الطلعات الإسرائيلية الجويّة فوق لبنان… استعداد للحرب أو استعراض؟

اسكندر خشاشو – النهار

تزايدت وتيرة تحليق الطائرات الحربية الإسرائيلية على ارتفاع منخفض فوق العاصمة اللبنانية ومناطق لبنانية عدة خلال الأسبوعين الماضيين، ما تسبب في زيادة المخاوف لدى اللبنانيين الذين يعيشون أصلاً حالة خوف من الدمار الاقتصادي بعد الأزمة الاقتصادية التي تعصف بهم منذ أكثر من سنة وانفجار المرفأ الذي استكمل نحر المجتمع اللبناني، وخصوصاً أن ما يجري ترافق مع تصاعد التوترات في المنطقة في الأيام الأخيرة لإدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب.




يقرأ مقربون من “#حزب الله” في هذه الطلعات، حركةً استعراضية نافرة إذ لا داعي للاقتراب بهذا الشكل إذا كان الهدف حربياً، فهذه الطائرات بإمكانها قصف أي هدف على بعد مئات الكيلومترات، إلاّ أنهم لا ينفون البعد العسكري لهذه الطلعات للقيام بمهمات استخباراتية ورصد عسكري، بالرغم من أن طائرات ال#استطلاع هي التي تقوم بهذه المهمات.

رسالة الى المسيحيين؟

وبحسب المقربين أيضاً، بدا لافتاً تكثيف الطيران الحربي طلعاته فوق المناطق المسيحية بالذات خصوصاً فوق مناطق جبل لبنان بالتحديد وما مشاركة الـ”اف 16″ والـ “اف 15” إلا رسائل سياسية ضد “حزب الله” وتأليب الرأي العام ضده، وخصوصاً المسيحيين، حيث جزء منه حليفه.

أما في السياسة والاطار العام، هناك حالة من “التوثب” ال#اسرائيلي خصوصاً في الأيام الاخيرة لانتهاء ولاية ترامب، وإرسال إشارات إلى الداخل الاسرائيلي والخارج أن الجيش مستعد للقيام بهجومات محددة.

وهناك من يرى أن اسرائيل بدأت تتّبع استراتيجية تشبه استراتيجية “الإشغال” التي يمارسها “حزب الله”، وهو ما بدا واضحاً عبر الضربات على سوريا، وخلق استنفار دائم في لبنان عبر غاراته الوهمية، وبهذا تحاول أيضاً تحريك الساحة اللبنانية عبر معايير معينة غير الإشغال العسكري، وهي فرض الترهيب على البيئة اللبنانية المضغوطة أساساً جرّاء الوضع الاقتصادي والصحي والمالي، وتعتبر أن التهويل بالحرب سيشكل عاملاً إضافياً ضاغطاً جداً على “حزب الله” وخصوصاً أن الاصوات التي تحمّله مسؤولية الازمة والحصار بدأت تعلو، مؤكدين أن هناك مساهمة اسرائيلية جدية تلاقي بعض الخطاب السياسي في لبنان، إن كان خطاباً سياسياً عادياً وعفوياً أو خطاباً مدفوعاً من اجهزة معينة.

توهين حزب الله”

لا أحد ينكر أن هناك جوّاً في البلد بدأ منذ إطلاق العميل الفاخوري، يطالب الحزب بالرد أو بإسقاط الطائرة الاميركية التي حملته، وهذا الجو برز من خصوم “حزب الله” وكأن الهدف منه “توهين” الحزب وإظهاره متردداً بالقرار العسكري أو بالرد العسكري، وكأن هناك محاولة لضرب ما حققه الحزب من فائض القوة في السنوات الماضية، وهذه الغارات هي استكمال لها، لتبيان عدم قدرة الحزب على الردّ.

ومن ضمن استعراض الاسباب لهذه الغارات والطلعات يشير المقربون إلى إمكانية ان يكون الاسرائيليون يفتشون عن حجة للبدء بالحرب من لبنان لأسباب سياسية داخلية ودولية، او الاتاحة لحزب الله بإسقاط طائرة مثلاً، او إطلاق سلاح نوعيّ عليها.

كما انه من غير المستبعد ان تكون هذه الطلعات مناورات عسكرية، فقد أجرت اسرائيل عدة مناورات في الاشهر الاخيرة، ولا أحد يمكنه إثبات او نفي هذه الفرضية.

هدف هجومي

للخبير في الشؤون الاسرائيلية، شارل ابي نادر، مقاربة تتلاقى مع الجو اللبناني المقرّب من “حزب الله” الذي يرى أن هذه الطلعات هي استكمال للخروق التي تقوم بها اسرائيل على مدى سنوات عبر طائراتها الحربية او الاستطلاعية.

وبقراءته، لا ينفي ابي نادر ان تحمل هذه الطلعات بعداً عسكرياً هجومياً، وخصوصاً انها تكثفت بشكل كبير في الايام الاخيرة، ومن غير المستبعد ان يكون الهدف منها تحديث بنك الأهداف الاسرائيلي، او إنشاء بنك أهداف تحضيراً لحرب مقبلة، من دون ان يغيب عن باله قضية اسلحة “حزب الله” الدقيقة وصواريخه النوعية التي تشغل بال إسرائيل منذ مدة طويلة وهي بحالة استنفار دائم لكشفها وكشف مدى فاعليتها. وإلى البعد العسكري- الحربي يضيف ابي نادر عدة عوامل سياسية مؤثرة بشكل كبير على التحركات الاسرائيلية في الأجواء اللبنانية.

أولها: الاشتباك الاميركي ـ الايراني، وتصاعد الحديث عن ضربة اميركية لإيران او لأحد بلدان محور المقاومة قبل انتهاء ولاية الرئيس الاميركي دونالد ترامب، ما يجعل اسرائيل معنية بالأمر، وهو ما تحاول مواكبته.

ثانيها: الذكرى السنوية لمقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، والقلق من عمليات انتقامية ورسائل توجه إلى الولايات المتحدة عبر اسرائيل، ما دفعها في الاشهر القليلة السابقة إلى رفع جهوزيتها العسكرية وتكثيف طلعاتها فوق لبنان.

ثالثها: الرد المفتوح المرتقب الذي هدد به “حزب الله” انتقاماً لمقتل احد مقاتليه في سوريا والذي يذكّر به دائماً الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله، ما يجعلها بحالة تأهب بشكل دائم.

الدولة واليونيفل

إضافة إلى هذه النقاط، هناك سبب اساسي ايضاً وهو ضعف وتقصير وحتى عجز الطرفين المعنيين لضبط هذه التحركات وهما الدولة اللبنانية واليونيفيل.
برأي ابي نادر، إن اليونيفيل أثبتت خلال مدة تواجدها عن تقصير كبير تجاه هذا الامر ولم تتحرك بجدية ولو لمرة واحدة لضبط الوضع وردع اسرائيل بشكل واضح وحاسم وجدي، وهذا يعود إلى اعتبارات سياسية تتعلق بالدول والأمم المتحدة وغيرها.

أما الدولة اللبنانية، عدا عن عدم امتلاكها قدرة الردع العسكري المباشر وخصوصاً الجوي منه، فهي تغرق في الانحلال والتفتت وفي الخلافات السياسية والأزمة الوبائية والاقتصادية، واهتماماتها في مكان آخر، وأقصى ما يمكن أن تفعله تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة، وهو ما قامت به بالأمس عبر طلب رئيس الجمهورية من وزير الخارجية تقديم شكوى.