//Put this in the section //Vbout Automation

“الحريديم” يتمردون على قوانين إسرائيل ويهددونها بكارثة صحية واقتصادية

تتواصل المظاهرات والصدامات بين الشرطة الإسرائيلية وبين جماعات من اليهود المتزمتين (الحريديم) الذين يبدون مظاهر العصيان ولا يحترمون تعليمات وزارة الصحة الخاصة بالقيود المفروضة لمنع انتشار عدوى كورونا مما يدفع لتقديرات بأن هؤلاء من شأنهم إيقاع إسرائيل بكارثة صحية.

ومنذ بداية انتشار جائحة كورونا وفرض قيود وتدابير الأمن والسلامة يميل اليهود الحريديم لمواصلة حياتهم كالمعتاد فيقيمون الأعراس وبيوت العزاء والجنازات ويفتحون المدارس الخاصة بهم مما جعل مدنهم ومستوطناتهم بؤرة للعدوى وتهدد بالمزيد من الانتشار بشكل أسرع من تقديم التطعيمات.




تتهم أوساط إسرائيلية واسعة نتنياهو بصرف النظر عن الاستنكاف عن تطبيق التعليمات والقوانين في بلدات الحريديم لاعتبارات سياسية انتخابية

وتتهم أوساط سياسية وإعلامية إسرائيلية واسعة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بصرف النظر عن هذه الانتهاكات والاستنكاف عن تطبيق التعليمات والقوانين في بلدات الحريديم لاعتبارات سياسية انتخابية. وتشير معطيات استعرضتها الإذاعة العبرية خلال الأسبوع الماضي، إلى أن نسبة الحريديم المصابين بكورونا تصل إلى 40 % من نسبة المصابين بشكل عام، كما ذكرت وزارة الصحة الإسرائيلية أن التلاميذ الحريديم يشكلون 60 % من نسبة التلاميذ المصابين بكورونا بشكل عام، رغم أن نسبة الحريديم في إسرائيل لا تتجاوز 12 % من مجموع السكان.

وظهرت في وسائل الإعلام العبرية مؤخرا عدة مقالات وتقارير تنتقد سلوك الحريديم الذين يرفض الكثيرون منهم الالتزام بقيود كورونا، بل يدخلون في مواجهات عنيفة مع الشرطة الإسرائيلية التي تحاول فرض الإغلاق ومنع التجمعات بموجب إجراءات الإغلاق في إسرائيل، كما حدث مؤخرا.

المخالفات للعرب

بالمقابل، كشفت قناة التلفاز العبرية عن تناقض كبير بين الواقع على الأرض وبين سلوك الشرطة الذي يحمل بعدا عنصريا ضد العرب والعلمانيين لصالح الحريديم، في فرض قيود كورونا. إذ بينت معطيات الشرطة الإسرائيلية أنها أصدرت خلال فترة الإغلاق الثالث 26 مخالفة لقيود كورونا لكل 10 آلاف شخص في الوسط الحريدي، و80 مخالفة لكل 10 آلاف شخص من العرب، و58 مخالفة لكل 10 آلاف شخص كمعدل عام.

وادعت الشرطة الإسرائيلية في ردها الأول أن تفسير القناة العبرية الرسمية مضلل للجمهور، لكنها لاحقا أقرت بصحة المعلومات التي نشرتها القناة، الأمر الذي دفع وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي أمير أوحانا إلى طلب اجتماع عاجل مع المفوض العام للشرطة الإسرائيلية كوبي شبتاي لبحث إجراءات فرض قيود كورونا خاصة في المناطق الموبوءة.

نتنياهو وكَنايفيسكي- علاقة تبعية

 ومع ذهاب إسرائيل إلى تمديد الإغلاق الثالث كشف أن نتنياهو أجرى اتصالا مع حفيد كبير حاخامات الحريديم حاييم كَنايفيسكي وطلب منه التزام الحريديم بإغلاق مؤسساتهم. وذكر الموقع الإلكتروني الإخباري الحريدي “لَداعَت” أن نتنياهو اتصل عشية اجتماع الحكومة الأخير بحفيد كَنايفيسكي وأبلغه أن الحكومة ستمدد الإغلاق عشرة أيام، وطلب منه أن يقوم الحاخام كَنايفيسكي بدعوة الحريديم إلى الالتزام بقيود كورونا في الأيام العشرة الإضافية.

