كلمات سمير جعجع في عميق نفوسنا

قاسم يوسف – أساس ميديا

في زمن الاضمحلال والتسطيح وكيّ الوعي. في غمرة الانهماك الجماعي بتأمين أبسط مقومات الحياة الكريمة على أبواب الانهيار الرهيب. وفي خضّم القلق المتعاظم والخوف المستجد من جائحة باتت تزرع الموت أينما حطت بها الرحال. في موازة هذا كله، يطل الأمين العام لحزب الله ليعيد على مسامعنا كل رواياته الوهمية عن توازن الرعب، وعن قدرة السلاح، وعن فعالية المقاومة في إرساء المعادلات وفي حماية البلد وفي تأمين سلامة النفط والغاز، غير آبه بكل المستجدات الكارثية، والتي قد تبدأ بارتياح الكثرة الكاثرة من دول المحيط لعلاقة الضرورة مع اسرائيل في مواجهة التغول الإيراني والاستباحة المطلقة للجغرافيا والخرائط والمجتمعات، ولا تنتهي بالتوصيف السريع لحجم الفوارق الهائلة بين اسرائيل التي صارت في طليعة دول المنطقة والعالم على المستويات كافة، وبين لبنان الذي لامس القعر السحيق، بعد أن فقد الكثير من مقومات تألقه وجاذبيته واستمراره، واستحال واحدًا من أكثر الدول فشلاً وعبثية على مستوى العالم، بل وحجز موقعه المتقدم في قائمة أكثر الشعوب تعاسة على الإطلاق، بحسب آحدث تقارير مؤسسة غالوب العالمية.




لكنّ الأمين العام غير معني بكل هذه الحقائق والفواجع. ماذا يعني مثلاً أن ينهار نظامنا المصرفي بعد ما يزيد عن مائة عام من التميّز والنجاح؟ ماذا يعني أن ينهار الدولار على نحو دراماتيكي بعد ثلاثة عقود من استقرار سعر الصرف؟ ماذا يعني أن يعيش الشعب اللبناني برمته ضائقة اقتصادية ومعيشية لم يعرفها حتى في سنيّه العجاف؟ ماذا يعني أن يشتبك اللبناني مع كل محيطه وأن يستحيل خنجرًا مزروعًا في خاصرتهم بعد أن كان متنفسهم وضالتهم وبوصلتهم المستدامة نحو الحرية والتنوّع والفرادة؟

لا شيء من كلّ هذا وأكثر. ما يعني الأمين العام وحزبه ومشروعه لا يتجاوز الارتصاف الناجز في المحور الذي ينتمون إليه. بحيث نصير منصة عبثية لإيران على ضفاف المتوسط. تهدد العالم بنا، وبصواريخنا العشوائية والدقيقة، وبشابنا الذين ذُبحوا كالنعاج في مشاريع الاحتلال والسيطرة على عواصم العرب وحواضرهم، من تخوم دمشق إلى عتبة باب المندب، ونحن إذ نبحث عن مبرر منطقي لهذا السلوك المجنون، فلا نجد، إلا ما قاله الأمين العام عن مفخرته العظمى كواحد من جنود ولاية الفقيه.

كان لا بدّ لكلّ هذا الضجيج والتزوير والتحوير أن يُقابل بموقف وطني حازم. يقول اللبنانيون عبره لكلّ المتوهّمين والمجانين وشذّاذ الآفاق: إنه لبنان يا عزيزي. لبنان الذي اختبر كل شيء، ثم عاد في نهاية المطاف إلى حيث يجب أن يكون. لا أحد يستطيع، ولو استطاع، أن يحبسه ويحبس ناسه في زجاجة. قد يجتاحه الظلام هُنيهة، لكنه لا يعيش إلا في النور، ولا يستقيم إلا في تميّزه وتألقه وفرادته. لقد بُني بمشقة كبرى ليكون جرمًا في مدار الحضارات، لا حلقة مفرغة في متاهات الذات الدائرية، ولا بد أن هناك من سيظل يدافع ضد ذوبانه أو ضياعه بين الأقدام، فلقد أمضى قرونًا يُقدّم عقولاً لا أقدامًا، على ما يقول سمير عطاالله في واحد من أجمل نصوصه على الإطلاق.

