//Put this in the section //Vbout Automation
جهاد الزين - النهار

من الدولة الفاشلة إلى الدولة المجرمة – جهاد الزين – النهار

في جحيمِ دانتي الجحيمُ تسع طبقات وفي وسطها مركز الشيطان وعند أبي العلاء المعرّي قبل دانتي بحوالي ثلاثة قرون الجحيمُ والفردوسُ وجهتا نظر في الأشخاص والسلوك والآداب، أما في الهاوية الكورونية المعاصرة فهناك طبقتان: الدول القادرة والدول العاجزة أي المجرمة.

أمام هذا الوحش الهائل الذي يرعب ويؤذي البشرية كلَّها ويجعلها ترتجف خوفاً إذا لم تئنّ ألماً نفسيّاً أو جسديّاً أو تتساقط كأوراق منزوعة قسراً عن شجرة الحياة حتى لو لم تكن ذابلة، أمام هذا ال#كورونا كيف للمرء أن يتعلّم العيش مع الخوف وحتى، إذا لم يُصب بعد بالعدوى، العيش سعيدا مع الخوف إذا كان لي أن أجرؤ أخلاقيا على استخدام هذه الصفة (سعيد). وبعض الكلام، بل بعض الكلمات، كما علّمتنا الحضارة الحديثة، هي ذات مشحون (على وزن مضمون) أخلاقي أو غير أخلاقي، بمعزل عن صحة تعبيرها عن المعنى الذي تنقله لشيءٍ أو حالة.




كلمة : سعيد هي اليوم ربما أمام هول الكارثة الصحية كلمة غير أخلاقية حين لا يقتل المرض فقط بل أيضا يُجوِّع ويهين بالمعنى العميق والمحسوس لكلمة إهانة. كانت الحرب حين اندلاع المعارك، تولّد هذه المشاعر – النتائج لكنْ ثمة في الكورونا ما هو مختلف وأكثر حدّة. فهو مندلع من دون اندلاع كما تفعل الحرب بين معركة وأخرى، مندلع دائما أكان قريبا منك، وهو قريب، أو بعيدا عنك وهو ليس ببعيد أو أصابك وأنت لا تعرف، فقط لا تعرف حتى الآن.

لا أحبّذ استخدام مصطلحات من نوع “قلبي وعقلي” مع المتألِّمين والمهانين (ليس بسبب الإصابة، فلا إهانة في ذلك ولكن بسبب ظروف معاملتهم الطبية) والخاسرين من هذا الوباء، وهي مصطلحات يجب تركها للمبشِّرين الأخلاقيين وأيضا لكل من يشعر بصدق الالتزام الإنساني في هذه الفترة المضنية. كل من نشأ على الاهتمام بالشأن العام ربما لن يشعر يوما بالتقصير الشخصي كما يمكن أن يشعر به اليوم. تشهد الآلهة وحدها على ما يستطيع الشخص الواحد أن يفعل حيال آخر أو آخرين، ويفعل. هذا شأن يخص محكمة المرء الذاتية الملتئمة بكامل نصابها التي يحاكِم فيها المرء نفسه وبقانون عقوبات موادُه لا عفو فيها ولا تنصّ حتّى على أسبابٍ تخفيفية.

أخطر ما في كورونا أنه وحشٌ أليف. قد يأتيك، كما يخبرنا الأطباء، بصورة زكام أو عارض من أيٍّ من العوارض اليومية التي يتعرّض لها الجسم. غير أن الفكرة الفلسفية الأوحد والأعمق التي يطرحها هي كونه مرضاً انتقائياً ويهدّد الأجساد الأضعف بنيوياً كما يهدّد المتقدّمين في السن. هذا هو جبروته.
هل هو إذن عقوبة وجودية أم بلاء؟

بذلت الحضارة الحديثة جهودا جوهرية لاحتضان المتقدّمين في السن ليس فقط عبر فكرة التقاعد (وتعويض العمل والتأمين الصحي) التي هي واحدة من أهم منجزات الفكر الاجتماعي الأوروبي بل بما يسمح للمتقدمين بالسن بأن يستمروا إذا شاؤوا في الإنتاج المفيد والطبيعي والحيوي لهم ولمحيطهم.

جاء كورونا ليذكِّرنا كحاكم عسكري نازي عنصري و جلف أن الأنظمة الاجتماعية العادلة لا يمكنها أن تحل مكان القوانين الصحية للطبيعة.