وأضاف الموقع الإخباري المذكور أن نتنياهو طلب دعم الحاخام كَنايفيسكي لإغلاق المدارس الدينية في فترة الإغلاق الشامل. وأثار هذا الأمر انتقادات شديدة لنتنياهو بسبب تساهله و”أدبه” وحتى “توسله” للتيار الديني المتزمت (الحريديم) للالتزام بقيود وتعليمات كورونا.

ابتزاز سياسي

وفي هذا المضمار قال زعيم حزب “يوجد مستقبل” يائير لبيد في مقابلة مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” إن “4142 إسرائيليا ماتوا بسبب إدارة نتنياهو الفاشلة والجبانة لأزمة كورونا ولأن نتنياهو يتصل ليلا بحفيد كَنايفيسكي لطلب موافقته على فرض الإغلاق، وبدلا من أن يقوم بذلك بناء على نسبة العدوى ومعطيات الصحة وعلى أساس علمي، فإنه يدير العملية بناء على اعتبارات سياسية وفي ظل ابتزاز سياسي”.

أما زعيم حزب “أمل جديد” جدعون ساعر فقال للقناة 12 العبرية “لو كنت رئيسا للحكومة لفرضت القانون على الجميع، ولما اتصلت بالحاخام كَنايفيسكي”، وتابع “هناك حكومة وهناك مؤسسات لا تطبق القانون، ويجب فرضه عليهم بغض النظر عن انتمائهم السياسي”.

ساعر قال أيضا إنه سيدعو إلى تشكيل لجنة للتحقيق في أداء حكومة نتنياهو لأزمة كورونا. واتهم الحكومة الحالية بأنها فشلت في التعامل مع هذه الأزمة منذ أكثر من عام، ولهذا السبب مات الناس ودمرت أرزاقهم، مشيرا إلى أن هناك تقصيرا كبيرا على مستويات مختلفة منها نظام التعليم والملف الاقتصادي وغيره.

تفشي كورونا غضب إلهي بسبب إغلاق مدارس التوراة

كما هاجم روغيل ألفر في صحيفة “هآرتس” الحريديم أيضا، وقال إنهم يؤمنون بأقوال كَنايفيسكي إن سبب تفشي كورونا هو غضب رباني. وينسب ألفر لكَنايفيسكي قوله للمتسائلين عن أسباب تفشي كورونا إن “وقف التعليم في صفوف التوراة أمر خطير، ولهذا ترتفع نسبة تفشي كورونا، ويصيب المرض حتى من هم ليسوا في دائرة الخطر. هذه نتيجة مباشرة لإغلاق صفوف تدريس التوراة”. وأضاف ألفر: “نسبة من يؤمنون بصحة الادعاءات هذه مثيرة، فهم يرفضون التفسيرات التي تقول إن سبب تصاعد تفشي كورونا هو الفيروس المتحور بسبب طفرات جينية عشوائية، ويفضلون التفسيرات التي تقول إن القوة الغيبية تعاقب اليهود لأنهم أغلقوا صفوف التوراة”.

اعتبر الحريديم تفشي كورونا غضبا إلهيا بسبب إغلاق مدارس التوراة

ودعا ألفر في مقال آخر له في “هآرتس” إلى ضرورة اعتقال كَنايفيسكي وحفيده بتهمة “نشر المرض عمدا أو إراقة الدماء” وهاجم نتنياهو أيضا بقوله “في إسرائيل الدولة التي تعتبر نفسها غربية، والتي تتصدر دول العالم في نسبة من تلقوا لقاح كورونا، يتصل رئيس الحكومة بحفيد حاخام هناك شكوك حول قدراته العقلية، ليتوسل له كي يصدر تعليمات لأتباعه للالتزام بالقانون، في الولايات المتحدة قمعوا الذين اقتحموا مقر الكونغرس، أما في إسرائيل فما يحدث هو انقلاب هادئ وزاحف وناجح”.

كما تقدم المحامي غاي أوفير بطلب للمستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية أفيحاي مندلبليت لفتح تحقيق ضد الحاخام كَنايفيسكي وحفيده بعد إصدارهما تعليمات بفتح المؤسسات التعليمية رغم الإغلاق. وقال المحامي “إنهما يفعلان ما يحلو لهما، وبهذه الأفعال والإهمال يعرضان للخطر حياة المواطنين الملتزمين بالقانون”.

التوراة قبل قوانين الدولة

وهاجم يهودا موشيه زهاف، رئيس منظمة “زاكا” المتخصصة في إخلاء جثث ضحايا الكوارث والحوادث والعمليات، في مقابلة مع صحيفة “يديعوت أحرونوت”، الحاخامات من الحريديم الذين يرفضون الإغلاق. موشيه زهاف وهو حريدي أيضا، فقد والديه وشقيقه خلال شهر واحد بسبب كورونا، وبحكم عمله فإنه يزور المستشفيات والمراكز الطبية ويطلع على حقيقة الوضع المأساوي بسبب تفشي كورونا.

