ارتفاع العملة في التداول 250 في المئة خلال عام… ما مصير سعر الصرف والتضخم؟

الليرة اللبنانية الموضوعة في التداول هي العملة المطبوعة وقد كَثُر الحديث عن تخزينها في المنازل بدلاً من المصارف، وعن تبديلها بالدولار لدى الصّرافين وفي السوق السوداء.
ارتفعت كميتها بشكلٍ كبيرٍ، بعدما تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي أكثر من 460 في المئة، وبعدما ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك في شهر تشرين الثاني من عام 2020 بنسبة 133,47 في المئة مقارنة بالفترة عينها من العام السابق، ارتفعت كمية الليرة اللبنانية في التداول أو ما يعرف بالـ (بنكنوت)، بنسبة 250 في المئة، ما بين تشرين الأوّل من عام 2019 والشهر عينه في 2020. والارتفاع ما بين الشهر نفسه من 2020 مقارنةً بعام 2018 وصل الى نسبة 362 في المئة تقريباً. إلا أن لهذا الارتفاع الكبير أسباب عدة وانعكاسات سلبية، فما هي أسباب هذه الزيادة وما هي الانعكاسات؟ وما هو الحل الواجب اتباعه؟
يعزو الخبير الاقتصادي الدكتور منير راشد الإرتفاع الكبير في كميات الليرة اللبنانية في التداول الى “السحوبات النقدية التي ازدادت في ظلّ الأزمة الراهنة، فيما #المصرف المركزي مرغم على تلبية هذه السحوبات لأنها بالعملة المحلية، فضلاً عن التعميم الذي صدر عنه والذي يمكن بموجبه لصاحب الوديعة بالدولار أن يسحب منها بالليرة اللبنانية على أساس سعر صرف مختلف عن السّعر الرسمي هو الآن 3900 ليرة”.
بالإضافة إلى ذلك، باتت الثقة في النظام المصرفي مهتزّة، إذ لا يجرؤ المودعون عند حصولهم على “نقدي” بالليرة أو بالدولار الى ايداعها في المصارف، كل ذلك أدّى إلى ازدياد الحاجة إلى طبع الليرة.
وبحسب الأستاذة الجامعية الدكتورة ليال منصور: “طبع الليرة يعني تضخماً، وبما أننا أمام تراجع في النمو الاقتصادي فهذا التضخم سلبي، لأنه لم يؤدِ إلى انتعاش الاقتصاد”.
الليرة في التداول وسعر الصرف
لذلك يجب معالجة هذه الحالة، من زاوية تأثيرها على التضخم وسعر الصرف؛ فهذه الكمّية الكبيرة للّيرة اللبنانية في التداول أدّت، ومن دون أدنى شك، إلى التدهور في سعر الصرف ومن ثم إلى التضخم. يضيف راشد: “هذه السحوبات بالليرة اللبنانية لا تذهب بأكملها إلى الاستهلاك بل إلى التخزين، ولكن قبل ذلك تستبدل بالدولار الأميركي”، وعندما تُستبدل الليرة بالدولار، يعني ذلك أنّ الطلب على العملة الخضراء قد ازداد في ظلّ معروض نقدي بالعملة المحلية كبير جدّاً، فهذا الموضوع هو من العوامل المؤثّرة في استمرار تدهور سعر الصرف في السوق السوداء”.
الليرة في التداول والتضخم
من البديهي أن يؤدّي التراجع الحادّ في قيمة الليرة اللبنانية إلى ازدياد الأسعار، لأنّ لبنان يعتمد على الاستيراد بشكلٍ أساسي، والسلع المنتجة محليا تدخل فيها موادّ أولية مستوردة، من هنا يؤثّر هذا الطّبع على التضخم الحاصل. والمصرف المركزي الذي من أهم وظائفه، “أقلّه نظرياً في لبنان”، الحدّ من التضخم، تراه من جهة مُرغماً على طبع الليرة لتلبية الطّلب المرتفع، ومن جهةٍ ثانية لا يقدم حلولاً ومبادرات لتخفيف هذا الانهيار الشامل للاقتصاد. وإذا كان مصرف لبنان سلطة نقدية لا يتخذ قرارات سياسية ولا يضع استراتيجيات الدولة العريضة، يَتّهم مراقبون السلطة الإجرائية التي لم تتخذ حتى الساعة تدابير صارمة، ولم تختَر وجهة الحلّ المناسبة.
وتربط منصور “الزيادة في طبع الليرة بفقدان الدولار من الاقتصاد. من هنا تظهر الحاجة إلى بديلٍ، ليأتي استبدال الدولار بالعملة المحلية كحل”. أمام هذا الواقع، تراجعت الثّقة بين المواطن والجهاز المصرفي بشكل كبير. فهذا القطاع الذي لطالما وفّر فرصاً للعمل، ووُصِف بأنّه رافعة لبنان الاقتصادية، خسر صدقيته لدى المودع الذي بدل أن يحصل على وديعته بالدولار، أعطي حفنة من الليرات تساوي أقلّ من نصف سعر الصّرف في السوق السوداء، التي تقول عنها السلطات النقدية والمالية دائماً بأنها غير شرعية ولا تعرف الدولة عنها شيئاً، إلّا أنّ كل الشعب يتداول بأسعارها يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي. وللمفارقة عند التكلم عن التضخم في لبنان نربط الأمر بأسعارها.
