فضيحة “القرض الحسن” توقظ “الدولة النائمة” …لـ”حزب الله”!

علي الأمين – نداء الوطن

ينتقل “حزب الله” في لبنان من منطق “الدويلة” الى “الدولة”. ليس الأمر كما يبدو عليه للوهلة الأولى، انّها “عودة الإبن الضال” الى كنف الدولة، إنّما الأسف هو تحويل حزب إيديولوجي شمولي مترامي الأهداف والغايات إيرانياً، كأحد أذرع “ولاية الفقيه” بأجنحة سياسية ومالية وعسكرية، الى بديل عن الدولة أو الدولة نفسها!




“الدولة العميقة” التي أرساها “حزب الله” المتجذّرة داخل ثنايا ما تبقّى من شذرات الدولة اللبنانية، وبات يديرها بكلّ تفاصيلها عبر أجهزة تحكّم مباشرة أو “عن بُعد”، يبدو أنّه تمادى الى تجاوز هذا المفهوم، ليصل الى إنشاء نظام إقتصادي مالي مصرفي خارج على القانون، الذي لا تعترف به أصلاً. ولعلّ آخر تجلّياته وأخطرها فضيحة “جمعية القرض الحسن”، وما أظهرته من محاولات “حزب الله” البائسة لطمس نوايا إعلان “دولته النائمة” التي أيقظتها الفضيحة المدوية، عبر “اختراع” نظام مصرفي خاص به خارج القطاع المصرفي ومصرف لبنان، وتنتشر فروعه مع ماكينات سحب الأموال ( ATM) علناً وجهاراً، في المناطق الواقعة تحت نفوذه، ويقدّم “رشى دولارية طازجة” ( fresh money) لمناصريه ـ مودعيه بشكل منتظم، التي يسطو عليها من الدولار المدعوم والمهرّب، وعلى عين اللبناني من خارج دائرته المرذول والمذلول على أبواب المصارف “الشرعية” التي تستولي على جنى عمره.

فمؤسّسة القرض الحسن هي جمعية لبنانية من حيث الترخيص الذي نالته في العام 1987 كجمعية من وزارة الداخلية، وهي، بطبيعة الحال كما هو معروف، تابعة لـ”حزب الله” وإن كان هناك جدل خافت حول تأسيسها ومن هي الجهة التي أسّستها، الا أنّه لاحقاً تمّ دمجها مع مؤسّسة بيت المال، وهي مؤسّسة حزبية داخلية فيما “القرض الحسن” كانت تُعنى أيضاً بمن هم خارج “الحزب”، وهي الى جانب جملة المؤسّسات والجمعيات التي كانت فروعاً لمؤسسات ايرانية، أشرفت عليها ايران مباشرة قبل العام 1993، أسوة بمؤسّسة “جهاد البناء” ومؤسّسة “الشهيد” ومؤسّسة “الجرحى” و”جمعية إمداد الإمام الخميني”، وغيرها من المؤسّسات الإجتماعية والإقتصادية والدينية والتربوية والصحّية العديدة، التي بدأ “الحرس الثوري الإيراني” إنشاءها بعد قدوم نحو أربعة آلاف مقاتل من عديده الى منطقة البقاع، غداة الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

لا شكّ أنّ هذه المؤسّسات التي شكّلت أذرعاً للتمدّد والنفوذ داخل البيئة الشيعية، بقيت مرتبطة مالياً وإشرافاً بالمركز الإيراني. وهي كانت تخضع بشكل علني لمُشرفين إيرانيين مباشرين، وهو ما عاد وتراجع في الشكل من دون أن تفقد قيادة “الحرس” دورها القيادي الفعلي، وإن كان عبر قيادة “حزب الله” ومن خلالها. وهو أمر فرضته مقتضيات مرحلة ما بعد اتفاق الطائف في العام 1990، حيث عمدت ايران الى إدراج هذه المؤسّسات وسواها تحت إشراف قيادة “حزب الله”. وفي تلك الفترة، بدأ تحويل تلك المؤسسات من كونها فروعاً للمؤسّسة الأمّ في ايران، الى جمعيات ومؤسسات تجارية وشركات لبنانية، من دون أن يطاول ذلك عملياً طبيعة النشاط أو التوجّهات والأهداف التي قامت من أجلها، وهي بالدرجة الأولى ترسيخ النفوذ الإيراني وتعزيزه عبر ما يعرف بولاية الفقيه، كعنوان للسيطرة والتحكّم الكامل بالبيئة الشيعية على وجه الخصوص.

