عدّاد كورونا يحطم الأرقام القياسية في لبنان

لم يعد غريبا أن يتناقل اللبنانيون فيديوهات لمسؤولين في القطاع الصحي ينفجرون بكاء على الوضع الذي وصلت إليه البلاد في ظل جائحة فيروس كورونا.

الواقع مبكٍ والقادم مفجع بحسب المؤشرات والأرقام، ومن كان يتراءى له في لبنان سيناريو إيطاليا، بات يشاهد أمامه سيناريو لبنانيا أكثر قسوة وكارثية في بلد لا يقترب من إيطاليا بإمكاناته وقدراته الصحية واللوجستية.




يتجه المؤشر صعودا، ويتوالى تسجيل الأرقام القياسية منذ أسبوع وحتى اليوم في عدد الإصابات ونسبة المصابين. وفي اليوم الثاني للإقفال العام الثالث الذي فرضته الحكومة اللبنانية في البلاد منذ مارس العام الماضي، سجل عدّاد كوفيد-19 5440 إصابة جديدة و17 حالة وفاة، كاسراً الرقم القياسي الذي سجله لبنان، أمس الخميس، بـ 4774 إصابة و16 حالة وفاة. ليرتفع العدد التراكمي للحالات المسجلة في لبنان إلى 210139، وبلغت نسبة المصابين من عدد الفحوصات 15.1% في حين كان مستشفى الحريري الحكومي قد سجل ما نسبته 30% من المصابين من أصل عدد الفحوصات المجرية قبل أيام.

بات ممكنا وصف لبنان بالبلد الموبوء. في الشارع التراخي سيد المشهد والالتزام بالإقفال العام متفاوت بين المدن والقرى، ويتجه نحو الانفلات التام في المناطق الشعبية المكتظة، لاسيما في بيروت وضواحيها.

لا يحقق الإقفال العام الهدف المرجو منه حتى الآن، الإصابات ترتفع بالجملة وأسرة العناية الفائقة تتأمن بالمفرّق في المستشفيات، فيما المختصون يعبرون عن فوات الأوان بالنسبة لقدرة المستشفيات على تلبية جميع الحالات.

يقول الدكتور فراس الأبيض، الذي يدير مستشفى رفيق الحريري الجامعي، أكبر المستشفيات الحكومية المخصصة لمكافحة وباء كورونا ومعالجته، عبر حسابه على موقع تويتر “حتى لو زادت المستشفيات من سعة أسرّتها، فإنها لن تستطيع المواكبة إذا استمر الارتفاع الحاد في أعداد مصابي كورونا. المطلوب الآن نهج أكثر صرامة. إذا انتظرنا إلى أن تمتلئ أسرة المستشفيات، فسيكون الوقت قد فات. إذا حكمنا من خلال التراخي الملاحظ في الشارع، فإن الأمور لا تسير على ما يرام”.

يذكر أن لبنان كان من الدول التي نجحت في احتواء الانتشار وتصدت للموجة الأولى من الفيروس في مطلع العام الماضي، كذلك سجل اللبنانيون نسب التزام مرتفعة بالحجر الصحي مع بداية الجائحة، إلا أن الواقع الاقتصادي المزري الذي تعيشه البلاد، والانهيار المالي الضاغط في البلاد أثر على نسب الالتزام، في حين أن غياب الخطط الحكومية المجدية للتعامل مع الفيروس وعدم تأمين مقومات صمود الناس في منازلها أدى إلى تداعي الإنجاز الذي تباهى به اللبنانيون في السابق.

“المهم الآن أن نصل إلى مرحلة ثبات في أعداد المصابين ولا نتجه إلى مزيد من الارتفاع”، يقول رئيس لجنة الصحة النيابية في البرلمان اللبناني النائب عاصم عراجي، ويضيف ” نحن في سيناريو سيء أصلاً ومنهار، لا مكان للمرضى في طوارئ المستشفيات ولا في غرف العناية. تجاوزنا نصف السيناريو الإيطالي ونتجه نحو الأسوأ إذا استمر هذا المنحى، حتى انخراط المستشفيات الخاصة لم يقلب المعادلة، هناك مستشفيات التزمت بتوجيهات وزارة الصحة وفتحت أقساماً خاصة لمرضى كورونا لكن هناك عدد من المستشفيات لم تفعل. وينوي وزير الصحة إصدار عقوبات بحقها وتخفيض تصنيفها، يجب عليهم أن يتحلوا بحس انساني ووطني في هذا الوقت.”