ويشرح راشد أنّه “بسبب تراجع الثّقة بين المواطن والمصرف، يسحب الأوّل من الأخير بشكلٍ مستمرٍّ ما يسمح له من الليرات من حساباته المصرفية، (أكان بالدولار أو باللبناني) بهدف الاستهلاك، لكنّ القسم الأكبر يذهب إلى السوق السوداء ليحلّ محلّه الدولار في سبيل التخزين”. يأتي ذلك على خلفية الخوف من تدهورٍ جديدٍ لسعر الصرف على أثر الأفق غير الواضح في موضوع تشكيل الحكومة، وأيضاً بسبب غياب القرار “الإيجابي” بشأن الإصلاح الاقتصادي في لبنان.
انخفضت بعض فئات الودائع إلى حدّ النصف تقريباً في المصارف اللبنانية. ولن يتوقف الأمر هنا، فبحسب خبراء سيشهد 2021 تدهوراً جديداً في سعر الصرف، وتسريحاً لآلاف العاملين في القطاع المصرفي إذا استمرّت السلطة السياسية في عدم مسؤوليّتها.
السيادة النقدية تتراجع أمام الدولرة
لم تتراجع الدولرة في القطاع المصرفي بعد السماح بسحب الدولارات بالعملة اللبنانية على أساس سعر المنصّة. ولكن ما لا نعرف أرقامه هو نسبة الدولرة خارج المصارف، أقصد بذلك الدولارات في المنازل. هذه الدولارات لا يمكن للمركزي أن يعرف كميتها لأنّها ليست العملة اللبنانية التي له سيطرة عليها. ولكنّ التحليلات تُشير إلى أنّها كبيرة بطبيعة الحال، وهذه الدولرة الكبيرة غير المعروفة، هي تحدٍّ للسيادة النقدية، يأتي ذلك بعد فقدان الثقة بالعملة المحلية.
هذه الدولرة الكبيرة خارج القطاع المصرفي، وفي داخله أيضاً، كانت قد أودت ببلدان في أميركا اللاتينية نحو الدولرة الشاملة، وإن كنّا في لبنان نمضي قدماً نحو الدولرة بنسبٍ أكبر، وذلك بشكلٍ غير رسمي. أي إن السلطة لم تذكر في نصوصها مكانة الدولار في الاقتصاد، إلّا أنّ ذلك أصبح واقعنا، وهذا الواقع يضغط على السيادة النقدية وينقصها، ولا يمكن التوقع منه بأن يأتي بحلولٍ على الاقتصاد. لكنّ الأمثل الذي يأتي بحلولٍ ومعالجات للوضع، هو صندوق الإصدار أو مجلس النقد، في رأي بعض المختصين.
صندوق الإصدار آخر حلّ لبلد مدولر ومنهار مثل لبنان
إن أردنا تفسير هذا الصندوق بشكل بسيط، هو أن تضع السلطة في صندوق كمية من الدولارات كتغطية للعملة اللبنانية المتداولة، وكلما ازدادت العملة في التداول وجب زيادة كمية التغطية، لإبقاء قيمة الليرة مستقرّة. وتشرح منصور أنّ “التغطية تكون للعملة الوطنية في التداول، لا للعملة اللبنانية في التداول بالإضافة إلى الودائع كما يظنّ البعض، الأمر الذي يقلل كمية الدولارات اللازمة”.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنّه مع تقدّم أرقام العملة المحلية المتداولة تزداد الكمية اللازمة من الدولارات. فما كان يجب وضعه في الصندوق من 6 أشهر تضاعف اليوم بشكل كبير. إلا أنّ هذا الأمر من شأنه التخفيف من تدهور الليرة، ومن ثم إعادة شيء من القيمة التي فقدتها، الأمر الذي يستتبع أن لا يكون هناك حاجة بعد ذلك إلى الدعم كما هو بشكله الحالي. بالإضافة إلى ذلك يعيد، بحسب الخبير الاقتصادي الدكتور باتريك مارديني: “الثقة بالليرة، الأمر الذي يؤدّي إلى دخول رساميل جديدة إلى لبنان فيتحرّك الاقتصاد”.
في ظل هذا الواقع، وأمام هذه الأرقام السّيئة، التي ترتفع حدّتها مع كل يوم تأخير في اتخاذ القرار المناسب بشأن الحل، يتكبد الاقتصاد والشعب خسائر كبيرة، وتصبح تذكرة العودة مع تقدّم الوقت مرتفعة للغاية. الإنقاذ ضروري وحتمي والانتظار خانق ومميت، فأي معطيات خارجية وداخلية أهم من لقمة عيش اللبنانيين ومستقبلهم؟
النهار