الرجل الصامت الذي ضاق ذرعاً بتصرفات رئيسه.. كيف منع بنس انقلاب ترامب وأنقذ الكونغرس في وقت واحد؟

نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس هو البطل الحقيقي لليوم المشؤوم الذي شهد غزوة أنصار ترامب للكونغرس، ففعلياً نحّى بنس ترامب جانباً وأمر الحرس الوطني بالتدخل متخطياً القائد العام للجيش الأمريكي.

فبنس، وليس دونالد ترامب، هو من ساعد في تسهيل قرار تفعيل قوات الحرس الوطني في العاصمة يوم الأربعاء عندما بدأ العنف في مبنى الكابيتول في التصاعد، وفقاً لما نقلته شبكة CNN الأمريكية عن مصدر مطلع.




ولفتت الشبكة إلى أن ترامب، الذي أثبت خلال العام الماضي أنه حريص على نشر الحرس الوطني عند اندلاع أعمال العنف المرتبطة بحركة حياة السود مهمة، قاوم في البداية القيام بنشر القوات في مبنى الكونغرس أمس الأربعاء، عندما اقتحم أنصاره المبنى التاريخي.

في المقابل، لعب بنس دوراً رئيسياً في التنسيق مع البنتاغون حول نشر الحرس الوطني، وحثهم على التحرك بشكل أسرع مما هم عليه.

تثير الأخبار تساؤلات حول من كان يتصرف كقائد أعلى في أحد أحلك أيام أمريكا، والذي شهد اجتياح المجلس التشريعي للبلاد لأول مرة منذ أن هاجم البريطانيون المبنى وأحرقوه في أغسطس/آب 1814.

وسبق ذلك انتقادات حادة من ترامب لنائبه مايك بنس بسبب رفضه التساوق مع دعوات إعلان فوز ترامب، الأمر الذي يشير إلى قطيعة بين الرجلين.

شكوك حول استدعاء ترامب للحرس الوطني بعد تدهور الوضع

وقالت إدارة ترامب، في وقت سابق من هذا الأسبوع، إن تطبيق القانون المدني سيكلف بحماية المنشآت الفيدرالية.

لكن وزارة الدفاع الأمريكية تلقت طلبات للحصول على دعم إضافي من الحرس الوطني يوم الأربعاء، حيث أصبح الوضع خطيراً بشكل متزايد بعدما اقتحم أنصار ترامب الكونغرس، حسبما قال مسؤول دفاعي كبير لشبكة CNN.

مع انتشار الفوضى، أثيرت شكوك حول ما إذا كان ترامب سيأمر الحرس الوطني بالعاصمة بالرد بسبب بطء استجابته.

وزير الدفاع يتجاهل ترامب ويتشاور مع مايك بنس

وأشارت تصريحات لوزير الدفاع بالوكالة كريستوفر ميلر ومسؤولين كبار آخرين إلى أن بنس هو الذي وافق في النهاية على القرار.

يبدو أن تصريح وزير الدفاع الأمريكي يوم الأربعاء يشير إلى أنه لم يتحدث حتى مع ترامب، حيث ناقش الأمر مع نائبه بدلاً من ذلك.

وأبلغت مصادر مطلعة شبكة CNN بأن الرئيس ترامب كان متردداً حتى في إدانة أعمال العنف التي تُرتكب باسمه.

اقتحام الكونغرس عمل غير مسبوق في تاريخ أمريكا/رويترز

تجنب زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب كيفن مكارثي الأسئلة مساء الأربعاء حول ما إذا كان بنس، وليس ترامب، قد وجه الحرس الوطني بالعاصمة ليتم تفعيله، لكنه اقترح أن نائب الرئيس وافق في النهاية على القرار.

عندما سألته فوكس نيوز عن الأخبار بشأن الموافقة على تنشيط قوات الحرس الوطني جاءت من بنس، وليس الرئيس، اعترض مكارثي، لكنه قال في النهاية: “أعرف أن نائب الرئيس كان على اتصال دائم بنا وأيضاً إلى جانب الأمن داخل الكابيتول، لقد تواصلت مع نائب الرئيس في وقت مبكر. كان الأمر يتعلق بإيصال الحرس الوطني هناك. وقال إنه سيتصل الآن”.

وبعد تصديق الكونغرس على فوز بايدن، قال نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس،  الذي رأس الجلسة بعد استئنافها: “أقول لأولئك الذين أشاعوا الفوضى في مبنى الكونغرس (الأربعاء)، أنتم لم تفوزوا”.

ترامب يدعي أنه هو الذي حرك الحرس الوطني

وبدا أن التعليقات تتعارض مع ما قالته السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كايلي ماكناني في تغريدة قبل ساعات، عندما أكدت أن ترامب “وجه” الحرس الوطني للرد على الموقف.

في المقابل قال وزير الدفاع إنه تحدث مع رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارك ميلي، ومع بنس، وليس ترامب، بعد ظهر الأربعاء. وقال أيضاً إنه على اتصال بكبار المشرعين في الكونغرس.

