لماذا يبدو جنبلاط «على درجة من التوتر» ويلوّح بورقة «المعارضة والقفز من السفينة»؟!

أطل رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط، في مقابلة تلفزيونية عبر قناة «إم.تي.ڤي» مساء أمس، ليمرر أكثر من رسالة في أكثر من اتجاه، وكان أبرزها وأكثر دلالاتها الرسالة الصريحة باتجاه الرئيس سعد الحريري، داعيا إياه الى الاعتذار وعدم إكمال مشوار التأليف والتنازل عن كل الحكومة لحزب الله وحلفائه كي يحكموا منفردين وليتحمّلوا وحدهم مسؤولية الوضع «الذي لا نملك فيه أي دور وقرار وحيثية»، على حد تعبيره.

جنبلاط قال: «فليحكموا هم بالواجهة التيار الوطني الحر ومن الخلف حزب الله ولم يبق شيء لا في البحر ولا الجو ولا الحدود البرية، وقائد الحرس الصاروخي في إيران قال سندافع عن أنفسنا من لبنان وسورية، فأصبحنا منصة صواريخ، وجواب السيد نصر الله كان خجولا ونحن غير قادرين على الحكم وليتحمّلوا مسؤولية كل شيء من الحرب والسلم والانهيار الاقتصادي وكل شيء».




وعن القضية الفلسطينية قال: «انتهى القرار المحلي وحتى موضوع الهدف المعلن الذي كان فلسطين، فبالنسبة لموضوع الصواريخ أصبحت دفاعا عن إيران وفلسطين أصبحت تفصيل وهل تعترف إيران بالدولة اللبنانية؟».

وقال عن تشكيل الحكومة «المجتمع المدني لم يقم بدوره والحريري كان عليه أن يساعدنا، وكان أفضل له ألا يترشح مجددا، وترشحه كان من خلال المبادرة الفرنسية، لكن هل لاتزال المبادرة موجودة؟ الاتفاق النووي انتهى أمره وهناك واقع على الأرض من العراق إلى سورية ولبنان ونحن صرنا فرق عملة». وطلب جنبلاط من «حزب الله التفكير بعشرات الآلاف من اللبنانيين في قطر والسعودية فلنوفر تهجير هؤلاء وأنا ضد تخوين الأنظمة العربية».

ولفت جنبلاط إلى أن النائب جبران باسيل يريد الثلث المعطل في أي حكومة ليتمكنوا من الحكم من خلاله إذا ما حصل أيّ عارض للرئيس عون و«الأعمار بيد الله»، وقال: «فليقم الحريري باختيار الاسم الذي يريده عنّي، لكنه لا يطلب مني الاقتناع بأنه قادر على فعل أي شيء وأقول هذا من أجله»، كرر جنبلاط نصيحته للحريري مرة جديدة «شو بدك بكل هالشغلة» وليأتوا بمن يشاؤون رئيسا للحكومة حسان دياب أو فيصل كرامي أو غيرهما كان «أريحلو وأريحلنا»، وأضاف «علينا التأكيد على ثوابت لبنان من التنوّع والحدود والهدنة، فنحن لسنا ساحة حرب وإلا يكون الحريري يلغي نفسه. فالقرار المحلي انتهى والسؤال هو هل تعترف إيران بالدولة اللبنانية؟»، وتابع «أصبحنا مقاطعة ولم نعد دولة ونحن غير قادرين على الحكم وبالتالي فليحكموا ويتحمّلوا مسؤولية كل شيء، ولماذا سنكون شركاء معهم؟».

في تفسير هذا «التصعيد المدروس» من جهة جنبلاط يبرز رأيان:

٭ الأول يقلّل من شأن وأهمية هذا الموقف ويدرجه في سياق تحسين شروطه في اللعبة السياسية وموقعه التفاوضي في الحكومة التي يشعر جنبلاط بأنه لا دور له فيها ولم يعطَ هامشا في اختيار الحقائب والأسماء، وإنما أُعطي وزارة الخارجية التي يعتبرها وزارة فارغة من المضمون والصلاحيات وتشكل عبئا وإحراجا في هذه المرحلة، وأن هناك من يعمل على حكومة الـ 20 وزيرا ليكون المقعد الدرزي الثاني من حصة طلال إرسلان.

جنبلاط لديه الكثير من الأسباب التي تدعوه إلى التذمر والاعتراض ورفع الصوت، وغير راضٍ عن كل المسار الحكومي، موزعا المسؤوليات على الرئيس عون الذي يفصّل الحكومة على قياس باسيل ومصالحه ودوره في المرحلة المقبلة، وعلى حزب الله، الذي يستنكف عن التدخل لدى عون والضغط عليه لتليين موقفه، لا بل يظهر له كل الدعم والتأييد، وعلى الرئيس الحريري أيضا الذي يحمّله مسؤولية أساسية لأن حساباته السياسية خاطئة، وطريقة إدارته للملف الحكومي غير موفقة.

