//Put this in the section //Vbout Automation

الحاكم الحقيقي.. كيف يعمق “جبران باسيل” أزمة تشكيل الحكومة في لبنان؟

يعيش لبنان سلسلة أزمات سياسية واقتصادية وصحيّة تنذر بانهيار الهيكل على رؤوس اللبنانيين، فيما زعماء البلد وقادته السياسيون لا يأبهون ولا يفكّرون بشكل جدّي في الوصول إلى حلّ لهذه الأزمات، لا سيّما تلك التي يملكون فيها مفتاح الحلّ والربط، وهي على وجه التحديد الأزمة السياسية التي تُعدّ مفتاح حلّ بقية الأزمات، وربما أساسها أيضاً.

وقد خلّفت هذه الأزمات مجموعة هواجس متعدّدة عند مختلف مكوّنات البلد، غذّتها الطبقة السياسية، ودفعت ببعضهم إلى التفكير باقتراحات هي بحدّ ذاتها تشكّل أزمة لا يمكن الخلاص منها، وقد كان آخر هذه الاقتراحات ما تفقّت عنه ذهنية وعبقرية رئيس التيار الوطني الحرّ، الوزير السابق جبران باسيل، الذي دعا في آخر إطلالة له إلى عقد وطني جديد يعيد إنتاج النظام السياسي في البلد، وهو ما يعني بشكل من الأشكال نسف وثيقة الوفاق الوطني، أو ما يُعرف بـ “اتفاق الطائف” الذي وضع حدّاً في نهاية العام 1989 للحرب الأهلية المشؤومة، وأرسى نوعاً من التوازنات في النظام السياسي في بلد يعيش حالة من التوازنات بين المكوّنات التي يتشكّل منها، وبالتالي فإنّ دعوة باسيل تمّ النظر إليها على أنّها انقلاب على وثيقة الوفاق الوطني، وتالياً على الدستور، ونوع من دغدغة مشاعر، أو مغازلة حزب الله الذي كان سبّاقاً في العام 2012 إلى الدعوة إلى مؤتمر تأسيسي يعيد إنتاج النظام السياسي في لبنان، سرعان ما تراجع عنه عندما وجد أنّ الأجواء غير ملائمة في حينه، وقد وُوجهت تلك الدعوة في حينه بالرفض من قطاعات واسعة من الشعب اللبناني، وها هي اليوم دعوة باسيل تُواجه أيضاً بالرفض من قطاعات واسعة من اللبنانيين.




يُنظر إلى الوزير جبران باسيل في لبنان على أنّه الحاكم الفعلي لقصر بعبدا (القصر الجمهوري)، وهذا ما صرّح به العديد من السياسيين اللبنانيين، وذلك لأنّ باسيل صهر رئيس الجمهورية الحالي، ميشال عون، ويُعدّ من أقرب المقرّبين إليه.

كما يُنظر إلى دعوة باسيل على أنّها دفعة حساب لصالح حزب الله على خلفية طموح الرجل بالوصول إلى سدة رئاسة الجمهورية بعد عمّه الرئيس عون.

فيما يَنْظُر إليها البعض على أنّها الجزء المكمّل لما يروّج له البعض من تحالف الأقليات في المنطقة، وقد أشار إلى هذا الموضوع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، الذي رفض تحالف الأقليات في المنطقة، وعدّ ما يقوم به باسيل بأنّه يصبّ في هذا الاتجاه والسياق، بغض النظر عما إذا كان عن قصد منه أو عن غير قصد.

