//Put this in the section //Vbout Automation

نيويورك تايمز: احتلال الغوغاء للكونغرس هزّ صورة أمريكا كمنارة للديمقراطية في العالم

تناول المعلق في صحيفة “نيويورك تايمز” روجر كوهين، الهجوم على مقر الكونغرس من قبل “إرهابيين محليين” كما وصفهم الرئيس المنتخب جوزيف بايدن.

وقال إن اقتحام الكابيتول هيل يوم الأربعاء يعتبر ضربة موجعة لصورة أمريكا الديمقراطية المضطربة. وأضاف إن العصاة أو الغوغاء في واشنطن الذين حاولوا إرباك عملية النقل السلمي للسلطة يمثلون تهديدا لكل الديمقراطيات حول العالم، وذلك في استعادة لتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وقف أمام العلم الأمريكي معلنا: “نؤمن بقوة ديمقراطياتنا ونؤمن بقوة الديمقراطية الأمريكية”، لكن موقف ماكرون التأكيد على إيمانه بصمود الديمقراطية الأمريكية مع اقتراب فترة رئاسة ترامب من النهاية أمر مثير للإعجاب، لأن ما يهدد أمريكا ينسحب على بقية الديمقراطيات في العالم.




ويقول كوهين إن سمعة أمريكا ربما تلطخت، لكن هويتها في الدفاع العالمي عن الديمقراطية تظل متفردة. ومن هنا، فعندما قام غوغاء باقتحام مبنى الكابيتول، ودنسوا قداسة غرفه باحتقار المتغطرسين للمشرعين الذين تجمعوا للمصادقة على انتصار جوزيف بايدن، فإن هشاسة الحرية ظهرت آثارها في باريس وبقية أنحاء العالم.

وقال ماكرون في خطابه الذي بدأه بالفرنسية وأنهاه بالإنكليزية، إن الهجوم أدى لإضعاف الفكرة العالمية “شخص واحد وصوت واحد” وقال إن المبنى هو “معبد الديمقراطية الأمريكية” والذي تعرض للهجوم.
ورغم عودة النظام في الساعات الأولى من اليوم التالي، إلا أن حكم الغوغاء في واشنطن ضرب على وتر حساس في الديمقراطيات الغربية المتشظية. فهي تواجه نماذج غير ليبرالية شعبوية في كل من هنغاريا وبولندا، وصعودا للحركات اليمينية المتطرفة في كل من ألمانيا وإيطاليا. مما قاد زعماء مثل فلاديمير بوتين للإعلان عن نهاية الليبرالية كفكرة مهجورة. أما الرئيس الصيني شي جين بينغ، فقدّم نموذج الرقابة في بلاده للعالم، في وقت قام بسحق المعارضة في هونغ كونغ.

وقال الباحث السياسي جاك روبنيك: “بالنسبة للمجتمعات الأوروبية كانت هذه صورا صادمة. وحتى ولو لم تعد أمريكا منارة، فلا تزال عمودا حافظ على الديمقراطية الأوروبية ووسّعها شرقا بعد الحرب الباردة”.

وقالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إنها “غاضبة وحزينة” وحمّلت ترامب وبدون تردد مسؤولية الهجوم على مقر الكونغرس الذي خلّف امرأة قتيلة. وقالت إن “الشكوك حول نتائج الانتخابات أججت وخلقت مناخا سمح لأحداث الليلة الماضية”.

وراقب الألمان الذين كانت الولايات المتحدة الحامية لهم ولنموذجهم الليبرالي بغضب محاولات ترامب تخريب العملية الديمقراطية وحكم القانون. وزاد قلقهم في السنوات الماضية بسبب ترنح الديمقراطية عبر الاستقطاب والعنف والتفكك الاجتماعي والمعاناة الاقتصادية والتي لم تكن مقتصرة على الولايات المتحدة. فقد زاد فيروس كورونا القلق وعدم الثقة بالحكومة.

