معركة الحريّات مستمرّة… وأساليب قمعيّة جديدة

مجد بو مجاهد – النهار

حملت الأيام الأولى من العام معها مشاهد غير مألوفة من نوعها في فصول القمع والترهيب التي تلاحق الناشطين، حيث تحوّلت الصورة من أساليب الأفلام البوليسيّة عبر الاعتداءات بالهجوم والضرب والملاحقات والترصّد، إلى أساليب أفلام الرعب التي تُرجمت بوضع رصاصة على مسّاحات الواجهة الزجاجية الأمامية لسيارة الناشط مارك ضوّ في مرأب مبنى العائلة بمنطقة خلده. وكان لا بدّ لمن اقترف هذا الفعل أن يعلم وجهة المكان التي يقصدها وحضور الجهة المعنية، لإسقاط “مغلّف” الرسالة في “بريدها”. وعندما استُخدمت “نظّارات الاستطلاع” و”العدسة المكبّرة” للبحث عن تفاصيل في الرسالة، تبيّن أنّها خالية من موقّع، إذ يؤكّد الناشط ضوّ لـ”النهار” أنّ “التحقيقات أظهرت أن الرصاصة خالية من أي بصمات، ما يدّل على إدراك الفاعل لكيفية وضعها”. تعدّدت الجهات السياسية التي سبق أن اعتدت على الناشطين في مراحل سابقة، وبقيت الجهة التي احتكمت إلى أسلوب “أشباح الرعب” هذه المرّة مجهولة.




سياسيّاً، يتبنّى ضوّ مواقف سياديّة مناوئة لمحور “الممانعة”، وهو ينتمي إلى فئة المجموعات المعروفة بـ”السياديّة” في الانتفاضة. ويقول: “لا أعتقد أن المواقف استدعت ردّة الفعل بل المسألة أبعد من ذلك، حيث دمج العمل السياسي الميداني بشكل مباشر مع القدرة على العمل مع قواعد شعبيّة، هو سبب رئيسيّ أبعد من التعبير عن الرأي ومرتبط بتحرّك ميدانيّ على الأرض قادر على اختراق النسيج الاجتماعي. وبالتأكيد أنّ النفَس السياديّ هو العامل الأساسي لوضع الأشخاص على لائحة الاعتداء”، مشيراً إلى أنّ “ما يثير استغرابي أن منزل أهلي واقع في منطقة أمنية فيها منازل سياسيين وبعض المقرّات ذات الطابع الديني المحسوبة على جهات معينّة، وكان لا بدّ لهذه المنطقة أن تكون محصّنة أمنيّاً. مع العلم أن المنطقة محسوبة على جهات لا أتوافق معها سياسيّاً”.

يعبّر الناشطون عن الدخول في مرحلة جديّة من الضغط بعد الانتخابات الطالبية والأجواء النقابية والاستفتاءات الشعبية. ويرى ضوّ أنّ “شركات الاحصاء ووسائل إلإعلام تشير إلى زخم شعبيّ قادر على انتزاع السلطة من الأحزاب المسيطرة عليها. وقد تحوّل الناشطون إلى تهديد وحالة سياسية معارضة ما جعلهم عرضة للاستهداف، فيما التهديدات الموجّهة للاعلام ليست مسألة عرضيّة بل إنها عملية ممنهجة وليست مجرّد تفصيل”.

في سياق آخر، ظاهرة مستجدّة تصبّ في خانة الضغط والتحذير والتهديد المبطّن لوسائل إلإعلام، أتت على لسان الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الذي سأل عن كيفية إيجاد حلّ حول ما وصفه “الاعتداء” بأشياء مستنكرة وبشعة على “الحزب”، مشيراً إلى أنّ هذا الأمر لا يجوز أن يستمرّ بهذه الطريقة. ولوّح بالتظاهرات والوقوف على باب وسائل إلإعلام وإقفالها، إذا كان المطلوب أن يعالج الناس هذا الموضوع.

