//Put this in the section //Vbout Automation
عقل العويط - النهار

وردة الشمال الحزينة – عقل العويط – النهار

ما يجري الآن في مدينتي الشماليّة، #طرابلس، يمعن، باستهتارٍ، بصلفٍ، بلامبالاةٍ، وباحتقارٍ مزدرٍ، في التنكيل بهذه الوردة الحزينة، وفي تشليع وريقاتها وأكمامها، وامتصاص شرايينها، ويزيدني اقتناعًا بأنّ ثمّةَ مَن يشتهي حقًّا – لأسبابٍ شرّيرةٍ للغاية – قتلَ العاصمة الثانية، وتمريغها، وإذلال أهلها، على مرأى ومسمع من الدولة والسلطة والحكم، ومن الساسة والزعماء والأغنياء والمترفين من أبنائها، ومن كارهيها في الداخل والخارج. هذه تحيّةٌ متواضعةٌ إلى طرابلس التي تعلّمتُ فيها.

تستحقّين أنْ تكوني دارًا لاجتماعِ الأهل، ينبوعًا فائحًا بالخير والبركة، أعجوبةَ للأرغفةِ الناضجة والمتكاثرة، أمًّا لمَن لا أمَّ له، حلمًا لمَن سُدَّتْ في وجهِهِ أحلامُ الأرض ووعودُ السماء، حديقةَ برتقالٍ لمرضى الروح والرئات المعطوبة، قهوةً لنسائم البحر، منشيّةً للشعراء والجلّاس والمشّائين والتائهين، كرسيًّا للأعمى، استراحةً للمتعبين، ظلالًا لعيون اليتامى، ساحةً لألعابِ الأطفالِ الحفاة، برجًا للساهرين والمستوحشين، تلًّا للناظرين إلى الأفق البعيد، دمعةً للموتى، فجرًا لمنتظري الفجر، حنانًا للأزقّة، ملحًا للجروح، ابتسامةً على شفاهِ العجائز، دعاءً مستجابًا لعليل، خبزًا للجوعى، سمكةً حرّةً ومتبّلةً على مائدةِ فقراء، جرسَ كنيسةٍ حنونًا في شارعٍ مهجور، مئذنةً وديعةً للقلوبِ المكسورة، كتابًا لتلميذٍ مطرودٍ من مدرسة، حذاءً لشحّاذ، ثيابًا للعيد، جمرًا للمرتعد بردًا، سقفًا لمَن رَاهَن على سقفٍ ينزل من السماء، دفترًا لرسّامٍ قادمٍ من بيروت، تختَ نحاسٍ تحتَ قنطرةٍ معتمة، أغنيةً لأوجاع المنكوبين، زورقًا وشبكةً صيدٍ ومجذافًا للبحّارة، قصرًا شعريًّا للعشّاق، مقهًى مجّانيًّا للاعبي الطاولة، نارجيلةً لزوّار القرى المجاورة، فلسًا للأرملة، هديلًا للحمام، غصنًا لعصفورٍ جريح، عربةَ خيلٍ للذكريات الحميمة، خانًا للأفكار والنقاشات والصداقات العتيقة، سوقًا للغبطة والقلوب المفتوحة، إبريقًا للعطاش، وصحنَ طبيخٍ لعابر سبيل.




تستحقّين أن تكوني مقبرةً جماعيّةً لمصّاصي الدماء، لسارقي البحبوحة، للطغاة، للقتلة، لباعة الضمائر، للمتاجرين بالكرامات والأعراض، للقوّادين العهّار الذين يبيعونكِ وأهلكِ بأبخس الأثمان.

تستحقّين يا وردة الشمال الحزينة، أنْ “تنتقمي” لنفسكِ، وأنْ “تثأري”، لتعودي أسلوبَ عيشٍ لعشّاقِ المعنى والحياة والحرّيّة.

وتستحقّينن يا طرابلس، أنْ تعودي مدرسةً لي ولغيري، وللأبناء والأحفاد، ولكلّ مَن يريدكِ رغيفًا، كتابًا، يدًا مفتوحةً، وليمةً للحبّ، نسمةَ بحر، نداءَ زورق، إطلالةَ شمس، شتاءَ خيرٍ، وربيعًا دائمًا للورد ولعطر الورد ولرائحة البرتقال.