//Put this in the section //Vbout Automation

عون “الغاضب” يرفع السقف رفضاً للحريري… هل يبقى العهد وحيداً بكسر الصيغة والتسويات؟

ابراهيم حيدر – النهار

الاستعصاء السياسي الذي يواجه #تشكيل الحكومة، كسر كل التقاليد التي ميّزت الصيغة اللبنانية. كل المساعي السابقة لتسهيل عملية التأليف أو إيجاد نقاط مشتركة بين رئيسي الجمهورية #ميشال عون والرئيس المكلف #سعد الحريري باءت بالفشل. وكل اللقاءات التي عقدت بين الرئيسين منذ تكليف الحريري والتي كان آخرها اللقاء الشهير في 23 كانون الأول الماضي لم تفض إلى نتيجة، علماً أن الحريري قدم في ذلك اللقاء مسودة تشكيلة من 18 وزيراً رفضها عون ورحّلها الى أجل غير مسمى، لتنفجر بعدها الامور بكلام رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ضد الحريري، ثم في الفيديو الشهير الذي وصف فيه عون، الحريري بـ”الكاذب” وفق ما تظهره مقاطع خلال اللقاء بين عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب.




لم يجر أي اتصال بين عون والحريري منذ أكثر من 25 يوماً. لا مساعي لإصلاح العلاقة بين الرئيسين، وكأن الجميع ينتظر تطورات خارجية تنعكس على الوضع الداخلي، أو ربما راعٍ إقليمي يأخذ أمور البلد في اتجاه معين، بعدما سقطت مبادرة الراعي الدولي، اي المبادرة الفرنسية في وحول التركيبة اللبنانية واستعصاءاتها، إلى حد أن الفرنسيين لم يعودوا مهتمين بالضغط أو التحذير من فرض عقوبات بعدما يئسوا من الوضع الصعب والمستحيل وإمكان إخراج البلد من أزمته. وعلى هذا تستمر الرسائل الدولية للمسؤولين اللبنانيين من أن لا أحد يستطيع مساعدة لبنان ما لم يساعد نفسه، خصوصاً وأن المشكلات العالمية جراء وباء كورونا كبيرة والأعباء مضاعفة.

وإذا كان الحريري يركز الآن على جولاته الخارجية، فإنه قرر أن يستمر في مهماته كرئيس مكلف، وهو وفق مقربين لن يعتذر، فيما ميشال عون يواصل فرض شروطه، وهو أوحى لأكثر من شخصية أنه يفضل إسماً آخر غير الحريري لرئاسة الحكومة، وفق ما يقول مصدر سياسي متابع، ما يعني أن لا تسوية قريبة للشأن الحكومي حتى لو بُذلت مساعي جديدة لتقريب وجهات النظر، طالما أن المشكلة ليست فقط حكومية لناحية الحقائب والأسماء والثلث المعطل والقرار، بل تتعلق بالنظام وبتركيبته وبالرهانات الخارجية القاتلة.