أكتب كل هذه المقدمة، لأجد سبيلي المُقْنِع إلى موضوع معقّد هو مفهوم السياسة والحس السياسي في زمن الوحش الكوروني. ربما أكتب الآن أحد أصعب التعليقات السياسية التي كتبتها في حياتي المهنية قياسا بمعيار صعوبة استخراج الأفكار السياسية، وقد يكون أسهل تعليق قياسا بسهولة المشاعر الشخصية. الحقيقة لا أعرف الفارق حتى اللحظة. لكنْ أعرف، وكأني أقرأ السطر الأول من الصراع السياسي في جهنم، (أو مجموعة الجهنمات التي نعيش حاليا في #لبنان: “كأن الشياطين هجرت جهنم وتجمّعت في لبنان” كما كتب الطبيب والمحلل النفسي عادل عقل في “قضايا النهار”يوم الثلاثاء المنصرم)… أعرف أن فكرة عدم التسامح مع الوضع السياسي الذي يجعل بلداً ما عاجزاً عن مواجهة فعّالة اجتماعية واقتصادية وطبعا صحية وبالتالي سياسية للوحش الكوروني هو وضع يستحق أن يكون عنوانه الثوري الأول هو بالضبط عدم التسامح من قِبَل الرأي العام في تحميل المسؤولية السياسية.

الآن تعابير “الدولة الفاشلة” و”الدولة المفلسة” و”الدولة التافهة” يجب أن تتراجع في كل بلد، ولا أتحدث عن لبنان وحده، تنكشف فيه عجوزات الدولة أمام هول الكورونا دون أن يكون بإمكانها أن تفعل شيئا لمنع الانهيار الاجتماعي الاقتصادي الهيكلي، ليحل مكان هذه التعابير تعبير: الدولة المجرمة.

في جحيم دانتي الجحيم تسع طبقات وفي وسطها مركز الشيطان وعند أبي العلاء المعري قبله الجحيم والنعيم وجهتا نظر في الأشخاص والسلوك والآداب، أما في الهاوية الكورونية المعاصرة فهناك طبقتان: الدول القادرة والدول العاجزة أي المجرمة. لا مفهوم لـ”الضحية” هنا إلا الفرد وأكاد أقول ليس الجماعة عندما يكون على الجماعة أن تتحمّل مسؤولية اختيارها، والسياسة اختيار حتى في الدول الديكتاتورية. كان يُنسَب إلى مارغريت تاتشر قولها: “ليس هناك مجتمع، هناك أفراد”. طبعا لستُ في هذا الصدد الشديد الليبرالية الرأسمالية بمعناها الإنكلوساكسوني. على العكس هذا زمن سيعيد على الأرجح تعزيز مفهوم المصائر المشتركة للدول والشعوب.

كورونا وهو يغيِّر العالم على أصعدة عديدة، يغيِّرنا من حيث إعادة النظر في معنى المسؤولية السياسية بمستويَيْها الفردي والجماعي. وقد لاحظتُ، وأرجو أن لا أكون مخطئاً، أن عدد حالات تغيير الرأي السياسي لدى أشخاص ذوي آراء “نهائية” أو يعطون الانطباع عن “خشبيتها” النهائية قد بدأ يلفت النظر كظاهرة إيجابية في الحياة العامة. ودون أن نبالغ في تحميل الظاهرة ما لا تَحتمل، فقد أظهر البعض في لبنان تغييرا ملفتا في “تمسكاتهم” السابقة، أو اعترفوا باتجاهات نقدية لأوضاع كانوا مجنَّدين، أو مجنِّدين أنفسهم، للدفاع عنها ضد كل نقد. هل انطباعي هذا دقيق؟ وهو انطباع تلفزيوني فايسبوكي تويتري؟ ليراجع كل منا نفسه أوّلاً!

ربما الكوارث كالتي نحن في واحدة فادحة جدا منها، تتيح “حركة” عميقة من إعادة النظر. لا شك أن العامل الشخصي له أثر كبير هنا، فما تتيحه العزلة القسرية من زيادة القراءة وبالتالي الثقافة الذاتية لدى الأفراد، عامل محفِّز على المراجعة النقدية لدى النخب على الأقل، ونحن في زمن رغم عولمته الوبائية يحمل ثقافةَ التواصل كما لم يحصل في التاريخ، وهي من بعض حسن الحظ ( أتحدّث عنه كما لو أنه قطعة سليمة على مساحة مدمّرة) ثقافة قراءة وليست فقط ثقافة مشاهدة.

الكورونا إهانة وجودية عميقة. هل يؤدّي عالمُنا بعد كورونا إلى تغيير في النظرة إلى الهوية الفردية وبالتالي السياسية بما يجعل الشعوب ليس فقط أقل تسامحاً مع الفساد السياسي كفعل إجرامي، بل أيضا أقل تسامحا مع نفسها. ولستُ متأكِّدا من أن الكلمة المناسبة هنا هي التسامح أو عدم التسامح. هذا الآن ليس فقط زمن الأطباء والطبيبات اوالممرضين والممرضات أو المسعفين والمسعفات أو الديلفريّين والديلفريّات، وجميعهم الشهداء الأحياء، بل أيضا زمن الباحثين والباحثات في علم النفس وعلم الاجتماع. الحقيقة كل أنواع البحث في العلوم الإنسانية وليس فقط الطبية.