الخرق الإلكتروني الأمني الذي طاول جمعية مؤسّسة القرض الحسن (قبل أسبوع) التي أدارها وأشرف عليها لنحو ربع قرن أحد القيادات المؤسّسة لـ”حزب الله” حسين الشامي، والذي استقال من إدارتها لأسباب صحّية قبل عدّة سنوات، كشف عن حجم الأعمال المالية في هذه المؤسّسة، والطبيعة التجارية والمالية لها، إذ أظهرت الأرقام المسرّبة وجود مئات آلاف الحسابات الدائنة والمدينة فيها، بل أظهرت حجماً من التعاملات المالية مع عدد من البنوك اللبنانية. وبالرغم من صدور بيانات نفي من معظم هذه البنوك، لجهة نفيها وجود أي حساب مصرفي باسم جمعية القرض الحسن، فإنّ بعض المطلعين على النظام المصرفي اللبناني، يؤكّدون أنّ هذه المؤسّسة كان لها في السابق حسابات مصرفية، ولكن تمّ إغلاقها في معظم البنوك المتعاملة بعدما فرضت العقوبات الأميركية على “الحزب” ومؤسّساته.

ولكن الى جانب هذه الحسابات، كان لدى المؤسّسة حسابات بأسماء شركات وأفراد، ثمّ جرى اعتماد هذه الوسيلة من أجل الإستثمار، من جهة في سندات الخزينة، ومن جهة أخرى عبر الإستدانة من مصرف لبنان، بأسماء شركات تعمل في مجال المقاولات أو في الإستيراد والتصدير. وأتاح نفوذ “حزب الله” الأمني والسياسي، توفير ديون من المصارف اللبنانية بعشرات المليارات لهذه الشركات والمؤسّسات، التي شكّلت مورداً مالياً له ولمؤسّسة القرض الحسن التي كانت تتولّى إدارة العمليات المالية على هذا الصعيد.

الخرق او “الهاكرز” الذي تعرّضت له مؤسّسة القرض الحسن، كشف الى حدّ بعيد معالم المؤسّسات المالية التي يمتلكها “حزب الله” وحجمها، من دون أن تتّضح طبيعة الجهة التي قامت به، أكانت جهاز دولة ما، أم مجموعة من المحترفين، في وقت تذهب بعض الترجيحات الى أنّ من يقف وراء هذه العملية قد تكون أجهزة استخبارية استنفدت حاجتها من الخرق فكشفته، فيما البعض الآخر لا يرى أنّ الأجهزة الإستخبارية معنية بالكشف عمّا تحقّقه على هذا الصعيد، بل تعمل على إبقاء الأمر سرّياً طالما أنّ الخرق لم يتمّ كشفه.

ما تُظهره مؤسّسة القرض الحسن، هو حجم الإستثمار في مشروع الدويلة التي تشكّل الركيزة للنفوذ الإيراني، وإذا أُضيف ما جرى تعميمه على المستوى الإيديولوجي في سبيل ترسيخ “المجتمع النقيض” ووجه الدويلة فيه، فإنّ ذلك يرسّخ حقيقة أنّ لبنان يتّجه نحو مزيد من الإنهيار، ولبنان هنا هو الدولة التي بات من الصعوبة بمكان استعادتها طالما أنّ نظام المصالح فيها بات مرهوناً لمشروع نفوذ خارجي. نفوذ، تجري عملية فرض رموزه من خلال مؤسّسات تدمّر الدولة باسم حماية الايديولوجيا، وتقوّض رموز الوطن لصالح رموز مُستدعاة من خارج الحدود.