذا الواقع يجعل من لبنان واحداً من البلدان التي وضعتها منظمة الشفافيَّة الدوليَّة على لائحة “بلدان تحت المجهر” (Country to Watch). الأمر الذي أصبح يتطلب مضاعفة جهود مكافحة الفساد والعمل على احترام سلطة القانون؛ تحديداً المنظومة التشريعيَّة الخاصَّة بمكافحة الفساد.

على الصعيد العالمي احتلت كل من الدنمارك ونيوزيلندا المرتبة الأولى في مؤشر مدركات الفساد بدرجة 88/100 على المستوى العالمي، بينما احتلت كل من فنلندا، سنغافورة، السويد وسويسرا المرتبة الثالثة بدرجة 85/100. أما عربياً فقد احتلت الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى بدرجة 71/100 وقطر المرتبة الثانية بدرجة 63/100، بينما احتلت كل من جنوب السودان والصومال المرتبة الأخيرة عالمياً بدرجة 12/100 على المستوى العالمي، تليها سوريا 14/100 واليمن وفنزويلا 15/100. في حين بلغ المعدل الوسطي العالمي 43/100.


نداء الوطن