تهافتٌ على شراء أجهزة التنفس وقياس نسبة الأوكسيجين… الهلع “المَرضي” لدى اللبنانيين يُفاقم الأزمة ويعقّدها

سلوى بعلبكي – النهار

اعتاد اللبناني في العقود الاربعة الاخيرة، وتحديدا بعد سقوط الدولة وتقاعس مؤسساتها عن تأمين الحدود الدنيا من واجباتها للمواطن، اجتراح الحلول لمشكلاته وحاجاته من دون الاتكال عليها، فابتدع كهرباءه الخاصة وأمانه المائي الخاص وأنشأ شبكات اتصالات خاصة لاسيما أثناء الحرب، واتكأ على الاستشفاء الخاص والتعليم الخاص مرسياً ثقافة “ما حك جلدك متل ظفرك”. هذا السلوك ازداد وضوحا منذ بداية جائحة “كورونا” والتخبط الرسمي في التعامل معها، فلم يبدل بعض اللبنانيين السلوك “الاناني” بتعاملهم مع تبعات الجائحة، فتهافتوا على تخزين الادوية الضرورية والفيتامينات و#أجهزة التنفس وآلات قياس نسبة الاوكسيجين تحت مبرر خوفين: الخوف من فقدانها من الاسواق بسبب الاحتكار والتهريب، والخوف من ارتفاع اسعارها اذا ما رُفع الدعم عن المستلزمات الطبية والادوية. كل هذه الازمات المتلاحقة بما فيها معالجة ملف “كورونا” تشي بأن الثقة المفقودة بين المواطن والدولة مردها الى التجارب المريرة التي مر بها اللبناني. فالصدقية عند المسؤولين صارت شبه معدومة لدى الناس، وهم بذلك محقّون عندما يتابعون عبر الفضائيات العالمية تعامل الدول الاخرى مع مواطنيها خلال الجائحة والتنظيم الدقيق والقرارات الإستباقية التي اتُّخذت، كما يحزّ في نفوسهم أن بعض الدول، وفي مقدمها الكيان الاسرائيلي، باشرت، وتكاد تنتهي من تلقيح مواطنيها، فيما اكتشف المعنيون في لبنان أن لا قانون لدينا يجيز الاستخدام الطارئ والموقت للقاحات أو العلاجات على غرار جميع الدول المتقدمة.




أمام هذا الواقع، وفيما سيعقد مجلس النواب جلسة استثنائية غدا الجمعة لاقرار هذا القانون ونشره في الجريدة الرسمية ومن ثم توقيع العقد مع شركات انتاج اللقاحات العالمية، لم يكن مستغربا أن يهرع الكثير من اللبنانيين الى اقتناء أجهزة التنفس والأوكسيجين وتركها في منازلهم هلعاً مما قد تحمله لهم الايام المقبلة من مفاجآت غير سارة، أو خوفاً من فقدانها وتاليا عدم القدرة على تأمينها في حال أصابتهم عدوى “كوفيد 91″. فمع زيادة عدد الاصابات وخطورة بعضها وعدم توافر اسرّة العناية الفائقة في المستشفيات، يبدو جهاز الأوكسيجين المنزلي Oxygen concentrator الحل البديل، وخصوصا في حال بدأت نسبة الأوكسيجين في دم المصاب بالانخفاض. من هنا يبدو الاقبال الكبير على شراء هذه الاجهزة مبررا، وإن كان هذا التهافت أدى الى فقدانها من الأسواق التي لم تكن مهيأة لهذا الحجم من الطلب، خصوصا ان أن الشركات كانت تؤجرها للأشخاص الذين يعانون من ضيق التنفس. وقد وضعت نقابة مستوردي المستلزمات الطبية لائحة بأسماء الشركات المخولة استيراد آلات الأوكسيجين وذلك بغية تسهيل تأمين هذه الاجهزة لمحتاجيها مع ضرورة ابراز فحص rcp الايجابي. وتؤكد نقيبة مستوردي المستلزمات الطبية سلمى عاصي لـ”النهار” أن “#الهلع والخوف من الاسوأ اديا الى تزايد الطلب على هذه الأجهزة، بدليل أن 07% من الطلبات للاستهلاك المنزلي كانت لضرورات الاحتياط وليس بداعي الحاجة اليها بما أدى الى فقدانها من السوق وحرمانها للمريض الذي يحتاجها فعلا. وما ساهم في ارتفاع الطلب على هذه الاجهزة، هي ان اسعارها تراوح ما بين 007 و0041 دولار (السعر غير مدعوم) وهي متوافرة لدى شركات معروفة. إلا ان ثمة شركات غير معروفة تبيع “أونلاين” ويتلاعبون بالسوق السوداء، وهذه الشركات لا يمكن التعويل عليها ولا يمكن النقابة تغطيتها”، داعية الى “التأكد من مصدر الأجهزة والماكينات وأسماء الوكلاء قبل شرائها، إذ ثمة أجهزة في السوق تصدر الهواء وليس الأوكسيجين”.