ويقول رئيس منظمة “زاكا” إنهم (حاخامات الحريديم) “أسوأ من منكري المحرقة، فمنكرو المحرقة يرفضون التاريخ، أما هنا فإنهم ينكرون الحاضر.. رؤية عائلات المرضى مؤلمة جدا.. وكذلك بكائهم ودموعهم”. ومن أبرز التصريحات المثيرة للحاخام كَنايفيسكي مقطع فيديو نشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قال فيه لأحد أتباعه عندما سأله قبيل الانتخابات الأخيرة إن كان التصويت لصالح حزب يهدوت هتواره الحريدي سيحميه من الإصابة بكورونا، فرد كَنايفيسكي بالقول إن هذا صحيح.

كما كتب كَنايفيسكي أدعية قال إنها تمنح الحصانة من كورونا، لكنه في النهاية أصيب هو بالفيروس. مع ذلك فإن مرضه لم يمنعه من الاستمرار في إصدار تعليماته بإبقاء المؤسسات الحريدية مفتوحة، كما أن مرضه لم يغير في وجهة نظر أتباعه من أن لا أحد محصنا من الإصابة بكورونا، واستمروا في سلوكهم الذي يساهم في نشر المرض في إسرائيل كلها، حسبما يقول شاحر إيلان في صحيفة “كالكاليست”.

أسباب التمرد الحريدي

تستعرض دراسة لجامعة تل أبيب ترجمها وحررها المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أسباب رفض الحريديم الالتزام بقيود كورونا وأشارت إلى ثلاثة عوامل رئيسة تدفع الحريديم إلى التمرد هي: العامل القيَمي- الديني، والعامل الاجتماعي- الأيديولوجي، وأسلوب الحياة.

واستطلعت الدراسة التي أعدتها دكتورة سارة زيلتسبيرغ ودكتورة سيما زيلتسبيرغ بلاك، خلال الإغلاقين الأول والثاني، آراء عينة من الحريديم شملت آباء لما معدله سبعة أطفال من التيارين الليتواني والحسيدي من الذين أصيبوا بكورونا أو كانوا مخالطين لمصابين. ويوضح “مدار” أنه في العامل القيَمي- الديني، تحتل القيم والممارسات الدينية حتى في الجانب الصحي مكانة مهمة لدى الحريديم فهم يقدمون آراء حاخاماتهم على تعليمات وزارة الصحة بحكم إيمانهم بأن طاعة الحاخامات فرض ديني، ولأنهم يرون أن التوراة تشكل حصنا لهم من المرض. في هذا السياق قال بعض المستطلعة آراؤهم إنهم رفضوا الإقامة في الفنادق المخصصة للمصابين بكورونا لأنها توفر بيئة علمانية لا تتناسب وحاجاتهم الدينية.

وفيما يخص العامل الاجتماعي- الأيديولوجي يرى بعض الحريديم المستطلعة آراؤهم أن طبيعة القيود المتعلقة بكورونا تضمن جانبا عنصريا يستهدفهم، ففيما يسمح بالتظاهرات، يمنعون هم من الصلاة في الكنس، لذلك قرروا كسر الحظر. فيما قال بعض ذوي الآراء الأكثر تطرفا إن رفضهم الالتزام بقيود كورونا هو تمرد مقصود على سلطة الدولة ومؤسساتها.

وفي العامل المتعلق بأسلوب الحياة تقول الدراسة المذكورة إن الاكتظاظ يجعل تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي والحجر الصحي أمرا صعبا، فيما يمنع أسلوب التعليم المغلق لديهم إمكانية حصولهم على المعلومات من مصادر خارجية خاصة تلك المتعلقة بتطورات تفشي كورونا، بما فيها تعليمات الوقاية وقرارات وزارة الصحة.

نتنياهو رهينة لدى الحريديم

 وفي ظل مأزق نتنياهو وخوفه من فقدان الحكم ومواجهة تهم الفساد وهو مواطن عادي يشير “مدار” أيضا لتحكم حاجته إلى أصوات اليهود الحريديم التي تصب لصالح حزبي شاس ويهدوت هتوراه الشريكين الدائمين له في معظم الحكومات التي شكلها، بطبيعة الخطاب الذي يوجهه نتنياهو لهذا التيار رغم الكارثة الصحية- الاقتصادية التي يقود أنصاره إسرائيل إليها.