رحلة تعويم سعر الصرف شاقة وطويلة: الاصلاحات وتدفّق الاموال أولاً!

سلوى بعلبكي – النهار

منذ سنة تقريبا ولغاية اليوم، يرنو اللبنانيون الى رقمين يؤرقان حياتهم ويحددان معظم سلوكهم الاجتماعي والاقتصادي. الرقم الأول هو العدد اليومي للمصابين بكورونا، والثاني #سعر صرف الدولار. الهم الاول قد ينتهي حتما بعد بضعة شهور او على الاكثر سنة مع اعتماد اللقاح، اما عداد سعر صرف الدولار فهو معضلة حقيقية كبيرة تاريخية في لبنان وفي معظم الدول النامية وغير الصناعية.




عاش لبنان منذ بداية التسعينات حتى نهاية 2019 في استقرار نقدي سببه قرار سياسي متخذ منذ مجيء الرئيس رفيق الحريري الى الحكم، بتثبيت سعر صرف الدولار على الـ 1500 ليرة، ولكن بعدما وصل الانهيار الاقتصادي الى ذروته بسبب تعثر الدولة وفقدان السيولة وضمور احتياطات #مصرف لبنان، جاء تصريح الحاكم رياض سلامة حول تعويم #سعر الصرف ليقلب الامور رأسا على عقب. وبمعزل عن الانتقاد او التأييد، فإن خطورة هذا الطرح او ايجابياته مرهونة بعاملين: عامل الاصلاح الضروري على المستويات السياسية والمالية التي تبدأ بتشكيل حكومة جديدة قادرة على اتخاذ خطوات جريئة على الصعد الاصلاحية كافة بدءا بإعادة هيكلة القطاع العام ومالية الدولة وسن قوانين جديدة للقطاع المصرفي وتصغير حجمه ودعم القطاعات الإنتاجية. أما العامل الثاني فهو اعادة بناء الثقة والصداقة بين لبنان والدول الصديقة والشقيقة والمؤسسات الدولية لإقناعها بضخ استثمارات جديدة ومده بالمساعدات المالية واعادة بناء الجسور مع الجناح اللبناني المغترب لاقناعه ايضا بعدم التخلي عن ايمانه بقدرة لبنان على النهوض مجددا.

وتتجلى الايجابية والمردود الاقتصادي لتعويم سعر الصرف أولا بوقف استنزاف احتياط مصرف لبنان من العملات الاجنبية وحماية ما تبقى من ودائع اللبنانيين البالغة نحو 17 مليار دولار في مصرف لبنان، ووقف تعدد الاسعار بين السعر الرسمي والمنصة والسوق السوداء، اضافة الى توقف تهريب المواد الغذائية المدعومة والادوية والمشتقات النفطية بما يعادل تقريبا 30%، والتي تشكل عبئا كبيرا على الاقتصاد اللبناني لأنها جميعها مستوردة وبالدولار الاميركي.

وتجزم مصادر مصرفية رفيعة بأنه “لا يمكن تحرير سعر الصرف من دون اصلاحات وتدفق الأموال الداعمة من الخارج، خصوصا في ظل تراجع احتياطات مصرف لبنان”. وإذ تؤيد طرح تعويم سعر الصرف، تضيف: “كان يفترض منذ بدء الازمة في تشرين 2019 أن يقر الكابيتال كونترول، وهو ما كانت تطالب به جمعية المصارف منذ بدء الازمة. ولكن للأسف لم يكن هناك مسؤولية، علما أن كل الدول التي مرت بأزمات مشابهة عمدت الى اعتماده”. وفي حين اعتبرت أن اي اصلاح أصبح مكلفا أكثر، رأت أن الوضع “ينحو الى الاسوأ خصوصا في ظل عدم دخول الدولار الى البلاد وغياب الكابيتال كونترول، وعدم الشروع بالاصلاحات، وأمام هذا الواقع فإن التعويم مستبعد حاليا”.

وفيما أثار تصريح الحاكم عن تعويم سعر الصرف ضجة اعلامية وسياسية واقتصادية، اعتبر النائب السابق للحاكم غسان العياش ان “ردة الفعل السلبية التي نجمت عن قول حاكم مصرف لبنان بأن مرحلة سعر الصرف الثابت قد انتهت، تدل على أن الرأي العام لا يعرف بعض الأساسيات الاقتصادية”. ودعا الى “عدم الخوف والهلع لأن مصرف لبنان اصلا توقف عن التدخل في سوق القطع منذ أكثر من سنة باستثناء دعم استيراد بعض السلع، التي يفترض أنها حيوية للمواطنين. أما المتاجرة بالعملات واستيراد السلع غير المشمولة بدعم سعر الصرف فهي عمليات تجري في السوق السوداء وبأسعار عالية”.

الى ذلك، “ثمة مسألة غير صحيحة عالقة في أذهان اللبنانيين”، وفق ما يقول العياش، وهي “ان تثبيت سعر الصرف ليس من المهمات الملقاة على عاتق مصرف لبنان، وهو يساعد على حماية العملة في نطاق الإمكانات التي بحوزته. وعندما حاول المصرف المركزي شراء الوقت وحماية سعر الصرف الثابت بما يتجاوز الاحتياطات الخاصة التي يملكها بالعملات لجأ إلى ودائع القطاع المصرفي لديه، ووقعت الكارثة. فمهمة المصرف المركزي الأولى هي حماية المجتمع من التضخم، وهو يستعمل لهذه الغاية أدوات السياسة النقدية، وهي بصورة أساسية سعر الفائدة ونسب الاحتياط الإلزامي. أما حماية سعر الصرف فهي ليست من المهمات الرئيسية للسياسة النقدية ومن واجب المصرف المركزي المساعدة في لجم السوق ضمن إمكاناته. والاعتقاد بأن المصرف المركزي لديه أدوات سحرية لمنع سقوط سعر الصرف هو اعتقاد خاطىء”.

