غسان الحجار - النهار

“جوّع كلبك يتبعك” – غسان حجار – النهار

قبل أيام توفي السيناريست المصري وحيد حامد الذي عُرف بغزارة انتاجه ونوعيته في نقد الفكر السائد، المتخلف غالباً. ولا تكمن اهمية حامد في كونه كاتباً فحسب، وانما صاحب فكر عميق عمل على التصدي للارهاب من خلال تحريك الحسّ النقدي، ومن خلال تصحيح المفاهيم الخاطئة عند البعض. وتعود بي الذاكرة الى مؤتمر”ربيع بيروت” العام 2012 الذي حلَّ عليه حامد ضيفاً استمعتُ اليه من دون ان اكون على معرفة به، واذكر ان تساؤلاته في ذلك الحين، وخلاصاته علقت في ذهني، كما صاحبها الذي نسيته دهراً قبل ان اقرأ خبر وفاته. تساءل في ذلك الحين: “يبقى الربيع العربي موضوعاً ساخناً، وأراني في حيرة من أمري أهو ربيع شعوب أم شيخوخة طغاة، سيخلفهم طغاة آخرون يحكمون بوسائل قمع مختلفة؟”. وخلص الى ان “زراعة الجهل ساعدت الحكام على البطش بالشعوب، وبعضهم أخذته نشوة القوة واتّبع القول الذي آسف لذكره لكنه حقيقي: #”جوّع كلبك يتبعك”، فالفقر جعل الشعوب خاضعة دائماً وأبداً ولا تهتم بشيء إلا بتحصيل رزقها”. وشدّد على ان “الشعوب العربية لن تتخلّص من السيطرة الاجنبية إلا حين تختار الحاكم الأصلح”.

لا تزال تلك العبارات ترتسم أمامي، فالتجربة العربية واحدة، وان اختلفت انظمة الحكم، لان الشعب العربي واحد على امتداد هذا العالم الذي يعيش على امجاد الماضي. حتى اللبناني الذي ظل يفاخر بانه مختلف في دنيا العرب، اثبت تكرارا انه من الاسوأ، لانه ارتضى تكرار الحروب والاخطاء، ولم يحفظ انتفاضة او ثورة، وارتضى الذل والجوع لأجل حفنة من المسؤولين الذين حوَّلوه كلباً لاهثاً وراء “عضمة”. هذه هي حالنا اليوم. اللبناني لاهث وراء ودائعه المصادَرة من المصرف، ولاهث وراء تعويضه في الضمان الاجتماعي عله يفيد من تحويله دولاراً قبل فوات الأوان، وقد فاته القطار، واللبناني لاهث وراء لقمة عيشه التي باتت مهددة، والدواء الذي صار مقنناً، واللبناني لاهث وراء تأشيرة سفر الى اي مكان في العالم المتحضر.




ما بين “ربيع شعوب وشيخوخة طغاة” يتأرجح هذا اللبنان، ربيع بيروت شهد محاولات في العامين 2005 و2017 تحديداً، ولم تتمكن الشعوب اللبنانية من بلوغ هذا الربيع بسبب عدم تماسكها من جهة، وبسبب توحّد الطغاة في ما بينهم لحفظ مكاسبهم ومصالحهم. الطغاة في لبنان، وهم يمثلون كل الاحزاب والطوائف، المختلفون علناً، المتواطئون ضمناً، بلغوا مرحلة الشيخوخة، بالعمر والعطاء، وبدأ الجفاف، بل اليباس يغزوهم، اضافة الى فساد يسوّد وجوههم وايامنا. شيخوخة الطغاة هذه لا يمكن ان تستمر إلا اذا استمر تجويع الشعب، وهذا ما يحصل، وربط مستقبله وحياته وامواله ومقتنياته، بهذا الزعيم او ذاك، لحفظ مقعده، او ضمان وراثته. حتى الذين يدافعون عن الحداثة في لبنان ارتضوا الوراثة السياسية، ولو من دون جدارة، للمحافظة على مكتسبات تبدو هزيلة امام الواقع الذي بلغته البلاد، ودعاة التغيير يتحدثون عن مشاريع اقتصادية واجتماعية لأحزاب السلطة، تلك التي اوصلتنا الى ما نحن عليه.

إن إفقار اللبنانيين على النحو الحاصل حالياً يؤكد مقولة حامد “جوّع كلبك يتبعك”، ومعظم اللبنانيين على هذا الدرب سائرون.