لافتات سليماني تنتهك السيادة وتُنذر بنتائج خطيرة

مجد بو مجاهد – النهار

ازدادت في الأسابيع الأخيرة حملات الضغط الداخلية التي يقودها “حزب الله” ومناصروه على الفئات اللبنانية المتنوعّة، بما في ذلك القوى التي تعدّ في مصاف المتفاهمة معه. وتأتي كثافة الصور واللافتات وتسمية الشوارع والطرق على اسم قاسم سليماني مع مرور سنة على مقتله، لترسم رسائل واضحة وصلت قبل ساعات الى حدود لصق صورته على الأرزة اللبنانيّة، بالتزامن مع هجوم مكثّف على مواقع التواصل الاجتماعي لم يستثنِ ناشطين بارزين في “التيار الوطني الحرّ” بسبب تعبيرهم عن مقاربة مختلفة في الرأي.




بعد تطوّر وسائل الاعلام والاعلان والانتقال الى عصر الصورة، لم يسبق لبنان أن شهد ظاهرة مماثلة في طريقة التعبير عنها التي أثارت استفزاز شرائح لبنانية واسعة وشجبهم، في كونها تنتهك سيادة البلاد وتجسّد معاني الاحتلال والتبعيّة والانقسام، فيما يعبّر سياسيون وعلماء عن خطورة النتائج والمخلّفات التي تتركها في الداخل اللبنانيّ.

يرى عضو “حركة المبادرة الوطنية” الوزير السابق أحمد فتفت في حديث لـ”النهار” أنّ العقل الوطني اللبناني لم ينضج أبداً فيما تعتقد الأطراف والطوائف اللبنانية أنّها من خلال الاستقواء بالخارج تستطيع الانتصار على الطوائف الأخرى. أستغرب تعليق صور لسليماني على طريق مطار بيروت ولا نرى صوراً مثيلة لها على طريق مطار طهران. وقد ذكّرت تسمية شوارع على اسم سليماني بتسمية شوارع على اسم محتلّين سابقين. أمّا كثافة الظاهرة وحجمها فمرتبطة بثقافة الضغط من خلال الصورة، وبتطور الاعلام الذي وصل الى كلّ الناس. ولطالما شكّلت صور الزعماء السياسيين في لبنان سبباً للمشاكل. وتعتبر ظاهرة الصورة موضوعاً ثقافيّاً، لكنّها هنا محاولة من طرف سياسي للقول إنّه مسيطر على الأرض وإعلان لاحتلال لبنان وهذه واقعة لا تزعج حزب الله، وهي ظاهرة استقواء على اللبنانيين الآخرين وعدم اعتراف بالدولة”.

ويذكّر فتفت بـ”ما قاله البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في تعريفه للحياد على أنّه عبارة عن عدم الاستقواء على الآخرين بأطراف خارجية”، محذّراً من “أننا أمام موضوع ثقافي خطير حيث تؤدي هذه العقليّة الى الدمار في البلد، لأنها غير مبنية على قوى ذاتية ووطنية. ويمكن أن تؤدي هذه الظاهرة الى صدام داخلي عنيف، وإذا لم يتحقّق الوعي الكافي عند الطائفة الشيعية ستصل الأمور الى مرحلة صدام بين اللبنانيين”.

ويشير الى أنّ “ما يحصل اليوم هو مرحلة رضوخ فيما مسار الأمور سيتّجه أخيراً الى نهاية الدولة اللبنانية في غياب الجرأة لدى المسؤولين اللبنانيين لأجل حفظ السيادة اللبنانية. نحن أمام قوّة محتلّة للبلد عبر حزب الله والباقي مجرّد كومبارس”، لافتاً الى أنّ “الحزب يطبّق الفيدرالية أما بعض المسيحيين فيقولون إنّهم يريدون النظام الفيدرالي، فيما هم عاجزون في ظلّ انهيار كلّ شيء في البلد”.