وبالعودة إلى دعوة باسيل إلى عقد وطني جديد فقد تداعى رؤساء الحكومات السابقون إلى لقاء في منزل رئيس الحكومة الأسبق تمام سلام، وحضر معهم وليد جنبلاط، وجرى البحث بشكل جدّي وحثيث في مسألة دعوة باسيل إلى عقد وطني جديد، وعدّوا ذلك بمثابة انقلاب على الدستور وإطاحة باتفاق الطائف، بل دعوة إلى فتنة جديدة في لبنان، ولذلك قرّر الرؤساء ومعهم جنبلاط تشكيل جبهة وطنية عريضة تمنع القفز فوق الطائف وفوق الدستور وتمنع أيضاً أيّة محاولة للإطاحة به، ناهيك عن التواصل مع الساحة المسيحية التي ينتمي إليها باسيل من أجل وضع حدّ لهذا التوجّه ومحاصرته داخل الساحة المسيحية لأنّه يمثّل – وكما ورد – مشروع فتنة في لبنان.

غير أنّ ذلك لا يلغي المخاوف المسيحية التي يحسن باسيل استثارتها في الوقت المناسب، ولا هواجس المكوّنات الأخرى. فالمسيحيون في لبنان بدأوا يعبّرون عن مخاوف على تواجدهم في البلد، فضلاً عن دورهم فيه، خاصة بعد انفجار مرفأ بيروت وتدمير الأحياء المسيحية في العاصمة، ولذلك وجّه بطريرك الموارنة في لبنان، بشارة الراعي، دعوة صريحة من أجل اعتماد حياد لبنان عن مشكلات المنطقة باستثناء القضية الفلسطينية، والتركيز على بناء الدولة وفي مقدمة ذلك تسهيل تشكيل حكومة جديدة تتصدّى للأزمتين الاقتصادية والصحيّة، غير أنّ الوزير باسيل، والرئيس عون لم يسّهلا حتى اليوم تشكيل هذه الحكومة، وهما يضعان شروطاً يراها الرئيس المكلف، سعد الحريري، ومعه طيف واسع من اللبنانيين ومن القوى السياسية اللبنانية، شروطاً تعجيزية، خاصة لناحية الاستئثار بالثلث المعطّل في مجلس الوزراء.

وهذا ما أزعج البطريرك الراعي الذي قام بمسعى على خط وصل العلاقة والحوار بين رئيس الجمهورية، ميشال عون، ورئيس الحكومة المكلف، سعد الحريري، دون أن يثمر هذا المسعى بفعل تعنّت باسيل.

هناك في الوسط المسيحي من بدأ يفكّر في صيغ جديدة للبنان في ظل ما يعتبره قسم كبير من المسيحيين مصادرة القرار اللبناني واستخدامه في صراعات المنطقة، وقد برز ذلك جيّداً في المرحلة

الأخيرة في ضوء بعض تصاريح ومواقف قادة إيرانيين تجاه لبنان، ولذلك بدأ بعضهم يطرح مسألة اعتماد النظام الفيدرالي في بلد لا تزيد مساحته عن عشرة آلاف كيلومتر مربع إلا قليلاً.

لقد عبّرت أزمة تشكيل الحكومة أفضل تعبير عن عمق الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان، وجرى البحث في بعض اللقاءات عن أسباب هذه الأزمة، وراحت التفسيرات إلى الحديث تارة عن أزمة كيان، وتارة عن أزمة نظام سياسي، وتارة عن أزمة طبقة سياسية مأزومة لا همّ لها سوى مكاسبها الخاصة، وتارة عن محاولات جرّ أو خطف لبنان إلى “صراعات المحاور”، إلى غير ذلك، لكن الانطباع الغالب عند أغلب اللبنانيين أنّها ليست أزمة كيان، ولا أزمة نظام سياسي، إنّما هي أزمة طبقة سياسية غير مسؤولة ولا تبحث عن حلول حقيقية، لكنّ هذه الأزمة الحالية قد تتحوّل مع تصرفات ومواقف هذه الطبقة إلى أزمة نظام سياسي، أو ربما إلى أزمة كيان حقيقية إن لم يُحسن العقلاء والحكماء تدارك الأمر قبل فوات الأوان.

عربي بوست