زيارة الحريري إلى بعبدا لا تغيّر الواقع ما لم…؟

سابين عويس – النهار

لم يعد خافياً على أي مراقب محلي أو خارجي معنيّ بلبنان ألّا حكومة جديدة على المدى المنظور، وسط ارتفاع احتمالات أن يمتد الفراغ حتى نهاية الولاية الرئاسية. فلا القرار الخارجي في شأن لبنان قد نضج، ولا القوى المحلية المرتهَنة إلى هذا الخارج في صدد فك رهانها وتقديم المصلحة الداخلية للبلد على المصالح والحسابات الإقليمية والدولية المتصلة بمستقبل المنطقة ككل. حتى الضغط الهائل للانهيار الاقتصادي ومخاطر انهيار القطاع الصحي والاستشفائي تحت وطأة الوباء الكوروني لم ينجح في تغيير الأولويات، بحيث تتقدّم الأولوية الاقتصادية والاجتماعية والصحية على ما عداها، أقله حتى يستعيد البلد بعضاً من المناعة لمواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة، وهي ليست قليلة أو سهلة.




كل المشهد السياسي يدور اليوم على سؤال من سيقول آخ في الأول: هل هو رئيس الجمهورية، بحيث يتراجع عن مطالبه المدرجة تحت شعار المعايير الموحدة، فيدعو رئيس الحكومة المكلف الى بعبدا لمناقشة المسودة التي سلمه إياها قبل نحو شهر، ولم تحظ برضاه، تمهيداً لإدخال التعديلات التي تتيح ولادة الحكومة، فيحظى الرئيس بفرصة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من عهده قبل فوات الأوان، أو يكون الرئيس المكلف الذي يخرق الجمود ويزور بعبدا حاملاً مسودة جديدة تراعي في الحد الأدنى الممكن من التنازل مطالب الرئيس، من دون التراجع أو التفريط بالمبادئ العامة التي وضعها الحريري لحكومته؟

قد يبدو التساؤل أعلاه طوباوياً بالنسبة إلى الممسكين بزمام الشروط التعجيزية للتأليف، ويحمل الكثير من حسن النية غير المتوافرة في الواقع لدى أي من الأطراف المعنية بالتأليف، لكن هذا التساؤل يشكّل بالنسبة إلى المراقبين المعبر الوحيد المتاح أمام تبيّن النوايا التعطيلية الرامية عملياً إلى رفض أي خرق أو حصول أي تقدم.

كل المواقف الرئاسية، بما فيها الفيديو المسرب لاتهامات رئيس الجمهورية للرئيس المكلف بالتعطيل أو الكذب، أو بيان النفي-الفضيحة لتدخل “حزب الله” أو رئيس “التيار الوطني الحر” بالتأليف، (والفضيحة هنا تكمن في اتخاذ الرئاسة موقع الفريق وليس الحكم،) لا تعكس (هذه المواقف) رغبة رئاسية بتسهيل التأليف.

يضاف إليها عدم تلبية الرئيس لدعوة البطريرك الماروني بشارة الراعي إلى لقاء مصارحة ومصالحة مع الحريري لا ينتهي إلا بالاتفاق على التشكيلة الحكومية، والمعلوم أن عون كان البادئ برفض الاقتراح، علماً أن مبادرة الراعي هي الوحيدة التي لا تزال قائمة بعدما سقطت المبادرة الفرنسية، رغم استمرار الحديث عن أنها لم تمت، ورغم الآمال التي علقت على الاتصال الفرنسي الاميركي اليوم والموقف المشترك من لبنان. كما سقطت وساطة المدير العام للأمن العام بعدما كشفت مصادر “حزب الله” أنه لا يقوم بأي مسعى ولا يتدخل.

في المقابل، ليس الحريري في وارد القيام بأي تنازل، ما يعني أن لا زيارة مرتقبة إلى القصر ليس لها عند الرجل ما يبررها. فهو ليس في وارد تقديم مسودة جديدة، طالما لا توجه لديه لأي تغيير أو إعادة نظر بمبادئ التأليف ومعايير الحكومة. وهو ما يعني عملياً أن أي مسودة جديدة ستكون مماثلة للمسودة الموضوعة على طاولة الرئيس.

وفي رأي المراقبين، أن الكرة لا تزال في ملعب الرئيس لتحريك الجمود وليس في ملعب الحريري لأكثر من سبب يجب أخذه في الاعتبار. أولاً، إن موقع الرئاسة يجب أن يكون فوق كل المواقع والاعتبارات، وقصر بعبدا يجب أن يكون مقرّ جمع وليس مقر تفرقة أو انحياز. ثانياً، إن عمر الرئيس الذي يُكسبه النضوج والأقدمية يجب أن يضعه في الموقع المتقدم الأبوي الذي يجمع بين أبناء الوطن وشركائه وليس العكس. وثالثاً والأهم، إن العهد في حاجة إلى سلطة تنفيذية فاعلة تملأ الفراغ وتلجم الانهيار وانزلاق لبنان بالكامل نحو أن يكون دولة فاشلة في زمن العهد القوي.