دكتور ميكي: ليت الموت خدعة

عماد موسى – نداء الوطن

قبل ربع قرن أو أكثر، زرتُ “الساحر ميكي” في بيته، في أحد أحياء السبتيه على ما أعتقد. لم أعد أذكر تماماً أين يقع منزله المتواضع. لكن ما اتذكره أنه أشركني بلعبة، لحظة اكتشف ولعي بألعاب الخفة. أعطاني ورق لعب ( ورق شدّة). قال لي تفحّص الأوراق جيداً واختر ورقة واحفظها في ذهنك. إخترت ورقة. طلب إلي أن أحضر كرسياً وأسند مجموعة الأوراق إلى ظهر الكرسي. ففعلت. ومن مسافة مترين، وقف وصفّق بيديه على مهل ومع كل “زقفة” كانت تعلو الورقة وترتفع قليلاً حتى بانت أمامي. كانت نفسها التي انتقيتها من بين الأوراق الإثنتين والخمسين. وقفت مذهولاً. إبتسم الساحر لذهولي ولفتني إلى أنه ليس ساحراً بل لاعب خفة.




سألته عن الحمائم البيض والأرانب التي يستعملها في عروضه، فقادني إلى الشرفة حيث وجدت أقفاصها “مشقوعة” في إحدى زواياها، فتأملتها فرحاً بمرآها. يومها أخبرني شيئاً من سيرته وأنه كان يعد نفسه ليكون كاهناً، لكن أساتذته في المدرسة لم يروا في الولد الموهوب سوى “الشيطنة” فطرد لينمي مواهبه.

سألته في ذاك اليوم البعيد عن الذائع الصيت الأميركي “ديفيد كوبرفيلد” وما يقوم به من عروض لا تُصدّق. إبتسم وقال: أعطني إمكانات تقنية أفعل أكثر منه. ليس في الأمر خوارق وسحر وما شابه. إننا نمارس الخدع البصرية بمهارة.

فعلاً كان الدكتور ميكي ماهراً برسم الدهشة في عيون الصغار، وفي “بلفنا” نحن الكبار بألاعيب اكتشفناها متأخرين في برامج أجنبية متخصصة بفضح خدع ألعاب الخفة، وأكثرها شيوعاً تقطيع جسم حسناء بمناشير وإعادة لحمه، لتخرج من علبة الموت، ومن شفار المقصلة، غير منقوص منها خصلة شعر. نجح “الدكتور ميكي” في مهنته ومن أولاده الأربعة وحدها كريستينا رافقته كمساعدة له قبل أن تلمع منفردة في ميدان والدها وريثة شرعية.

فؤاد غزال ملكي؟ تأخرتُ ربع قرن أو أكثر لأعرف الاسم الحقيقي للدكتور ميكي. عرفت من نعي محبيه على صفحات التواصل الإجتماعي ومن نعي نقابة ممثلي المسرح والتلفزيون. صفحة جميلة من ذاكرتنا انتزعها هذا الخبيث الذي يعد أنفاسنا وقد يتسلل إلى العشّاق متخفيّاً بقبلة.

موت “الساحر ميكي”، بمضاعفات جائحة كورونا أو بخبث واحدة من أفراد سلالتها، كما موت أسماء مولّدة للدهشة، يضيف إلى النفق الذي حُشرنا فيه منذ سنة مسافات عتمة لا تضيئها حتى الصلوات.