ارتفاع الإصابات هو اتجاه حتمي على لبنان، بحسب ممثلة منظمة الصحة العالمية في لبنان، د. إيمان شنقيطي، التي قالت إنه “بحسب خبرتنا في مراقبة الأرقام والنسب لم يبلغ لبنان بعد المرحلة القصوى للتفشي المجتمعي ولم يبلغ المنحنى التصاعدي قمته بعد، و كل ما يجري محاولته اليوم هو تمديد الوقت للوصول إلى تلك الأرقام كي تحافظ المستشفيات على قدرتها في استقبال المرضى ولا ينهار القطاع الصحي في البلاد”.

تؤكد شنقيطي أن فترة السماح التي عاشها اللبنانيون خلال الأعياد التي شهدت تجمعات وزيارات عائلية وعودة مغتربين من السفر، كانت المؤثر الأكبر على الأعداد الحالية، ويلاحظ أن الإصابات هذه المرة مسجلة بنسبة أكبر بين العائلات أكثر من الحالات الفردية.

فترة السماح هذه نالت نصيبها من الانتقادات التي طالت المسؤولين عن إدارة أزمة كورونا في البلاد، حيث تقدّم الهاجس الاقتصادي على ما يفرضه الواقع الصحي، وسمحت الحكومة بإعادة فتح البلاد والمطاعم والملاهي الليلية، وفي المقابل أقبل اللبنانيون على تلك الأماكن بكثافة كان متوقع معها أن تصل أرقام الإصابات إلى هذا المستوى من الارتفاع، إلى حد أن المواطنين كانوا يتحضرون للإقفال القادم قبل أن تعلنه الحكومة.

يجب أن يعي المواطن أيضاً أنه مسؤول وليس كل الحق على الدولة والحكومة، يقول النائب عراجي، ويضيف ” يجب أن يدركوا أن كورونا حقيقة موجودة وقاتلة، ومن لا يلتزم يدفّع لغيره من الملتزمين الثمن، وهذا غير عادل ولا مقبول، هناك مواطنون مستهترون ولا يمكننها وضع عسكري خلف كل مواطن، علينا بالمسؤولية والوعي في هذه المرحلة.”

قرار الإقفال الذي صدر بعد الأعياد، نال أيضا نصيبه من الاعتراض الشعبي لاسيما من قبل التجار وأصحاب المصالح المتضررين منه، لتأتي بعده استثناءات من قرار الإقفال مبنية على الحاجة الاقتصادية للبلاد، مما أفقد القرار جديته وصرامته، وأثر على نسبة الالتزام به.

يقول النائب عراجي “نحن كلجنة صحة ضد الاستثناءات كلها، لكنهم لم يستجيبوا لتوصياتنا في الحكومة دون أن نعرف السبب خلف هذا الإصرار على الاستثناءات، ولذلك ما زلنا نهاجم السياسات الحكومية المنتهجة، ندرك أن الضائقة الاقتصادية كبيرة ولكن مسؤولية الدولة تأمين المساعدات للناس ومقومات صمودها، بدلاً من هدرها، للتعويض على المواطنين.

من ناحيتها تؤكد شنقيطي أن المشكلة الاقتصادية تضاعف من سوء الوضع في لبنان، “في بلاد أخرى قدمت الحكومات مساعدات اجتماعية ساعدت على صمود الناس في منازلها والتزامهم بالإقفال والإجراءات الصحية، أما في لبنان فاتكلت الحكومة على وعي الناس وسط انعدام للقدرة الاقتصادية على مجاراة متطلبات الجائحة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي.

وتضيف “نحن في منظمة الصحة لا ننصح بإقفال البلاد وإبقاء الناس في بيوتها وإغلاق الاقتصاد، نحن نناشد الجميع انتهاج الوعي بالنسبة لهذه الجائحة وأخذالموضوع على محمل بالغ الجدية حيث لا مجال للتسامح. هو قرار صعب على الجميع يجب النظر إليه من كافة الجوانب فكل جانب يؤثر على الآخر ونتمنى إيجاد توازن يحاكي واقع البلاد الاقتصادي والصحي في آن واحد، لبنان اليوم موبوء وفي مرحلة ما يسمى بالتفشي المجتمعي ولا حل إلا التزام الناس إلى حين وصول التطعم”.

وتختم “إذا تجهز اللبنانيون على كل الأصعدة الرسمية والشعبية والصحية بالإمكان العودة إلى نتائج أفضل على الواقع الصحي في البلاد، لا نريد أن نعرض الموضوع بشكل ميؤوس منه فهذا يرتد سلبياً في المجتمع، بإمكاننا أن نتابع في أي وقت من الأوقات مواجهة هذه الجائحة ومقاومة ارتفاع الأعداد متى قرر اللبنانيون ذلك والتزموا بالإجراءات، وأقرب مثال على ذلك في الأردن حيث وصلت الأرقام إلى حد تسجيل 4500 و5000 إصابة واستطاعوا أن يعودوا إلى معدل الـ1000 حالة يومياً وما دون في الأسبوع الماضي.