على هامش الانهيار الكبير: تقوقعٌ درزي وضياعٌ سني

قاسم يوسف – أساس ميديا

“لن أسمح بأن تجوع عائلة درزية طالما المختارة موجودة، ولو اضطررت لبيع كل أملاكي وحتى المختارة، لكن لن أقبل بأن تجوع عائلة درزية أو تطلب المساعدة ولا أستطيع تلبية حاجاتها”. تحت هذا العنوان الهائل اختصر وليد جنبلاط معالم المرحلة المقبلة، وقد ألحقه بسلسلة إجراءات ومناشدات، بدأت بالحديث عن ضرورة جمع المساعدات وتوزيعها بهدف إغاثة المحتاجين والفقراء، مرورًا بضرورة تربية الدواجن والحيوانات المنتجة، وصولاً إلى التركيز على تطوير الزراعة واستصلاح الأرض واستقدام الآليات المخصّصة لحصاد القمح وغيره.




جنبلاط خاطب الدروز بكل وضوح: عليكم أن تعودوا إلى الارض، ازرعوها، وأنا مستعدّ أن أقدّم لكم الأراضي التي أملكها، ازرعوا القمح والبطاطا والحمص. وقد بادر فعلاً إلى استيراد بذار البطاطا والقمح والحمص من الخارج وقام بتوزيعها مجانًا على المزارعين، كما قام باستيراد الجرّارات الزراعية وتوزيعها على القرى، وكثّف المساعدات المالية، التي قاربت 4 ملايين دولار شهريًا، وفق بعض الروايات المتداولة. بالإضافة إلى تأمينه الأدوية للمحتاجين، وخصوصًا للأمراض المستعصية، وعمد إلى دعم وتجهيز بعض المستشفيات الأساسية في المناطق الدرزية. ناهيك عن المساعدة في دفع أقساط طلاب الجامعات، وتوزيع مادة المازوت تزامنًا مع حلول فصل الشتاء.

يدرك وليد جنبلاط أنّ المعركة هذه المرّة مختلفة تمامًا عن سابقاتها، وأنّ عنوانها الأساسي يُختصر بالقدرة على الصمود في مواجهة الانهيار الشامل، وهو انهيار أطلّ برأسه من بوابة الاقتصاد، وستستمرّ فصوله لتطال كلّ شيء. وربما يمكننا الاستناد إلى كلامه في توصيف المرحلة المقبلة، حيث يقول ما حرفيته: “ربما كان الماضي أسهل، كان معنا حلفاء على امتداد الوطن، كانت الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، وكانت وراءنا سوريا والاتحاد السوفياتي، وهذا هو الواقع التاريخي، أما اليوم فإنّنا نعاني من حصار كبير من الداخل والخارج، نحن نعيش حصارًا سيزداد ودون أفق، والمعركة اليوم ليست عسكرية ولا بالسلاح، ولذلك لا بد من الصمود من أجل الوجود”.

هي معركة وجود إذن، وهذا ما يقتضي أوّلاً الثبات والحفاظ على أرضية صلبة في وجه العاصفة التي ستهبّ بلا هوادة، ويقتضي أيضًا إعادة رسم خارطة الحراك السياسي انطلاقًا من الواقعية التي تفرضها التوازنات الداخلية والتداخلات الجغرافية والديمغرافية، حيث أنّ التنوع المذهبي والطائفي في غالبية المناطق الدرزية، بالإضافة إلى التكتلات السنية والشيعية الكبرى في المناطق المحاذية، يفرض على جنبلاط اعتماد الحياد الإيجابي وعدم التورّط في أيّ اشتباكات عسكرية أو توترات لا طائل منها. وبالتالي فإنّ الخيار الطبيعي يذهب نحو ما يشبه التقوقع لحماية الذات، بعيدًا عن محاولات التوسع أو التوثّب نحو تغيير المعادلات القائمة بشكل جذري، مع الاحتفاظ بسقف وهامش معقول استطاع الرجل أن يحفره بعناية عقب حادثة قبرشمون. وهو سقف يقتصر على حماية مناطقه بكلّ الوسائل الممكنة والمتاحة، وذلك انطلاقًا من إمكانية التحالف أو ربط النزاع مع هذا أو ذاك، وصولاً إلى القدرة على الحضور الأمني والعسكري وفرض الأمن الذاتي عند الضرورة القصوى.

بطبيعة الحال، لن يكون طلال ارسلان أو وئام وهاب، وغيرهم من الشخصيات الدرزية، خارج السياق العام لهذا التصوّر، مع إمكانية الاختلاف حول بعض التفاصيل. لكنّ الثابت لدى الجميع، أنّ حماية المناطق الدرزية، ومساعدة أهلها على الصمود بوجه الانهيار الاقتصادي، هو أولوية مطلقة، وهو السبيل الوحيد لبقاء الدروز في صلب المعادلة السياسية والوطنية متى عادت الأمور إلى نصابها، أو متى دقّت ساعة الجلوس إلى طاولة التسوية.

هذا الطريق الذي يسلكه وليد جنبلاط، سلكه أيضًا حزب الله والقوات اللبنانية، كما أوضحنا في الحلقة الأولى من هذا النقاش، فيما غاب عنه السُنّة تمام الغياب، في الشقّ السياسي، كما في الجوانب الاجتماعية، وهو غياب لامس حدود الارتباك والتخبّط والضياع، في ظلّ غياب أيّ خطة ملموسة لمواكبة الانهيار المقبل، وأي محاولة جدية لاستشراف المرحلة المقبلة وتحديد معالمها ورسم خارطة طريق للتعامل معها.