لا حكومة في الامد القريب ولا اعتذار من الحريري، ولا جبهة في مواجهة عون. يقول المصدر السياسي أن الجمود سيلف البلد الى أجل غير مسمى، في الوقت الذي يأخذ الانهيار كل شيء. وفي هذا المسار يخسر لبنان كل تاريخه، إذ تثبت الوقائع أنه لم يمر على البلد مرحلة سيئة كالتي يشهدها اليوم في ظل العهد الرافض لأي تسويات من موقعه كمرجعية للدولة. الخطر الحقيقي أن الصيغة اللبنانية المعروفة والقائمة على التسويات انكسرت نهائياً في ظل العهد، كما انكسرت معها التسوية التي جاءت بالرئيس ميشال عون رئيساً للجمهورية. وهذا الانكسار فتح مرحلة جديدة في البلد تقوم على تجاوز الصيغة والتركيبة بالامر الواقع، ففي كل المراحل التي عاشها لبنان، كانت التسويات تحل المشكلات وإن كانت الوصايات الخارجية تتدخل لترتيبها، حتى تحت الوصاية السورية لم تكن الامور تصل الى حد الانفجار كما اليوم، على الرغم من الانهيار والاخطار الكبيرة التي يمر بها البلد. هذا يعني أن ركناً أساسياً من الصيغة ضرب في العمق. أما المرجعية التي تستطيع أن تطلق مبادرات تسووية فهي رئاسة الجمهورية إذا تصرفت كمرجع وحكم بين اللبنانيين وليس طرفاً سياسياً تريد حصة للتحكم بالقرار، وهو ما يحصل اليوم، أو حتى منذ وصول الرئيس ميشال عون إلى قصر بعبدا. تغيرت الصيغة التي تحكم لبنان منذ ذلك الوقت. فرض انتخاب عون رئيساً تقاليد جديدة، إذ انه كان مرشحاً وحيداً بفعل الامر الواقع، حين تم تجميد البلد وإحداث الفراغ لمدة سنتين بين 2014 و2016 لمجيء عون إلى سدة الحكم، يقول المصدر السياسي المتابع، ويضيف أن الجانب الثاني الذي غير الصيغة هو التحالف الذي قام بين التيار الوطني الحر و”حزب الله” إذ أمن تغطيات لممارسات من خارج الدولة، ومنح الحزب مزيداً من فائض القوة ليتحرك في الداخل اللبناني ويفرض قراراته التي بدأت تُترجم على الأرض وفي المسار السياسي العام منذ 2008. وإذا لم يستطع الحزب مثلاً التحكم بقرار معين، إلا أنه يستطيع منع اي مؤسسة أن تمارس استقلاليتها ما لم تكن تحت نفوذه، فيما عمل على اختراق البيئات الطائفية، على الرغم من أنه يعيش معها اليوم ازمة ثقة. وقد وصلت الامور في البلد إلى انتهاء عهد التسويات، وهذا ما يحصل، مرة بالانقلاب على الدستور، ومرة أخرى بتهديد فائض القوة، وثالثة بفرض حكومات تتماهى مع سياسات الممانعة، متل حكومة حسان دياب.

التعقيدات السياسية وأزمة النظام واستعصاء التشكيل الحكومي، عناوين تعبر بوضوح عن سقوط الدولة، وتحكّم طرف سياسي بشؤونها، وفق المصدر السياسي، وتدل أيضاً على انسداد الأفق مع استمرار الصراع الطائفي والسياسي، وعدم قدرة النظام على الاستمرار ولا قدرته على الإجابة عن أسئلة المستقبل. بهذا المعنى أزمة التشكيل تعكس عمق أزمة النظام ونسف الصيغة وسقوط منطق التسويات. وعلى هذا لا يقتصر خلاف عون على الحريري وحده إنما يشمل أيضاً رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يصر على استمرار الحريري في مهمته، فيما يسعى رئيس الجمهورية إلى دفع “حزب الله” لاتخاذ موقف علني إلى جانبه، وهو يعرف أنه لن يكسر تحالفه معه ولا هزيمته في المعادلة الحكومية.

الوضع في لبنان وصل إلى مرحلة تهشّمت فيها مؤسسات الدولة. البلد كله في حالة تعطيل، والانهيار يعصف بالاقتصاد والمال، والانقسامات على أشدها، ولا يزال موقع الرئاسة الأولى يرفض السير في تسوية تفتح الطريق لتشكيل الحكومة ووضع البلد على سكة الاصلاحات.

بات واضحاً، أن لا حكومة في المدى القريب. يجزم المصدر السياسي أن عون لا يريد الحريري رئيساً للحكومة في هذه المرحلة، ويعتبر معركته مصيرية لعهده، فإذا لم يكن القرار فيها حاسماً لتياره ولما حصّله خلال الحكومات السابقة من مراكمة صلاحيات وتكريس أعراف وتقاليد بتدخل رئيس الجمهورية في كل الامور في مجلس الوزراء لمصلحة أطراف حليفة، فإنه سيخسر رصيده في الحكم. أما ما سرّب عن تحرك لـ”حزب الله” لإيجاد مخرج لأزمة التشكيل، فلن يقدم أو يؤخر برأي المصدر، فهو سيهب لدعم موقف حليفه الإستراتيجي رئيس الجمهورية، إذا شعر أن هناك جبهة تتشكل لمواجهته، وسيخوض معركة الدفاع عنه.

البلد في حالة يرثى لها سياسياً واقتصادياً وصحياً، وقد لا يبقى أمام اللبنانيين إلا الصلاة لإنقاذهم من الموت!