إذ قال “لقد تحدثنا بشكل منفصل مع نائب الرئيس ومع رئيسة مجلس النواب بيلوسي والزعيم ماكونيل والسيناتور شومر والممثل هوير حول الوضع في مبنى الكابيتول الأمريكي. لقد قمنا بتنشيط الحرس الوطني في العاصمة بشكل كامل لمساعدة تطبيق القانون الفيدرالي والمحلي”، وقال في بيان: “نعمل على معالجة الوضع سلمياً”.

ولم يذكر وزير الدفاع الذي عين قبل فترة قليلة أنه تحدث مع ترامب.

وفي لهجة بدت حادة، قال “نحن على استعداد لتقديم دعم إضافي حسب الضرورة والملاءمة حسب طلب السلطات المحلية. شعبنا أقسم على الدفاع عن الدستور وشكل حكومتنا الديمقراطي وسيعملون وفقاً لذلك”.

لماذا لم يدافع الحرس الوطني عن الكونغرس قبل اقتحامه؟

لم يتم تفعيل الحرس الوطني بشكل كامل إلا بعد ساعات من وصول الحشود العنيفة إلى العاصمة، رغم وجود قوات للحرس الوطني في العاصمة.

ويرجع ذلك إلى الاتفاق المبدئي لنشر الحرس الوطني الذي أبرم يوم الإثنين، أصبح بموجبه الحرس الوطني تحت سيطرة البنتاغون، وتضمن دعم مطبقي القانون المحليين.

واقتصرت مشاركة قوات الحرس الوطني على مساعدة قوة إنفاذ القانون المحلية في نقاط مراقبة المرور وفي مترو الأنفاق.

وبموجب هذا الاتفاق، لم يكن لدى قوات الحرس الوطني أوامر لتوفير الحماية للمنشآت الفيدرالية مثل مبنى الكونغرس.

وقال العديد من مسؤولي الدفاع إن كبار القادة العسكريين، بما في ذلك هيئة الأركان المشتركة، كانوا مصممين على إبقاء الخدمة العسكرية بعيدة عن هذا الجهد والحد من دور الحرس الوطني.

كان تركيز البنتاغون منذ فترة طويلة على إظهار أن تطبيق القانون المدني والحرس الوطني الذي تنشطه الدولة كافيان للسيطرة على الاضطرابات المدنية.

في بيان مساء الأربعاء، قال المتحدث باسم البنتاغون جوناثان هوفمان، إنه في وقت سابق من الأسبوع، طلب عمدة العاصمة موريل باوزر “حوالي 340 من رجال الحرس الوطني في العاصمة لمساعدة شرطة العاصمة في الاستعداد للاحتجاجات المحتملة اليوم”.

وأضاف: “تمت الموافقة على هذا الطلب. اليوم، طلب رئيس البلدية التنشيط الكامل للحرس الوطني لمقاطعة واشنطن العاصمة DC Guard)) لدعم تطبيق القانون المحلي والفيدرالي أثناء استجابتهم للوضع في مبنى الكابيتول”.

مايك بنس هو السبب

وقبل واقعة الاقتحام، طعن نواب جمهوريون على نتائج تصويت المجمع الانتخابي لولاية أريزونا وبدء مناقشة لمدة ساعتين للبت في الأمر، ولكن بنس رفض التجاوب مع  مساعي إعلان فوز ترامب.

أدى ذلك إلى أن الرئيس الأمريكي هاجم نائبه مايك بنس، بعدما صرح الأخير بأنه لن يعارض المصادقة على فوز الرئيس المنتخب جو بايدن.

وقال ترامب في تغريدة: “لم يكن لدى مايك بنس الشجاعة لفعل ما يلزم لحماية بلادنا، ودستورنا، لإعطاء الولايات الفرصة للتصديق على الحقائق المصححة، وليس الحقائق المزورة أو غير الدقيقة، التي طُلب منهم التصديق عليها مسبقاً”.

واختتم الرئيس الأمريكي ترامب المنتهية ولايته التغريدة قائلاً: “الولايات المتحدة تطلب الحقيقة!”.

وأتت تغريدة ترامب بالتزامن مع تمكن مئات المحتجين المؤيدين للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من اقتحام شرفات مبنى الكابيتول وسط العاصمة واشنطن، حيث تعقد جلسة مشتركة للمصادقة على نتائج الانتخابات الرئاسية.

بنس مع ترامب ودكتور فاوتشي مسؤول ملف مكافحة كورونا/رويترز

كما قال ترامب أمام أنصاره: “في حال قام مايك بنس بالأمر الصحيح سنفوز بالانتخابات. وهو يملك الحق المطلق في ذلك. وإن لم يفعل سيكون ذلك يوماً مؤسفاً لبلادنا”.

وعرض بنس حججه الرافضة لطلب ترامب في رسالة نشرها قبيل بدء جلسة الكونغرس الخاصة بتسجيل النتائج الرسمية للانتخابات الرئاسية.

وذكر بنس في رسالته أن “الدستور لا يمنحني السلطة لتحديد أي من أصوات المجمع الانتخابي يجب أن تحتسب أو ترفض”.