على مستوى دار الافتاء ورؤساء الحكومات والفعاليات السياسية السنّية، ينحصر النقاش باليوميات والتطوّرات والمماحكات الداخلية، فيما يغيب أيّ تصور استراتيجي يتعلق بكيفية التعاطي مع الانهيار الشامل حال وقوعه.

ويمكن هنا، على سبيل المثال لا الحصر، أن نراجع كلّ البيانات التي صدرت عن رؤساء الحكومات منذ عام كامل، لنجد أنّ كثرتها الكاثرة تتعلق بالحديث عن الصلاحيات التي يحاول رئيس الجمهورية الاعتداء عليها بشكل متواصل. ناهيك عن البيان الرهيب الذي حذّر من المس بنائب سابق لحاكم مصرف لبنان، وعن الانتفاضة المتسرّعة التي أعقبت قرار المحقق العدلي بالاستماع إلى رئيس الحكومة حول انفجار مرفأ بيروت. لكنّنا لم نلحظ وجود بيان واحد أو أيّ نشاط ملموس يتعلق بإغاثة الناس، أو بالبحث عن بدائل جدية، في الداخل أو في الخارج، لتشكيل الحدّ الأدني من شبكة أمان اجتماعية، لا سيما في المناطق السنية الأكثر فقرًا، والتي تعاني من إهمال مزمن، ومن ضائقة لامست حدود الاختناق.

تيار المستقبل، وهو الأكثر حضورًا في المناطق السنية حتّى الآن، غائب تمامًا عن السمع، وهو إذ يبرّر غيابه بالأزمة المالية الخانقة التي يعانيها منذ سنوات، يغيب أيضًا عن ممارسة دوره المطلوب في استنهاض الهمم وفي إطلاق ورشة مفتوحة للتواصل والتنسيق مع أهل الخير والمتموّلين في الداخل والخارج للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية والمعيشية الضاغطة. وكأنّه غير معني بأي شيء على الإطلاق.

كما وتغيب دار الإفتاء أيضًا عن لعب دورها المؤثّر في رفع الصوت وفي تحصين البيئة السنية من آثار الانهيار الكارثي. فيما تشهد غالبية المؤسسات السنية الفاعلة تراجعًا هائلاً لامس حدودًا غير مسبوقة. ويمكن هنا أن نلقي نظرة سريعة على جمعية المقاصد الخيرية التي أغلقت العشرات من مدارسها بسبب العجز والإفلاس، وهي التي وُجدت أساسًا لتعليم الفقراء والمحتاجين، رغم الجهود الاستثنائية التي يبذلها رئيس مجلس أمنائها الدكتور فيصل سنّو.

في الجانب السياسي، تعاني البيئة السنية من أزمة ثقة تسبّبت بها السياسات المعتمدة على مدى العقد المنصرم، لا سيما لجهة التسويات المجانية ومنطق الاستسلام تحت عناوين المصلحة الوطنية. ناهيك عن تشظيات داخلية وانشقاقات متلاحقة في بنيان الحريرية السياسية وتيار المستقبل، ما ساهم على نحو كبير في إضعاف هذه الجبهة التي صارت تفتقد أيضًا إلى حاضنتها الإقليمية، في مقابل توسّع هامش الزعامات المناطقية. فالسنّي الأوّل في البقاع، بحسب نتائج انتخابات 2018، هو عبد الرحيم مراد، والأوّل في طرابلس هو نجيب ميقاتي، وكذلك هي الحال بالنسبة للمناطق الأخرى.

ما يعنيه هذا النقاش، هو أنّ السُنّة استحالوا أطرافًا كثيرة، ضمن مناطق مفتوحة أساسًا على العبث الأمني والسياسي. فالأطراف المحسوبة تاريخيًا على النظام السوري آخذة في التوسّع السياسي انطلاقًا من نشاطها الاجتماعي، فيما يتغلغل حزب الله سياسيًا وأمنيًا ضمن المجتمع السنّي، عبر شخصيات مقرّبة منه، وعبر “سرايا المقاومة” التي باتت موجودة في غالبية المناطق السنية، لا سيما تلك التي تُشكل رأس حربة في مشروع مواجهته.

في المحصلة، يُحصّن حزب الله ساحته الداخلية ويتوثّب للعبث في الساحات الأخرى، لا سيما الساحة السنّية، بينما يتحضّر سمير جعجع لتثبيت أرضيته والتوسّع ضمن الساحة المسيحية، ويتقوقع وليد جنبلاط في مناطقه وبين ناسه بانتظار مرور العاصفة، وجميعهم يتطلّعون إلى المرحلة التي ستلي هذا الانهيار. إذ أنّ ثباتهم على الأرض يعني قطعًا وجودهم على طاولة التسوية.

في المقابل، يغيب السنة عن هذه الحقائق الساطعة، ويذهبون نحو التلهي بقشور لا تسمن ولا تُغني من جوع، فيما يتوثب الجميع نحو قضم حضورهم الوازن في بنية النظام، وإذا كان الحديث عن اخراج السنة من المعادلة السياسية والوطنية لا يستوي اطلاقًا، نظرًا لحضورهم الديمغرافي وعمقهم العربي، فإن الذهاب نحو مشاريع استهدافهم واستنزافهم بغية الوصول منهكين ومشتتين إلى الطاولة، هو أحد العناوين المركزية الكبرى في المرحلة المقبلة، ولا بد من التعاطي معها على هذا الأساس، ولا بد لمواجهته أن تبدأ أولاً بتحصين الساحة الداخلية والبيئة الحاضنة على المستوى الاجتماعي والمعيشي، وثانيًا بإعادة توحيد البوصلة السياسية واستعادة الحضن العربي والاقليمي.

كيف السبيل لفعل ذلك؟ ماذا عن “سعوديّة” الأمير محمد بن سلمان؟

الجواب في الحلقة المقبلة..