واحدٌ من أؤلئك الذين انتفضوا للدفاع والتوثب كان سمير جعجع، في كلام يستحق أن يُحفر حفرًا في مقدمة “الوطنية”، وهو إذ أراد أن يرد عبره على استشاطة أمين عام حزب الله، أراد أيضًا أن يُذكرنا جميعًا، وأن يُذكر نفسه، بأن الهزيمة ليست قدرًا، وأن قدرتنا على المقاومة وعلى الرفض، تكاد تفوق كل إصرارهم على إرساء أمر واقع.

“نحن لا نريد منك أن تحافظ على لبنان ولا أن تحمي حقوقه”، يقول سمير جعجع ونحن معه قطعًا، “جلّ ما نريده منك هو عدم التعدّي على لبنان واللبنانيين، إذ لم يسبق أن انتُهِكت سيادة لبنان كما هي مُنتهكة اليوم، ولم يسبق أن ذُل الشعب اللبناني كما هو مذلول اليوم، ولم يسبق أن شهد البلد انهيارًا كما هي الحال اليوم، ولم يسبق أن خسر لبنان صداقاته العربية والغربية كما هو حاصل اليوم، ولم يسبق أن تحول جواز سفر اللبناني إلى مهزلة على غرار ما هو عليه اليوم، وذلك كلّه بسبب مقاومتك”.

يقول السيد حسن: إذا كان لبنان قوي وإن كان أحد يسأل عنه ويشعر بوجوده في الكرة الأرضية، فذلك بفضل المقاومة ونقطة على السطر. “أرأيت يا سيد حسن بأنك خارج الواقع تمامًا، لأن لبنان اليوم في أتعس أيامه وأضعف أوضاعه على مر تاريخه. ويظهر أنك نسيت تاريخ لبنان الضاربة جذوره في الأعماق، فأنت لم تقرأ بالتأكيد عن فينيقيا وقرطاجة التي نقلت الحضارة إلى البرابرة، والارز المذكور في الكتاب المقدّس أكثر من 72 مرة، وبعلبك التي حملت مجد روما وبيزنطيا. فليرسل لك أهالي بعلبك الفسيفساء التي وجدوها مؤخرًا لعلك تستذكر قليلاً من تاريخ لبنان، وتتأكد من وجوده الراسخ في التاريخ قبل حزب الله، وطبعًا المستمر بعده”.

“هل تذكر جبيل مدينة الحرف، هل تعلم أنها التي صدّرت الأبجدية إلى العالم؟ أولم تسمع بيوحنا مارون ذلك القائد الذي رفض الخضوع وصار رمزًا للكيانية اللبنانية وبعده سلالة من البطاركة. أتعرف أن كتاب النبي لجبران خليل جبران هو ثاني كتاب مطبوع ومترجم وموزع في العالم بعد الكتاب المقدس؟ جبران الذي ترجمت مؤلفاته الى عشرات اللغات وتعرّف العالم على لبنان من خلاله. هل سمعت بابن بطرّام شارل مالك الذي ساهم في صياغة الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، وتحديدًا المادّة 18 منها التي تصون حريّة الدين والضمير والمعتقد، فالبشرية تعرف لبنان منذ قدم الزمان بفعل كل هؤلاء وليس بفعل صواريخك”.

“أتذكر عندما أتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارته الثانية إلى لبنان، لم يزر هذه الصواريخ الايرانية، بل زار منزل الفنانة فيروز. لا يا سيد حسن، لقد ارتكبت ليس مجرد خطأ بل خطيئة بحق لبنان وشعبه وتاريخه، وإذا كان العالم يتداول باسم لبنان اليوم، فهو يتداول به إما كدولة فاشلة، أو كبؤرة توتر دائمة وبيئة حاضنة للإرهاب، فيما كان يتداوله سابقاً كسويسرا الشرق”.

لنسجّل هذه الكلمات في عميق ذواتنا، ولنتذكر، أبدًا ما بقينا وبقي الليل والنهار، أننا سننتصر وسيهزمون. هكذا علمنّا التاريخ. وهذا ما سنشهده جميعًا، مهما ليّل هذا الليل أو استدام.