//Put this in the section //Vbout Automation

الشعب يريد ألا يموت جوعا!

شهد لبنان، رغم قرار الإغلاق العام الذي يستمر حتى الثامن من شباط/فبراير، موجة من الاحتجاجات في مجمل المناطق اللبنانية، غير أن طرابلس، عاصمة الشمال، حظيت، كالعادة، بنصيب من الاشتباكات العنيفة مع قوات الأمن، أدت إلى جرح العشرات، وذلك خلال محاولات للمتظاهرين لاقتحام «السراي» المكان الرمزي الذي يمثل سلطة الدولة، حيث ألقى بعض المحتجين قنابل مولوتوف ومفرقعات نارية وحجارة على قوات الأمن والجيش، التي قامت بملاحقتهم إلى أحياء المدينة الداخلية وأطلقت قنابل مسيلة للدموع ورصاصا مطاطيا وعملت على محاصرة المحتجين وتفريقهم.

على هامش هذه الاحتجاجات كان هناك حدثان شخصيان مؤثران ومعبران يمكنهما تلخيص الوضع الذي تعيشه الطبقة الأوسع في لبنان، الأول حصل في طرابلس حين رمى أحد المحتجين ابنته، التي تبلغ الثانية من العمر، أمام أحد عناصر الجيش اللبناني قائلا: «لا أستطيع تأمين الطعام والحليب لها فخذوها» وحين تدخل أحد الضباط في الأمر تصاعدت موجة غضب كبيرة حول الأب وابنته.




وفي الحادث الثاني قام جندي لبناني شاب يدعى طارق الرفاعي أثناء خدمته في مدينة عرسال بإطلاق النار على نفسه، حيث ما لبث أن توفي في مشفى في الهرمل، وقد سجلت بعض وسائل الإعلام اللبنانية أن الانتحار وقع نتيجة «تدهور أوضاع العسكري الاقتصادية والمعيشية ووقوعه تحت أعباء الديون».

يظهر هذان الحادثان شمول الأزمة الاقتصادية والمعيشية، وعدم تفريقها بين المدنيين والجنود، رغم اشتباكهم، دفاعا عن نظام سياسي متهالك، من قبل عناصر الشرطة والجيش، ودفاعا عن الحق الأدنى من العيش من دون جوع، من قبل المتظاهرين، الذين يحاولون كسر هذه الدائرة المغلقة، التي صنعها تحالف النخبة السياسية الحاكمة في الفساد والعجز السياسي والتبعية للخارج، والذي برهن على بؤسه وتهافته عبر الجريمة الرهيبة النكراء التي طالت مرفأ بيروت، وهو حادث ما تزال ألغازه لم تحلّ جميعها، رغم توجيه الأنظار إلى دور النظام السوري، وحلفائه الذين غطوا على وجود شحنة نترات الأمونيوم، وقاموا بتحويلها إلى براميل متفجرة لإلقائها على محتجين آخرين يقاتلون نظاما متوحشا في سوريا.

في رفض مفهوم للاعتداء على الأملاك الخاصة والأسواق والمؤسسات الرسمية، رأى رئيس الحكومة المكلف، سعد الحريري أنه «قد يكون هناك من يستغل وجع الناس والضائقة المعيشية التي يعانيها الفقراء وذوو الدخل المحدود» ورغم دعوته الدولة والوزارات المختصة للعمل على كبح جماح الفقر، فإن التصريح يدلّ على ضعف في الحساسية السياسية، بمطالبته المحتجين الغاضبين أن يكفوا عن غضبهم الذي يدفع أحدهم للانتحار، ويدفع آخر للتفكير بالتخلي عن أبنائه، أو بلوم «جهات سياسية» على استغلال وجع الناس، والأولى به، كجهة سياسية وازنة، الدفاع عن هذه الجموع وليس التعامل مع أفرادها كأطفال.

يكشف هذا الأمر، التناقض بين النخب السياسية والجماهير التي تضطرها ظروفها البائسة للنزول إلى الشوارع، فمن الواضح أن النخب السلطوية لا يمكن أن تتحرك إذا لم تشعر بالتهديد الذي تمثله المظاهرات على كراسيها، وإذا كانت حماية الأملاك الخاصة والعامة ضرورية، فإن الإحساس بألم وغضب وجوع الناس، لا يقل ضرورة وأهمية.

القدس العربي