وفي هذا السياق، فإن صور الغوغاء وهم يندفعون نحو الكابيتول كانت انعكاسا للقوى المخربة التي تحوم في الكثير من أجزاء العالم الغربي. ولو حدث هذا في قلب الديمقراطية، فإنه قد يحدث في أي مكان. وفي العام الماضي عندما اندلعت التظاهرات المعادية للعنصرية في معظم المدن الأمريكية، صورت مجلة “دير شيبغل” ترامب في مكتبه البيضاوي وهو يحمل علبة كبريت، ووصفته بـ”دير فويرتوفيل” أو “شيطان النار”، وكانت الرسالة واضحة، وهي أن الرئيس الأمريكي يلعب بالنار. وكان هذا محلا لاستعادة الألمان ذكريات النيران التي اشتعلت في الرايخستاغ عام 1933، مما سمح للنازيين بإلغاء جمهورية فايمار الديمقراطية الهشة، وصعدوا إلى السلطة.

والذكريات المؤلمة لا تقتصر على ألمانيا، بل في كل أنحاء القارة الاوروبية، التي لا يزال فيها منظور الديكتاتورية بعيدا، ولكن عاشه بعض الناس الأحياء اليوم، ورأوا في هجوم ترامب على القضاء المستقل والصحافة الحرة وقداسة الانتخابات نذير شؤم.

وبدأت المستشارة الألمانية حياتها السياسية في ألمانيا الشرقية الشيوعية، وراقبت الحماس يتبخر لخلق عالم ديمقراطي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة عام 1989. وتضاءل بصعود الحكومات الديكتاتورية وهجمات ترامب على أسس حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، فيما نُظر إليه على أنه محاولة منه لحرف الميزان نحو الاتجاه غير الليبرالي. ولكنه هُزم واستطاعت المؤسسات الأمريكية تجاوز الفوضى التي خلقها، وتمت المصادقة على فوز بايدن في الكونغرس رغم ما حدث. كما رفض نائبه، مايك بنس الذي حاول ترامب تجنيده لقلب نتائج الانتخابات، المضي في اللعبة، ومارس دوره في المصادقة على الانتخابات.

وبعد قرار الكونغرس، أصدر ترامب بيانا وعد فيه بانتقال سلس للسلطة في اعتراف واضح بالهزيمة. وحقق الديمقراطيون انتصارا ثانيا بالسيطرة على الكونغرس، بعد فوزهم في جورجيا، في شجب واضح لترامب وسياساته. ولكن هل هذا يعني أن أمريكا بخير؟

يجيب كوهين بالنفي، “فالفكرة الأمريكية والقيم الأمريكية- الديمقراطية وحكم القانون، والدفاع عن حقوق الإنسان عانت من ضربات مستمرة أثناء حكم ترامب”.

وقال روبينك إنه سيكون من “الصعب” على بايدن تقديم أمريكا على أنها “المنظم لمجتمع الديمقراطيات”. وسيظل العالم ولوقت ينظر لأمريكا بنوع من الشك عندما تحاول الترويج للقيم الديمقراطية، فصور اقتحام الكابيتول ستظل حاضرة.

وكان واضحا في عنوان “لوفيغارو” الفرنسية: “تهشم الديمقراطية”. حيث قالت في افتتاحيتها إن “نرجسية ترامب تفوقت على أي كرامة، وأساء استخدام المؤسسات وداس على الديمقراطية وقسم معسكره وأنهى رئاسته في الحفرة”.

وهناك إشارات على تراجع جاذبية ترامب في أوروبا، فقد قام رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيس، وهو من المعجبين بالرئيس الأمريكي، بحذف صورته على حسابه في فيسبوك وهو يرتدي قبعة عليها “جمهورية تشيك قوية” على شاكلة شعار ترامب “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”. وغيّر الصورة إلى واحدة يرتدي فيها قناعا مزينا بالعلم التشيكي.

وكشفت الاضطرابات في واشنطن عن أن أمريكا هي أكبر من رجل واحد. وهو ما بدا واضحا في تصريحات ماكرون الذي تحدث عن دعم الولايات المتحدة وفرنسا للحرية وحقوق الإنسان منذ القرن الثامن عشر. وذكر أليكس دو توكفيل ومديحه للديمقراطية في أمريكا، كما تحدث عن دفاع أمريكا عن الحرية أثناء الحربين العالميتين.