ما قاله نصرالله ليس بجديدٍ في مضمونه، بحسب مقاربة مسؤول إلإعلام في “مؤسسة سمير قصير” جاد شحرور، الذي يقول لـ”النهار” إنّ “نصرالله كان واضحاً أكثر في طرحه من خلال توجيهه رسالة واضحة جدّاً. وكان مضمون الرسائل التي وجّهها يترجم سابقاً في الممارسات وعمليات استدعاء الناشطين. ويكمن الفارق اليوم في أنه بات يوجّه ما يقوله بكلّ ثقة، علماً أن المضمون لم يتغيّر وسلطة حزب الله قائمة وهو الذي يسيطر على البلاد. وتتمثّل أبرز الوقائع المؤكّدة على ذلك في الكيفية التي تقارب فيها إدارة تحرير الوسائل إلإعلامية في لبنان المسائل المتعلّقة بحزب الله، وتقويمها المواضيع التي يمكن أن تمرّ منها والتي لا تمرّ، ما يدلّ على هواجس من ردّة فعل الحزب”.

ويشدّد شحرور على أنّ “طريقة التصدي لرسائل نصرالله تكمن في ضرورة أن لا تكون أنواع التهديدات على اختلافها رادعاً بل محفّز لإعلاء الصوت أكثر ردّاً على ما قيل، ولا بدّ للصحافيين أن يتمسّكوا بالمحتوى الذي ينشرونه. وتشكّل عملية رفع الصوت من أكثر من إعلاميّ حصانة للجسم إلإعلامي الذي هو نفسه لا خيار أمامه سوى التضامن مع مهنته وزملائه، حتى في حال الاختلاف في وجهات النظر السياسية بين إلإعلاميين، لأن الجميع عرضة لانتهاك حقوقهم في يوم من الأيام”، مضيئاً على دور المؤسسات الحقوقية المتمثّل بـ”توعية الناس والاضاءة على المعلومات ورصد جميع حالات الانتهاك باعتبار أن عدم معرفة الرأي العام بالانتهاكات ستؤدي إلى تزايد هذه الحالات وتحوّلها إلى مباحة. ويترجم الدور الثاني في التشبيك مع المنظمات لرفع الصوت ليصبح المجرم معروف دوليّاً، بهدف حماية الصحافيين مستقبلاً وفرض نوع من القوانين الداعمة لهم في إطار احترام حقوق الانسان”.

الحلّ في التصدي لظواهر القمع والضغط المختلفة على الناشطين والصحافيين عموماً والمتزايدة في الأشهر الأخيرة، يكمن في رأي المحامية والناشطة الحقوقية ديالا شحادة لـ”النهار” عبر “إزاحة جميع المسؤولين الشركاء في الارهاب الفكري والأمني والاقتصادي والاجتماعي، فيما يكون الردّ على الحملات في الثبات بمقاومة هذه المنظومة السياسية الإجرامية عبر إلإعلام الحرّ والتشبث بسيادة القانون والاصرار على مطالبة القضاء بأداء دوره كجهة تحاسب. إضافة إلى فضح الجهات التي تستخدم أدوات القمع والترهيب أمام الرأي العام، لأن الانكفاء هو هدف الحملات المتلاحقة”.

وتخلص شحادة إلى أنّ “إلإعلام هو الأداة الأقوى في هذه المرحلة ولا بدّ أن يستمرّ، حيث ليس باستطاعة المنظومة التحكم بوسائل إلإعلام. ولا بدّ من سير إلإعلام والمعارضة السياسية التي بدأت تتبلور هيكليتها جنباً إلى جنب، فالمؤازرة بينهما مهمّة على أمل تبلور التغيير في الانتخابات المقبلة، وهذه هي المقاومة الحقيقية في هذا الزمن. كما يتوجب تشبّث الناشطين بالقضاء وتقديم الاجراءات القضائية بشكل متين وعلى أساس قانوني في أي ادّعاء بما في ذلك محاولات القتل”.