//Put this in the section //Vbout Automation

استمرار مصارف مرهون برفع رأس المال نهاية شباط المقبل… كيف تُستخدم الودائع في المركزي؟

سلوى بعلبكي – النهار

يتأرجح اللبناني بين حجْرين: حجْر صحي وحظر تجوال فرضته جائحة كورونا وتداعياتها، وحجْر ودائعه في #المصارف ومنعه من الحصول عليها بسبب “جائحة” الانهيار الاقتصادي والنقدي، و”خبط عشواء” قرارات السلطة وغيابها عن استنباط حلول جدية تعيد توجيه الاقتصاد نحو النمو والانقاذ.




في “جائحة” الانهيار كانت المصارف في عين العاصفة ولم تزل. ف#الودائع… لديها، والقروض مفتاح النمو… عندها، والتحاويل الى الخارج… عبرها، وغيرها الكثير من الخدمات المالية أوراق الحركة الاقتصادية. لذا فإن اي كلام ونقاش يستجدي معرفة اسباب الانهيار والسبل للخروج منه يستدعي حكماً المرور بمعبر المصارف والاتفاق معها على خطط اقتصادية علمية تعيد بناء الاقتصاد من جديد على ارضية علمية متوازنة تحمي استدامة الاستقرار المالي والنقدي، وتعيد بناء الثقة بالقطاع المصرفي محليا وعربيا ودوليا. ولمزيد من الاطلاع على تطورات القطاع، حملت “النهار” تساؤلات المواطنين والمودعين الى النائب السابق لرئيس جمعية المصارف رئيس مجلس ادارة “بنك لبنان والمهجر” سعد أزهري الذي بدأ اللقاء من آخر المستجدات المصرفية وهي صفقة بيع “بلوم مصر”، لينطلق بعدها الى وضع القطاع المصرفي عموما والأزمة التي تحاصره منذ بداية الثورة تحديدا.

يفخر ازهري بأن وحدة “بلوم مصر” هي “جوهرة مجموعة بنك لبنان والمهجر، إذ اتسمت بالنجاح والنمو منذ انطلاقها في العام 2005، بما يعني أن المجموعة تبعاً لذلك ستحظى بمردود مالي عال في حال قررت بيعها… وهذا ما حصل فعلا”. لماذا البيع؟ لا يخفي ازهري انه “كانت هناك ضرورة للمضيّ بالبيع بهدف زيادة رأس مال البنك 20%، ولتكوين احتياطات خارجية تعادل 3% من مجموع الودائع بالدولار، التزاما بتعاميم مصرف لبنان التي يلتزم المصرف كامل مندرجاتها. يأتي ذلك ايضا في ظل غياب خطة إصلاحية وإنقاذية من الدولة تحصن الوضعين المصرفي والنقدي، لذا ارتأت الادارة أن بيع وحدة مصر لتعزيز موجودات “بلوم” أفضل من السعي لدى المساهمين والمودعين لزيادة رأس المال”.

من ابرز الاتهامات والمعوقات التي تتعرض لها المصارف حتى اليوم عدم اقرار قانون “الـكابيتال كونترول”، وهو الاجراء الذي اعتمده الكثير من الدول التي مرت بأوضاع مشابهة للبنان على نحو اعادها الى السكة. يستند ازهري الى تجارب دول عدة عايش ظروفها الاقتصادية شخصيا ومنها مصر التي أقفلت مصارفها اسبوعين تحضيرا لإقرار “الكابيتال كونترول”، فيما اقدمت بلدان اخرى على تنفيذ هذه الخطوة بهدف حماية الإحتياط الاجنبي كمدخل للحل السليم لهذه الأزمات. “ولكن للأسف، لم يتم ذلك في لبنان بسبب التجاذب السياسي بين الأفرقاء وتقاذف المسؤوليات في ما بينهم، وكان نتيجة عدم إقرار القانون حتى الآن إستنزاف في الموجودات الخارجية للمصارف ومصرف لبنان”، مؤكدا أن “جمعية المصارف أصرت منذ بداية الازمة على المسؤولين بضرورة إقرار القانون ولكن من دون جدوى حتى الآن”.