وإذ أكدت عاصي وصول كمية من الأجهزة والمعدات الطبية إلى لبنان، تمنت على المعنيين تسهيل دخولها عبر المرافق كي يتسنى تسليمها بالسرعة اللازمة، موضحة في مجال آخر “ان فواتير الاجهزة التي دفعها مصرف لبنان نسلمها على سعر الدعم، اما الاجهزة والمستلزمات التي لم تدفع فواتيرها حتى الآن، فإننا نخزنها في المستودعات في انتظار قرار مصرف لبنان بتسديدها”.

التهافت على جهاز “اوكسيميتر” ايضا!
لا يقتصر التهافت على جهاز الأوكسيجين المنزلي Oxygen concentrator، بل تعداه الى جهاز “الاوكسيميتر” Oximeter، إلا أن هذا التهافت لم يؤدِّ إلى انقطاعه بشكل كلي، فهو متوافر… إلا في بعض الصيدليات. ولكن ثمة لائحة وضعتها النقابة للشركات التي تتوافر فيها هذه الاجهزة لتأمين المحتاجين اليها. وهناك نوعيات كثيرة، وفق ما تشرح عاصي، إذ ثمة انتاج صيني وآخر أميركي أو أوروبي وتتفاوت نوعيتها بين الجيد وغير الجيد ككل انواع البضائع الموجودة في السوق اللبنانية المفتوحة على كل الدول، وسعرها يراوح ما بين 001 ألف ليرة (انتاج صيني) و053 ألف ليرة للانتاج الاوروبي وخصوصا الالماني منها.

VENTILATOR صناعة محلية؟
لا تقتصر انواع أجهزة التنفس (VENTILATOR في المستشفيات على نوع واحد وإن كانت متشابهة في فعاليتها. وهذه الأجهزة تساعد المريض على التنفس عبر تأمين الأوكسيجين، علما ان ما نسبته 5.2% من الحالات تحتاجها لمدة أسبوع إلى أسبوعين.

واذا كانت الصناعة المحلية قادرة على تأمين ما تحتاجه المستشفيات من هذه الأجهزة بأسعار أقل من المستورد بنحو 57% وفق ما يقول رئيس شركة Phoenix Machine النائب المستقيل نعمة افرام، إلا أن الدولة حتى اليوم لم تبادر الى تسجيل طلبات لتحضير تصنيعها محليا. وقال لـ”النهار” إنه استبق حصول الازمة و”استوردت مواد اولية مكنتني من تصنيع نحو 04 جهاز تنفس اصطناعيا (VENTILATOR)، تم بيعها لبعض المستشفيات غير الحكومية ومؤسسات OGN، ويمكنني خلال اسبوع تصنيع نحو 05 جهازا اضافيا. أما في حال طُلب مني أكثر فإن الامر يستلزم أكثر من 3 أسابيع”.

ماذا عن أجهزة التنفس والأوكسيجين التي تستخدم في المنازل؟ يوضح افرام ان هذه الأجهزة “لا تُصنع في لبنان والاتكال فقط على استيرادها، فنحن كصناعيين خضنا تحدي تصنيع اجهزة تنفس اصطناعي (VENTILATOR) المفقودة عالميا، خصوصا أن تصنيعها يتطلب تقنيات معقدة، فيما اجهزة الأوكسيجين التي تستخدم في المنازل لا تتطلب هذه التعقيدات وهي متوافرة عالميا”.

ويوضح أن “سعر ماكينة الاوكسيجين التي تستخدم في المنزل يصل الى1000 دولار كونها تستورد حاليا عبر الجو، علما أن سعرها كان يصل إلى 006 دولار”. ولكن السؤال: بما ان تصنيع هذه الآلات غير معقد، لماذا لا يبادر الصناعيون الى البدء بتصنيعها؟ يؤكد افرام أن “الوقت لا يساعدنا، خصوصا اننا في حاجة الى مواد اولية من الخارج، لذا الافضل أن نستوردها لان كلفة تصنيعها ستكون موازية تقريبا لسعر المستورد”.

استبدال الـ Oximeter بالتطبيقات على الهواتف؟
من المعروف أن ضيق التنفس الحاد وانخفاض نسبة الأوكسيجين في دم المصابين بفيروس “كورونا” (مستوى أوكسيجين الدم لدى غالبية الناس يراوح ما بين 59 – 001%) هو أحد العلامات الخطيرة للوباء وقد تعني وصول المريض إلى المراحل الأخيرة من المرض.

ويمكن جهاز Oximeter أن يقيس نسبة الاوكسيجين لدى المصابين، وفي حال تعذر الحصول على الجهاز، يمكن استبداله بتطبيقات على الهواتف الذكية تكون أصلا موجودة فيها.

ولكن هذه التطبيقات وفق ما تؤكد مصادر طبية “ليست دقيقة ولا يمكن الاعتماد عليها”، فيما تؤكد عاصي أن هذا التطبيق ليس فعالا على الهواتف كونه يمكّن من قياس نبضات القلب فقط وليس قياس نسبة الأوكسيجين في الجسم.