//Put this in the section //Vbout Automation

صحة المواطن بين القطاعين الحكومي والخاص – محمد كريشان – القدس العربي

مسكين المواطن المصري هذه الأيام فهو مهدد بالتقاط فيروس «كورونا» في الشوارع المزدحمة التي لا يحترم أكثر من فيها الإجراءات الواجبة للوقاية، أو بالموت إن هو دخل أحد المستشفيات الحكومية مصابا به بسبب الاهمال والفساد، أو بأي مصير إن هو عجز عن دفع المبلغ الكبير المطلوب سلفا من قبل المصحات الخاصة قبل علاجه.
المصري ليس وحده في مثل هذا الوضع المزري لكن أوضاعه هي التي طفت على السطح مؤخرا بعد موت عدد كبير من الأطباء وبعد النهاية الحزينة التي عرفها عدد من مرضى الفيروس في المستشفيات الحكومية، مرة بسبب اندلاع حريق ومرة أخرى بسبب نفاد «الأوكسجين» عن مرضى العناية المركزة. لم تجد فيه السلطات سوى اللجوء إلى نفي لا مصداقية له أو السعي لمحاسبة من سمح بالتصوير داخل هذه المستشفيات وكأن هذه هي الكارثة وليس ما تم تسجيله صوتا وصورة.

المواطن المصري مهدد بالتقاط فيروس «كورونا» في الشوارع المزدحمة التي لا يحترم أكثر من فيها الإجراءات الواجبة للوقاية، أو بالموت إن هو دخل أحد المستشفيات الحكومية مصابا به بسبب الإهمال والفساد




مؤلم جدا ما وصل إليه استرخاص حياة المواطنين في أكبر بلد عربي والمؤلم أكثر حالة الانكار من قبل السلطات وبحثها المتهافت على كبش فداء في كل مرة. أما المؤلم من كل ما سبق فهي أن الدولة الراعية مبدئيا لكل أبنائها لم تعد تكترث بسلامة المواطن ورفاهيته حتى أن الناشط الحقوقي جمال عيد كتب في تغريدة له إن «بناء المستشفيات والمدارس مقدم على بناء الأوبرا والأبراج والكنائس والجوامع» في إشارة إلى ما أنفق ببذخ كبير على مثل هذه المباني في «العاصمة الإدارية الجديدة» دون أن ننسى مشروع توسيع قناة السويس الذي لم يجلب أي موارد جديدة للدولة.
مصر ليست الوحيدة التي عرّاها وباء «كورونا» وكشف عورات بنيتها الصحية المهترئة، تونس كذلك ولبنان، أما تلك الدول التي تعاني حروبا داخلية فحدث ولا حرج مثل اليمن أو ليبيا أو سوريا. وإذا كانت محدودية الموارد والإمكانات في بعض الدول العربية قد تفسر هذا التراجع المخيف للقطاع الصحي الحكومي، مع أن هذا ليس دقيقا تماما لأن نفس هذه الدول تجد ما تنفق به على السلاح أو الأمن أو مشاريع لا فائدة من ورائها ناهيك عن الفساد، فإن ما فضحته الجائحة من جهة أخرى لا يقل سوءا وهو المتعلق بالقسوة أو حتى التوحش التي أصابت أصحاب القطاع الصحي الخاص.
في مصر وتونس ولبنان مثلا، اشتكى المواطنون من أن العيادات الخاصة لم تفعل طوال الأشهر الماضية سوى محاولة استغلال تراجع القطاع الصحي الحكومي لتبتز المواطنين الراغبين في خدمات القطاع الخاص إلى درجة مساومته على حياته تقريبا. أنت لا تستطيع أن تضع رجليك في أي عيادة خاصة دون أن تضع مسبقا مبلغا لا يستهان به كوديعة لتغطية النفقات، وهو مبلغ لا قبل للأغلبية الساحقة من الناس به، وكأنك تقول للناس في ظروف استثنائية تستدعي تكاتف الجميع بلا استثناء، أن لا نجاة إلا للقادر على الدفع أما البقية فليس لهم سوى رحمة الرحمان. وقد أورد بعض المدونين في تونس مثلا أن عيادات خاصة طلبت مبالغ فاحشة من عائلة مريض بعد وفاته وإلا فلن تسلمها الجثمان لدفنه!!
إذن هو ليس فقط نقصا في التجهيزات والمعدات والعناية وفسادا في القطاع الصحي الحكومي بل هو كذلك استغلال وابتزاز وسقوط أخلاقي في القطاع الخاص. ما من خيار أمام المواطن إلا هذا أو ذاك، في وقت كان فيه من المفترض أن يقف القطاع الخاص سندا للدولة في مثل هذه الظروف حتى وإن اضطرت للدولة إلى تسخيره بقوة القانون وباسم المصلحة العليا للبلاد، التي لا معنى لها إلا بالمصلحة العليا لمواطنيها وأولها حقهم في الحياة والصحة. حتى عندما قال رئيس الحكومة التونسي أن بامكان المواطن التوجه إلى العيادات الخاصة إذا تعذر استقباله في المستشفيات الحكومية على أن تتكفل الدولة بمصاريف إقامته تحوّل الأمر إلى موضوع تندر لأن هذه العيادات رفضت ببساطة استقبال هذا النوع من المرضى.
دول الخليج العربية مثلا لم تشهد تنمية سياسية أو تطورا ديمقراطيا يُعتد به، ولكنها أمّنت لمواطنيها في المقابل أفضل سبل رفاهية العيش، ومن بينها قطاع صحي متطور وعصري سواء في القطاع الحكومي أو الخاص الذي انتشر بشكل كبير في كل زاوية. لهذا لم تواجه هذه الدول أوضاعا كارثية في زمن الجائحة، ساعدها في ذلك بلا شك قلة عدد السكان والوفرة المالية، فضلا عن التأمين الصحي الذي يشمل جميع من على أرضها من مواطنين ومقيمين. ومع ذلك فالمال لا يفسر كل شيء لأن دولا مثل الجزائر أو العراق أو ليبيا يفترض أنها ليست أقل غنى لولا ما تعانيه كل دولة.
الرفاه الاجتماعي لا يغني طبعا عن الديمقراطية والحريات، كما أن الانفتاح الديمقراطي يصبح بلا قيمة في دولة تعجز عن توفير مقومات الحياة الكريمة لمواطنيها. المشكل أن أغلب الدول العربية لم تظفر لا بهذا ولا بذاك وهنا المأساة الحقيقية.