//Put this in the section //Vbout Automation

“البطرك حبيب الله” – غسان العياش – النهار

تدرّج موقف #البطريرك بشارة بطرس الراعي صعوداً منذ شهر تمّوز الماضي، ليعبّر أكثر فأكثر عن حالة الغضب الشعبي على فشل الدولة وفساد الطبقة الحاكمة وتعطّل آلة الحكم. بدأ البطريرك حملته بالاعتراض على إقحام لبنان في النزاعات الإقليمية رافعاً بكل جرأة شعار حياد لبنان، الذي لقي صدى واسعاً لدى الأكثرية الساحقة من اللبنانيين.

الدولة غائبة، الخواء يطغى على الحياة السياسية، الأحزاب، بمعظمها، لاذت بالصمت، الثورة اكتشفت عجزها عن فرض التغيير فأنزلت بيارقها من الساحات. في هذا المشهد الكئيب ارتفع صوت البطريرك الراعي حاملاً أشنع عبارات التأنيب بحق الحكام الفاسدين والعاجزين عن تأليف حكومة، لا يجاريه في الشجاعة إلا الصوت المدوّي للمطران الياس عوده. الحماسة التي أشعلها سيّد #بكركي تجاوزت طائفته، ووصلت إلى النخب الإسلامية المنفتحة، والشيعية منها على وجه الخصوص. أبدى جهاد الزين، في “النهار” وفي صفحته على “فايسبوك”، إعجابه بجرأة البطريرك والسقف العالي للنقد السياسي الذي لا سابق له عندما قال: “أمام هذا الواقع لا يسعنا القول سوى انّ هذه الجماعة السياسيّة إنّما تتولّى إدارة دولةٍ عدوّة وشعبٍ عدوّ”. وشرح نديم قطيش الأبعاد الإستراتيجية لخطاب بكركي المستجدّ، مبدياً إعجابه، مثل جهاد الزين، بالسقف العالي للنقد السياسي الشجاع الذي مارسه سيّد بكركي.




للمصادفة، تزامنت “ثورة البطريرك” مع إنجاز الطبعة الجديدة المنقّحة لكتاب وضعتُه قبل ثلاثين سنة، حول الإصلاحات التي فرضها المجمع اللبناني على الكنيسة المارونية في النصف الأوّل من القرن الثامن عشر. وفيما تسلك الطبعة الجديدة طريقها إلى دار النشر، ثم المطبعة، من المفيد التساؤل في ضوء تجربة الكنيسة المارونية عمّا إذا كانت صرخة البطريرك الراعي هي نهجٌ جديد في سياسات بكركي، أم أنها استمرار لتقليد متّبع.

الحقيقة التي يبرزها الكتاب هي أن الكنيسة، منذ إصلاحات المجمع اللبناني، مرّت بمرحلتين: المرحلة الأولى تمتدّ من ولادة الإصلاحات سنة 1736 حتى نهاية القرن التاسع عشر، والثانية تبدأ مع تأسيس لبنان الكبير وهي مستمرّة حتى اليوم.

في المرحلة الأولى، خرجت كنيسة الموارنة بعد إصلاحات المجمع اللبناني قويّة متطوّرة منظّمة يقودها رجالٌ متعلّمون، وتتمتّع بدعم لا سابق له من فرنسا والفاتيكان. لكن المهمّة التي أوكلت الى هذه الكنيسة هي تأسيس إمارة مارونية في جبل لبنان، فكانت بحق كنيسة الموارنة وحدهم دون سائر سكّان الجبل، ولم يعد رؤساء الكنيسة رجال دين فحسب بل باتوا قادة سياسيين وعسكريين ينظّمون الحروب الطائفية والاجتماعية ويقودونها بأنفسهم. اختلف دور بكركي بعد تأسيس لبنان الكبير. فقد استوعب البطاركة، كل البطاركة، أن الموارنة يعيشون في بلد متعدّد الطوائف وأن مصلحة طائفتهم هي في استقرار لبنان الذي صنعوه وفي تعزيز جسور التفاهم بين المسيحيين والمسلمين، دون إغفال الشروط الاقتصادية والاجتماعية الحيوية لبقاء الكيان.

كان البطريرك الثالث والسبعون انطون عريضة مناضلاً في سبيل الاستقلال ومناهضاً للانتداب، رغم عواطف المسيحيين المؤيّدة لفرنسا. وعندما أدلى بتصريح لنقيب الصحافة إسكندر رياشي، نشره الأخير في جريدته “الصحافي التائه”، قال فيه إن “المسلمين ليسوا عبيداً لفرنسا” دبّت الحماسة في الشاعر والسياسي السوري فخري البارودي، فقرأ تصريح البطريرك في المسجد الأموي. فما كان من المصلّين إلا أن انطلقوا في تظاهرة صاخبة في شوارع دمشق وهم يهتفون “لا إله إلا الله والبطرك عريضة حبيب الله”.

استمرّ البطريرك الرابع والسبعون بولس المعوشي على النهج نفسه، فعارض سياسة الرئيس كميل شمعون رغم انحياز معظم الموارنة لها، وأقام أوثق الصلات مع المعارضة ذات القاعدة الإسلامية. وتربّع خليفته البطريرك انطونيوس خريش على عرش البطريركية منذ بداية الحرب الأهلية، فالتزم نهج الاعتدال وسط النيران المستعرة، وحرص على التقارب بين اللبنانيين ونبذ الاقتتال، لاسيما خلال حرب الجبل.

وتحوّل البطريرك نصرالله صفير إلى زعيم وطني يقود المعارك الكبرى وخلفه قاعدة شعبية واسعة، إسلامية ومسيحية. فهو غطى بجبّته اتفاق الطائف لكي ينهي الحرب الأهلية، وتقدّم الصفوف في معركة الاستقلال الثاني، وتعاون مع وليد جنبلاط لتحقيق مصالحة الجبل.

يحمل البطريرك بشارة الراعي اليوم شعارات تعبّر عن الهمّ الشعبي والوطني، ولا تقف عند حدود الطائفة، وهو يكمل بذلك نهج أسلافه، منذ أن تكوّن لبنان.