//Put this in the section //Vbout Automation

ميشال عون انتهى فلا تُنعشوه

قاسم يوسف – أساس ميديا

لا أختلف مع الزميلين زياد عيتاني وخالد البواب في توصيفهما الدقيق لحالة الارتباك التي ترافقت مع الإعلان عن جبهة سياسية عريضة آخذة في التبلور عقب اللقاء الذي جمع رؤساء الحكومات مع وليد جنبلاط في الأونة الأخيرة. ولا أختلف أيضًا مع الجلد المستحق، بكلّ قساوته، لرموز السنية السياسية ولخياراتهم الخاطئة، بدءًا من حالة التردّد واللايقين، وصولاً إلى وصمهم بما يتجاوز الفشل، لا سيما بعد الطريقة النافرة والمستفزة التي رافقت انسحابهم وتملصهم من مجرد التلميح أو الأحاديث المتواترة عن التحضير لقيام جبهة.




لنسلّم جدلاً أن العشاء الذي جمع الرؤساء الثلاثة مع وليد جنبلاط كان محض مناسبة اجتماعية عابرة، ومجرد رد طبيعي على دعوة مماثلة قام بتلبيتها تمام سلام على مائدة وليد جنبلاط. ولنسلّم جدلاً أيضًا أن النقاش لم يلحظ التحضير لجبهة وطنية عريضة تستهدف ميشال عون وعهده البائد، ولكن ما الحاجة الفعلية التي دفعت إلى المبالغة القصوى في ردة الفعل؟ ولماذا شعر الرؤساء بهذه الحاجة الماسة إلى نفي الأمر، بل وإلى نسفه، وكأنه رذيلة أو رجس من عمل الشيطان؟ كان يكفي أن يُترك النقاش قائمًا ومفتوحًا في الصالونات، على اعتبار أن ثمة حراكًا قائمًا في الكواليس، وهذا ما يُشكل ورقة ضغط معنوي لا بأس بها، أو أن تُنفى الرواية عبر أقل الطرق المقبولة والمتاحة، دون الذهاب بعيدًا في مسألة التأكيد والحسم، وهذا بطبيعة الحال من بديهيات التكتيك السياسي والمماحكات اليومية.

لكن بعيدًا من كل هذا، لا بد من العودة إلى صلب النقاش، وتحديدًا إلى السؤال المركزي: ما هي الايجابيات والسلبيات المترتبة عن قيام جبهة مماثلة؟ وهل من مصلحة وطنية فعلية في قيامها؟

الجبهة كما تم “تصويرها” تستند إلى أعمدة ثلاثة: رؤساء الحكومات، بالإضافة إلى وليد جنبلاط ونبيه بري. بمعنى أوضح الثلاثي: السنيورة – جنبلاط – بري، وإلى جانبهم بطبيعة الحال سعد الحريري الذي فضّل الابتعاد عن الصورة نظرًا لتوليه مسؤولية تشكيل الحكومة.

الايجابية الشكلية تكمن في توحيد الجهود الآيلة لمواجهة ميشال عون وصهره وسياساته، وصولاً إلى اسقاطهم وإزاحتهم من المشهد السياسي. لكن ثمة هنا ما يستدعي التوقف والتأمل.

ميشال عون يشهد أسوأ أيامه على الإطلاق. كذلك هي الحال بالنسبة إلى صهره الذي يرزح تحت عقوبات أميركية وشبه عزلة داخلية وعربية ودولية لامست حدودًا غير مسبوقة على الإطلاق، ناهيك عن التراجع الهائل في حجم التيار الوطني الحر وفي حضوره وفعاليته، فضلاً عن الاشكاليات الكبرى التي باتت تهدد وجوده ومستقبله، انطلاقًا من الخلاف المستحكم ضمن بيت ميشال عون الداخلي، وصولاً إلى الاشتباك الأوسع بين أقطاب وكوادر وازنة ضمن التركيبة البنيوية والتاريخية للحالة العونية بتركيبتها السياسية والاجتماعية.

لا يمكن لأي منطق أن يذهب بعيدًا في تأسيس جبهة سياسية علنية تُشكل الوجه الآخر للتحالف الرباعي لمواجهة هذه الحالة المتردية والآيلة عاجلاً أم آجلاً إلى الانهيار والاضمحلال، لأن هذا الفعل بحد ذاته سيشكل المادة الدسمة للخطاب التعبوي الذي سيتخذ حتمًا طابعه المذهبي والطائفي، على اعتبار أنها جبهة تضم عُتاة السنة والشيعة والدروز تسعى إلى استهداف ميشال عون واسقاطه، ناهيك طبعًا عن أسماء الثلاثي الذين يتقدمون الجبهة، وهي أسماء تكاد تكون كافية لاستفزاز الشارع المسيحي برمته، على اعتبار أنهم الأركان الأكثر وضوحًا واستفزازًا في النظام اللبناني وفي الدولة العميقة، وهذه هدية كبرى، بل وهائلة، تُقدم مجانًا لميشال عون وجبران باسيل وعلى طبق من ذهب.

لا يكفي قطعًا بعض الاشارات الحمّالة أوجه التي أطلقها البطريرك الراعي، رغم أهميتها ومحوريتها، ولا المواقف العابرة التي أطلقها حزب الكتائب والقوات اللبنانية، ما لم يكونوا جزءًا أساسيًا وفاعلاً في أي جبهة مماثلة، بل وفي مقدمتها، وهذا شبه مستحيل، وذلك لاعتبارات كثيرة ووافرة، ولا مجال لتعدادها هنا.

ولا تكفي أيضًا المواقف الوطنية الشجاعة والمتقدمة للعزيز فارس سعيد ولأمثاله من القائلين بضرورة إسقاط ميشال عون كمقدمة طبيعية لكشف حزب الله وسحب البساط من تحته، على اعتبار أن كلام العقل لا يستوى إذا ما هبت عواصف الجنون، وتحول النقاش العام من الحديث عن رئيس فاشل وصهر أرعن وتيار مُفلس، إلى الحديث عن استهداف ممنهج للمسيحيين ودورهم وموقعهم وحتى وجودهم في المعادلة السياسية والوطنية والكيانية.

ليس ثمة نافذة مفتوحة على لقاء واسع وجبهة عريضة تشمل مزهرية متنوعة ووازنة من كل الأطراف، أقله في الوقت الراهن وفي المدى المنظور، وبالتالي فإن الأجدى والأنسب أن يستمر الكباش على جبهات متعددة، وكلٌ من زاويته ومنظوره وقدراته، وأن يُترك ميشال عون ليغرق في أزماته المستفحلة، بعيدًا من أي استفزازات قد تُشكل طوق نجاة له ولصهره وتياره.

لو كان لي استشارة أو رأي مُطاع، لهمست في أذن رؤساء الحكومات أن المعركة الحقيقة تكمن في مكان آخر. هناك حيث تستطيعون أن تحافظوا على وجودكم وثباتكم واستمرارية ناسكم، وعلى صمودكم ومقاومتكم بوجه حزب الله ومشروعه وأدواته، وعلى بقائكم كحجر زاوية في قلب المعادلة السياسية والوطنية. أما ميشال عون فقد انتهى وستنتهي معه العونية السياسية بكل أشكالها. اتركوهم يتخبطون وينازعون، ولا تمنحوهم القشة التي قد تؤخر غرقهم الأكيد.