وعن كيفيّة بلورة حلّ يسهم في الدفاع عن السيادة اللبنانية، يقول فتفت: “تحدّثنا في المبادرة الوطنية أن الحلّ يكمن في مقاومة سياديّة وطنية وتفاهم بين القوى السيادية حول المفاهيم ذات البعد السيادي على الاقل، وعلى رأسها احترام الدستور والالتزام به واحترام الشرعية العربية والقرارات الدولية. وإذا لم تتوحّد القوى السيادية عندها على الجميع تحمّل مسؤولياته. وتكمن المشكلة اليوم في أنّ السيد حسن نصرالله يفكّر وحده بطريقة استراتيجية، أما الباقي فيفكّرون تكتيّاً”.

الطريقة المعتمدة في تسمية الشوارع وتعليق اللافتات لشخصية عسكرية غريبة عن لبنان، هي بحسب تعبير مدير كليّة الآداب في الجامعة اللبنانية – الفرع الثاني، المؤرّخ مروان أبي فاضل عبر “النهار”، بمثابة “ظاهرة غريبة نوعاً ما عن لبنان ولا تعبّر عن حالة وطنية سليمة، مع إشارة الى امكان مقارنتها بمراحل تعليق صور الرئيس السوري حافظ الأسد في بعض المناطق والشوارع اللبنانية أو على بعض الحواجز، علماً أنّها مشهدية ارتبطت وقتذاك بوجود جيش غريب في لبنان؛ وكأن حزب الله يذكّر اللبنانيين اليوم بتلك المرحلة؛ لكن لم يسبق أن صودف مشهد سليماني بنفس الحجم أو الطريقة سابقاً رغم أن بعض اللبنانيين أيّدوا في حقبات مضت أسماء معيّنة وعلّقوا صورها في منازلهم أو على شرفاتهم أو حملوها في المناسبات السياسية، لكن ليس بالشكل الذي نراه اليوم”.

وفي العودة الى مراحل تاريخية قديمة، يتبيّن لأبي فاضل أنه “حتى حقبة الدولة العثمانية التي استمرّت مئات السنين لم تشهد أو تترك خلفها تماثيل أو صور أو لغة، كما يحصل اليوم في الطرق التي يعتمدها حزب الله في ذكرى سليماني، علماً أن المقارنة صعبة مع تلك المرحلة، لأنّ الغالبية اللبنانية كانت ضدّ العثمانيين بما في ذلك الأكثرية السنية التي كانت تؤيد الثورة العربية وانخرطت فيها ما يعني توافر شبه اجماع لبناني على ضرورة رحيل العثمانيين، فيما يتبنى حزب الله اليوم مشروعاً سياسياً مذهبياً يجمعه بايران ويعتبر جزءاً من المنظومة الايرانية استناداً الى خطبه أو مواقف الجهة الراعية له”.

وفي توصيف خطورة ظاهرة تعبير “حزب الله” عن التأييد لسليماني من خلال تعليق اللافتات وتسمية الشوارع على اسمه، يخلص الى أنّها “تكمن في أنّها مرتبطة أوّلاً بخيار طائفي مذهبي وتسيء الى وحدة المجتمع اللبناني ما يعزّز الانقسام، لأنّ اللبنانيين غير متّفقين في ما بينهم على ظاهرة تأييد سليماني أو تعليق لافتات ضخمة له في بلادهم أو تسمية شوارع على اسمه. ويؤدي هذا التصرف الى تباعد أكبر ويعزّز المطالب الانفصاليّة حيث التعبير المستخدم لبنانيّاً هو التقسيم. كما أن زيادة قوّة مجموعة مسلّحة مرتبطة ببعد مذهبي يؤدي بالطوائف الأخرى الى المطالبة بحلّ لبنان أو بنظام خارج إطار السلطة المركزيّة، فيما يضرب منطق السلاح وظاهرة تعليق اللافتات وتسمية الشوارع فكرة الدولة المدنية الموحّدة، مع الاشارة الى أن النظام الطائفي يعزّز بدوره الانقسام وصور سليماني تعبّر عن هذا الواقع. ولولا الانقسام الداخلي لما عُلّقت الصور”.