لم يتأخر جنبلاط في التقاط الإشارات السياسية التي تنبئ بأن هناك معايير جديدة لتشكيل الحكومة تختلف عن حكومة الاختصاصيين وفق المبادرة الفرنسية، ونصح الحريري عبر قنوات تواصل خاصة بالاعتكاف أو الاعتذار، لأن الحكومة لن تكون حكومته وحزب الله وعون لا يريدان لأي حكومة أن تكون صاحبة القرار. لم يستجب الحريري مع رسالة جنبلاط وشكك به وشُنّت عليه حملة من قبل تيار المستقبل من خلفية أنه ينقلب على الحكومة ومعاييرها. لكن جنبلاط أوضح أنه لا ينقلب، وأن معايير التشكيل كلها لا تتلاءم مع طرح حكومة الاختصاصيين، لذلك قال إن المعايير الحالية تفرض عليه المطالبة بحصته لأنها معايير تشكيل حكومة سياسية بغطاء الاختصاص، وأن الحريري أحرج نفسه عندما سلم لحزب الله ونبيه بري بما يريدان، وكذلك لسليمان فرنجية، لكنه لم يفعل ذلك مع عون الذي قام بردة فعل عنيفة.. توترت الأجواء أكثر مع الحريري وغرّد جنبلاط تغريدته الشهيرة وهو يعلم أنه لا الحكومة ستُشكل ولا الموقف الخارجي سيتغيّر، وحتى لو تشكلت الحكومة فلن يكون هناك أي فرصة للحصول على مساعدات أو لإقرار إصلاحات.

جنبلاط، وفق هذه القراءة، يقود تصعيدا مضبوطا ضد حزب الله ويحفظ خط الرجعة عندما يؤكد أنه ليس في صدد تشكيل جبهة 14 آذار جديدة، أو عندما يبرز تمايزه في رفض مشاريع الكانتونات والفيدراليات وتحالف الأقليات.. وما يريده جنبلاط هو تغيير الطريقة المعتمدة في تشكيل الحكومة بالعودة الى روح المبادرة الفرنسية، من دون التقيّد بحكومة اختصاصيين لا لون ولا نكهة لهم، ومن دون الرهان على جو بايدن.. ومن دون المسّ بوضعه وحصته في الحكومة، وهذا هو الأهم.

٭ الرأي الثاني يذهب في قراءة علامات الاستياء والقلق والتوتر عند جنبلاط الى أبعد من موضوع الحكومة، ويرى في التصعيد الجنبلاطي مؤشرا الى مخاطر المرحلة المقبلة التي تستوجب «إعادة تموضع»، وبالتالي، فإن موقف جنبلاط، الذي يبتعد أكثر فأكثر عن الحريري ويقترب عمليا من طرح وموقف جعجع في رغبته في الخروج من الحكومة ونصحه الحريري بالانسحاب يندرج في إطار قراءة شاملة وغير مريحة أجراها جنبلاط للأزمة واتجاهاتها.

وليد جنبلاط، كما يفيد عارفوه ومقربون منه، قلق جدا من الفراغ الحاصل في البلاد ولديه مخاوف جدية من تطورات وأحداث تخرج عن السيطرة في لحظة دولية وإقليمية شديدة الخطورة، في ظل محاولات الإمبراطوريات الكبرى في المنطقة إعادة رسم حدود نفوذها السياسي والأمني والجغرافي، على وقع تمدد إسرائيلي هو الأكثر خطورة بعدما باتت موجة التطبيع عالية جدا، والخشية أن تكون الساحة اللبنانية جزءا من عملية تصفية الحسابات المباشرة بين القوى المتصارعة كما يحصل راهنا في العراق واليمن، وهو يرى أن تمديد عمر الفراغ الحالي يصب في خدمة هذه الأهداف الشديدة الخطورة.

وانطلاقا من هذه المعطيات، يرغب جنبلاط في الحفاظ على وتيرة العلاقات القائمة راهنا مع حزب الله، وهو يحرص على إيصال رسائل للحزب بهذا الخصوص، لا يريد المواجهة أو التصعيد، لكنه يعمد بين الفينة والأخرى الى رفع مستوى التصعيد الكلامي مع «حارة حريك» للتحفيز، وليس لخلق خطوط تماس ساخنة معها. ولا يرغب جنبلاط في فتح أي مواجهة مباشرة مع حزب الله، وليس في صدد التورط في أزمة شبيهة بأحداث 8 أيار 2008، وهو أبلغ الجميع في الداخل والخارج أنه اختار في هذه المرحلة الجلوس على التلة بعيدا عن الأزمات الحارقة، ولن يكون جزءا من أي عملية انقلابية تعيد الجبل الى مرحلة التوتر، لأنه يدرك جيدا أن اللعبة هذه المرة أكبر من الحزب الاشتراكي ولا رغبة لديه في توريط الطائفة الدرزية فيما لا طاقة لها به.

ويعتقد جنبلاط أن فريقه السياسي غير قادر على تحقيق إنجازات سياسية في ظل موازين القوى الراهنة، والمعركة مع العهد لن تكون مجدية لأن حزب الله لايزال داعما للرئيس والتيار الوطني الحر، ولن يقبل بهزيمته في هذه الفترة الحرجة إقليميا، ولهذا يدعو جنبلاط الى التواضع في خوض المعركة وعدم تكبير الحجر، لأن النتائج لن تكون جيدة والبلاد على أبواب استحقاقات دستورية خلال سنتين، وما يحصل الآن سيكون مقدمة لفراغ دستوري كبير في البلاد.