توازن سعر الصرف يفترض مبدئيا أن يكون انعكاسا للتوازن الاقتصادي وخصوصا توازن الحسابات الخارجية أي ميزان المدفوعات. لذا، يعتبر العياش ان “هذا التوازن يفترض أن تضمنه السياسات الاقتصادية للدولة وليس السياسة النقدية”.

وينتقد العياش الممارسات التي كانت تحصل في الأعوام السابقة، “اللبنانيون يعيشون فوق مستواهم عبر سعر صرف مصطنع وغير واقعي، فيما الدولة تنفق أكثر من إيراداتها وتسجّل عجزا سنويا يصل إلى 10 بالمئة من الناتج المحلي، وعندما يسقط سعر صرف الليرة تحت وطأة نتائج هذه الممارسات يتوقع الجميع أن يتدخل مصرف لبنان في السوق لمنع الانهيار”.

في كل الأحوال يرى العياش ان “دور مصرف لبنان مرهون بقدراته. ورغم انسحابه من السوق منذ نهاية 2019 واقتصار تدخله على دعم القمح والمحروقات والأدوية وبعض السلع الأخرى، فإن موجودات المصرف المركزي تستنزف بشكل كبير”. فمنذ تشرين الأول 2019 وحتى تشرين الأول الماضي، اي خلال سنة واحدة، انخفضت الموجودات النقدية لدى مصرف لبنان بأكثر من 11 مليار دولار، إذ انخفضت من نحو 31 مليار دولار إلى 19.5 مليارا. هذا في ظل امتناع المصرف المركزي عن التدخل القوي في سوق القطع، فكيف لو أن المركزي يتدخل يوميا في السوق؟ ويسأل العياش: “الى متى يستطيع المركزي أن يصمد إذا كان سيتعهد عدم تعويم الليرة، أي تدخّل المركزي في السوق لحماية سعر صرف مصطنع؟”.

إلا ان الكاتب والباحث في الشؤون الاقتصادية والسياسية الدكتور ايمن عمر يرى ان كلام الحاكم “يصب في موضوع #رفع الدعم عن السلع الأساسية وبعض المواد الغذائية، وهو بذلك يمهد الطريق أمام رفع الدعم ولكن بشكل غير مباشر، وخصوصا في ظل الحديث عن وصول احتياط مصرف لبنان الى الخطوط الحمر. وبذلك نكون أمام رفع دعم مقنّع. مثلا في حال اتخذ قرار رفع الدعم بنسبة 50% أو أكثر، فإن تحرير الصرف يحقق الهدف نفسه”.

وإذ اعتبر أن التحول من نظام سعر الصرف الثابت إلى العائم له شروطه غير المتحققة إلى الآن، وهي: تحقيق معدلات مرتفعة للناتج المحلي الإجمالي والنمو الاقتصادي، تصحيح الخلل في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، إعادة الثقة الى القطاع المصرفي بعد هيكلته، جذب الرساميل والاستثمارات الأجنبية، وأهمها نشر الوعي والانتماء الوطني لـ”لبننة الاقتصاد”، رأى عمر أن تحريره عشوائيا بهذا الشكل “ستنجم عنه تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة منها: ارتفاع الأسعار وتضخم مالي سيتجاوز الـ 400% وارتفاع كلفة السلة الغذائية، #انخفاض القدرة الشرائية للرواتب والأجور وزيادة نسبة الفقر وتخطيها معدل 60% وانخفاض استهلاك الأسر بنسبة لا تقل عن 32%، إرهاق أصحاب القروض بالدولار من خلال زيادة ما سيدفعونه بالليرة، وتعثر الكثيرين عن سداد القروض وتاليا زيادة نسبة الديون الهالكة في المصارف، انخفاض قيمة الودائع المجمدة بالليرة اللبنانية وضياع المدخرات، وانخفاض في قيمة تعويضات الصناديق الضامنة، ارتفاع فاتورة التعليم الخاص والتسرب الكبير من الجامعات والمدارس الخاصة إلى الرسمي وعودة جزء من الطلاب اللبنانيين في الخارج، والتأثير على نوعية التعليم والرأسمال البشري”.

تجربة تعويم سعر الصرف خطوة قد تخيف من اعتاد الاستقرار ولكن بكلفة باهظة، لكن التجارب الحديثة لبعض الدول التي اعتمدت تعويم سعر الصرف للخلاص من أزماتها الاقتصادية بينت أن الكلفة قد تكون اقل بكثير من استمرار دعم العملة والبقاء تحت سيف الخوف الدائم من الانهيار في أي لحظة. ففي مصر انخفض سعر الجنيه قرابة الـ 45% بعد قرار التعويم عام 2016، وفي روسيا انخفض سعر الروبل عام 2014 بنسبة 32%، وفي قازاقستان هبط سعر العملة المحلية 42% عام 2015، أما في الارجنتين واذربيجان فكانت نسبة الانخفاض 27% في 2015، وفي نيجيريا هبطت النيرة بنحو 30% عام 2016. اما في لبنان فقد انخفضت عمليا القدرة الشرائية للعملة ما بين 70 و80%، فهل يمكن التفكير ايجابيا بوقف الدعم والتعويم طبعا بعد التوافق بين الدولة وصندوق النقد ومصرف لبنان؟ وهل يمكن التحول التدريجي نحو تحرير سعر الصرف منعاً لمزيد من الانهيار؟