هل نفد الوقت؟ لا يزال الوقت متاحا وفق أزهري لاقراره وانقاذ ما تبقّى، “خصوصا ان من شروط صندوق النقد إقرار الكابيتال كونترول الى جانب الاصلاحات للمباشرة بضخ السيولة في الاقتصاد”.

أين تبخرت الودائع؟
تقنين الدولارات على المودعين من المصارف، تُرجم غضباً ونقمة في الشارع على القطاع برمته، فأين تبخرت الودائع بالدولار؟ الارقام التي يفندها أزهري تثبت أن معظم ودائع المصارف بالدولار مودعة ومستثمرة لدى “المركزي” الذي استعملها في سد عجوزات ميزان المدفوعات، خصوصا في ظل الجمود الحالي الذي تُرجم بوقف تدفق رؤوس الاموال إلى لبنان والحاجة الملحّة إلى دعم المواد الأساسية التي يحتاجها المواطن. فوفق البيانات الأخيرة المجمعة للقطاع المصرفي، بلغت الودائع بالدولار في المصارف ما يقارب الـ 112 مليار دولار توزعت توظيفاتها كالآتي: 10 مليارات سندات يوروبوندز، 22 مليارا قروضاً خاصة، ونحو 80 مليارا ودائع لدى مصرف لبنان، موضحا أن “ليست هناك أي قيود على تحريك الودائع بالدولار بعمليات مصرفية بين المصارف داخل لبنان، ولكن هناك قيود اخلاقية وادبية للتحاويل الى الخارج، علما أن مصرف لبنان يسمح بقبض الودائع بالدولار بسقوف محددة بالليرة اللبنانية على سعر 3900 ليرة للدولار”.

لماذا استثمرت المصارف معظم ودائعها بالدولار في مصرف لبنان؟ وهل كانت استجابة لاغراء الهندسات المالية منذ نهاية عام 2016؟ يقول ازهري إن المصارف “ملزمة بتطبيق تعاميم المصرف المركزي وإجراءاته التنظيمية، وتتضمن هذه الإجراءات وضع احتياط إلزامي بالدولار في مصرف لبنان. كما تضمنت في الاعوام الأخيرة، تجميد ودائع لدى المركزي ما يعادل كل المبالغ المحوّلة من العملاء من الليرة اللبنانية إلى الدولار. وأدت هذه الإجراءات إلى تجميع معظم ودائع المصارف بالدولار لدى مصرف لبنان. أما بالنسبة الى الهندسات المالية، فإنها لم تستحوذ على أكثر من 20% من الودائع الإجمالية للقطاع لدى مصرف لبنان، وكان هدفها الرئيسي تحقيق أرباح للمصارف، لا يحق توزيعها على المساهمين (أصدر تعميما بهذا الصدد) واستعمالها فقط لزيادة كفاية رأس المال من نسبة 12% إلى 15%. وكانت الغاية من هذه الإجراءات والتدابير تعزيز الاحتياط الاجنبي في مصرف لبنان”.