وينص الدستور الأمريكي على أن دور نائب الرئيس يقتصر على “فتح” الشهادات المرسلة من كل من الولايات الأمريكية لنقل أصوات الناخبين الكبار فيها. ويمكن فقط لأعضاء الكونغرس الاحتجاج على نتائج بعض الولايات.

وعرف عن بنس شخصيته الهادئة التي تبدو نقيضاً لشخصية ترامب، وكان الرجل نادراً في معارضة ترامب وأيضاً لم يكن مؤيداً يزايد عليه مثل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الذي قال بعد فوز بايدن سيكون هناك انتقال سلس للسلطة لولاية جديدة لترامب.

ووصفت مجلة Politico ما قام به بنس برفضه إعلان فوز ترامب بأنها كانت واحدة من المرات القليلة التي على مدى السنوات الأربع الماضية التي واجه فيها بنس جنون ترامب بالعزيمة بدلاً من العبودية.

وقد يكون اقتحام الكونغرس هو نوعاً من الانتقام من قبل ترامب من موقف بنس (بالنظر للتزامن اللافت بين الحدثين، وقد يكون تحرك الجمهور تم بشكل تلقائي بعد تغريدة ترامب الناقدة لبنس).

ولكن لم يكن بنس هو الهدف الوحيد لانتقام ترامب. أراد أن ينتزع الألم من الديمقراطيين المنتصرين بعد دقائق فقط من سيطرتهم على مجلس الشيوخ.

لكن ترامب أراد بشكل خاص استهداف الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ الذين رفضوا دعوته لمعارضة المصادقة.

 بدأ حياته السياسية بالسخرية من العرب

يظهر تاريخ بنس بعض المواقف المثيرة للجدل التي لا تُنبئ بهذا الموقف البطولي.

ولكن يبدو أن الرجل الذي يقدم نفسه باعتباره جمهورياً غير متطرف، ضاق ذرعاً بتصرفات رئيسه فخرج عن هدوئه.

تخرج بنس في كلية الحقوق عام 1986، وعمل محامياً في عيادة خاصة. في عام 1988، ترشح بنس للكونغرس ضد العضو الديمقراطي فيليب شارب، لكنه خسر.

تنافس بنس ضد شارب مرة أخرى عام 1990، واستقال من وظيفته من أجل العمل بدوام كامل في الحملة، ولكن مرة أخرى لم ينجح.

خلال السباق، استخدم بنس “التبرعات السياسية لدفع الرهن العقاري لمنزله، وفاتورة بطاقته الائتمانية الشخصية، ومحلات البقالة، ورسوم بطولة الغولف، ودفع رسوم السيارة لزوجته”، في حين أن الإنفاق لم يكن غير قانوني في ذلك الوقت، فقد ورد أنه قوض حملته.

خلال حملة عام 1990 في انتخابات الكونغرس، نشر بنس إعلاناً تليفزيونياً قام فيه أحد الممثلين، مرتدياً رداء وغطاء رأس ويتحدث بلهجة شرق أوسطية، بتوجيه الشكر لخصمه في الانتخابات، فيليب شارب، لعدم قيامه بأي شيء لفطم الولايات المتحدة عن النفط المستورد خلال عمله كرئيس لمجلس إدارة لجنة فرعية لمجلس النواب حول الطاقة والطاقة.

ورداً على الانتقادات، قالت حملة بنس إن الإعلان لا يتعلق بالعرب، بل كان الأمر يتعلق بافتقار شارب للقيادة.

في عام 1991، كتب بنس مقالاً بعنوان “اعترافات أحد المناضلين السلبيين”، نُشر في مجلة Indiana Policy Review، حيث اعتذر عن عرض إعلانات سلبية ضد شارب.

نجح بنس عام 2000 في الفوز بمقعد في مجلس النواب عن ولاية أنديانا، وفي عام 2011 أعلن عزمه الترشح لمنصب حاكم ولاية إنديانا.

بعد توليه منصب حاكم إنديانا، كان نمو الوظائف في الولاية أدنى قليلاً عن المتوسط الأمريكي، وفي عام 2014، كان اقتصاد إنديانا من بين أبطأ نمو في الولايات المتحدة، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4%، مقارنة بالمعدل على مستوى أمريكا البالغ 2.2%؛ ويُعزى ذلك جزئيا إلى تباطؤ قطاع التصنيع.

وتصفه بعض جماعات حقوق الإنسان بأنه متطرف يستحوذ على السلطة ويمارس النفوذ بقدر أقل من التدقيق من أي نائب رئيس في تاريخ الولايات المتحدة.

ولكنه قد يكون الرجل الذي تدين له الديمقراطية الأمريكية بالفضل مرتين؛ مرة لرفضه التجاوب مع مساعي إعلان فوز ترامب، والثانية باستدعائه للحرس الوطني لحماية الكونغرس، والأهم التأكيد على أن المؤسسة العسكرية الأمريكية مع الديمقراطية.

عربي بوست