حُكي كثيرا عن تحويلات كبيرة الى الخارج لسياسيين ورجال اعمال ومالكي مصارف وكبار المساهمين فيها، بما زاد نقمة المودعين الذين يعانون الأمرَّين للحصول على ودائعهم، ولكن ازهري يجزم بأن “لبنان والمهجر لم ينفذ مثل هذه التحويلات منذ 17 تشرين الأول 2019، وهذا يعود إلى الإلتزامات الأخلاقية والثقافة المصرفية التي يؤمن بها، على رغم تعرّضنا لتهديدات ودعاوى نتيجة هذا الموقف”. إلا انه لم ينفِ حصول تحويلات محدودة “بداعي الضرورة الإنسانية، واستمر البنك بهذا الموقف التزاما بما أوصت به جمعية المصارف. ولا أبالغ في القول بأن معظم المصارف إلتزمت هذه القرارات، مع تسجيل، ربما، خروقات بسبب عدم وجود قانون يردعها، ولكنها بالطبع غير محبذة أخلاقيا”. ويضيف أزهري أن “بلوم” يؤيد القوانين التي تفرض إعادة الأموال التي حُوِّلت منذ 17 تشرين الأول 2019.
واذا كان بعض المصارف الكبيرة قد تحضَّر لاستحقاق آخر شباط عبر بيع بعض الأصول في الخارج، كخطوة على طريق “اعادة الرسملة والالتزام بمعايير السيولة والملاءة”، ولكن السؤال: هل ستتمكن بقية المصارف من زيادة رأس مالها 20% وتجميع 3% من ودائعها بالدولار كاحتياط أجنبي؟ يبدو أزهري واثقاً بان “بلوم” سيتمكن من زيادة رأس ماله وتجميع الإحتياط الأجنبي تنفيذا لتعاميم مصرف لبنان، “وهذا حكماً قد ينسحب على الكثير من المصارف. ولكن في نهاية المطاف، وعلى رغم إنجاز هذه الإجراءات، لن تتمكن المصارف من استعادة دورها الأساسي في الإقتصاد، بغياب خطة إصلاحية إقتصادية ومالية شاملة تتضمن بالضرورة برنامجا مع صندوق النقد الدولي يوفر ضخّ سيولة جديدة، وتعيد الثقة إلى الإقتصاد والقطاع المصرفي وتضمن الوصول إلى الأسواق المالية العالمية وتحقيق الإستدامة المالية ورفع القدرات التنافسية للإقتصاد”.

القطاع المصرفي، وفق عدد من الخبراء، تدنت موجوداته وفقد مكامن قوته ومعظم ودائعه،

فمن يتحمل كلفة الخسائر المالية؟ من موقعه كمصرفي، يرى ازهري أن “الخسائر الناجمة عن القروض التي قدمتها المصارف للقطاع الخاص والإستثمارات التي وضعتها في سندات الخزينة هي مسؤولية المصارف كونها أقدمت عليها بمعرفة تامة بالمخاطر المحيطة بها. أما بالنسبة الى ودائع المصارف في مصرف لبنان، فإنها خالية من المخاطر الإئتمانية (Risk-Free) كما هو معمول به في كل دول العالم، لذا يمكن ويجب اعادتها. وفي طبيعة الحال، كما أشرت، وضعت المصارف معظمها في مصرف لبنان نتيجة الإجراءات التنظيمية لهذا الأخير، وهي في نهاية المطاف ودائع وليست ديوناً”.

أما في ما يتعلق بمصرف لبنان، فيعتبر أزهري أن “المركزي قام بواجباته حيال تمويل الدولة والمحافظة على سعر الصرف ودعم السلع الأساسية، وأي خسائر تكبدها من جراء هذه الاجراءات، وجب على الدولة أن تتحملها، ولديها الموارد الكثيرة إذا أحسنت إدارتها بشكل جيد. وبحسب القانون والأعراف يتوجب على الدولة تحمّل خسائر المركزي، فكيف إذا كانت هذه الخسائر قد حصلت نتيجة تنفيذ المركزي سياسة الدولة وتمويلها؟”، مذكّرا بأن أحد الأهداف الرئيسية للبرنامج الإصلاحي هو “تقليص عجز ميزان المدفوعات، وتاليا زيادة الإحتياط الأجنبي الذي يقلص حجم هذه الخسائر مع الوقت”.

يتفاءل أزهري بقدرة القطاع المصرفي على استعادة مكامن قوته وقدرته على لعب الدور التاريخي المنوط به للمشاركة في نهوض الاقتصاد اللبناني، وهو المعروف تاريخيا بعراقته ومهنيته. لكن كل ذلك مرهون بوجود بيئة اقتصادية سليمة وبنيان قانوني يفسح في المجال أمام اعادة بناء الثقة مع رؤوس الاموال في الداخل والخارج لاطلاق عجلة الانقاذ.