لبنان 2020.. عام الانفجار الضخم والانهيار الكبير

أيمن شروف – الحرة

صحيح أن العالم بأسره عانى من سنة مليئة بالأحداث، أثرت على الدول كافة بنسب متفاوتة قد تكون متقاربة في غالب الأحيان، إلا في لبنان. فعام 2020 كان استكمالاً لنهاية سلبية للعام الذي سبق، فاستهل اللبنانيون هذا العام وهم مدركون لما ينتظرهم، أو أقله كانوا يدركون أن الأمور لن تكون وردية.




في 17 أكتوبر من العام 2019، نزل اللبنانيون إلى الشارع للتعبير عن سخطهم من الواقع السياسي والاقتصادي الذي وصلوا إليه، ومن هناك لم يعد أي شيء إلى سابق عهده، مع العلم أن مؤشرات الانهيار لم تظهر فجأة بعد 17 أكتوبر بل سبقت ذلك التاريخ، وبدا واضحاً أن البلاد تتهيأ لما هو أسوأ وتحديداً اقتصادياً مع إشارات واضحة إلى أن العملة إلى تراجع، فضلاً عن الركود الذي تسببت به السياسات المعتمدة، أو غالباً غياب السياسات الناجعة.

الواقع الذي عاشه الناس ورأوه حقيقة بعد 17 أكتوبر، أي أن بلادهم ذاهبة إلى انهيار محتوم وكُل الوعود التي أُغرقوا بها ليست سوى محاولات لكسب الوقت، صار حقيقة مرة في 2020 على الصعد كافة، من انهيار العملة وأزمة الدولار والمصارف، مروراً بالعقم الحكومي والاحتجاجات الشعبية والأزمة المعيشية وغلاء الأسعار، والعقوبات والمبادرات، وبينها وأهمها، كان الانفجار الكبير في مرفأ بيروت، 4 أغسطس 2020، التاريخ الذي سينطبع في ذاكرة اللبنانيين لأعوام كثيرة مقبلة.

يوثّق هذا التقرير الأحداث التي مرت على لبنان بالتفصيل وبالتواريخ، مع إعطاء خلفية واضحة حول غالبية الأحداث التي حصلت والتي كان لها تأثيرها على الصعد كافة.

يناير.. حلم دياب.. وليلة المصارف

بدأ اللبنانيون عامهم الجديد، مع سعر صرف لليرة تجاوز عتبة الـ2100 ليرة مقابل الدولار الواحد، فيما سعر الصرف الرسمي كان ولا يزال حتى اليوم 1515 ل.ل. هذا الواقع كان استكمالاً لمؤشرات انهيار العملة الوطنية شيئاً فشيئاً، واستمر سعر الصرف بالارتفاع طيلة هذا الشهر ليصل إلى 2500 ليرة مع عدم قدرة السلطات على ضبطه.

وبدأ شهر يناير، تحديداً في اليوم الثاني منه مع مذكرة توقيف صدرت عن “الإنتربول” بحق المدير التنفيذي السابق لشركة “نيسان” كارلوس غصن لاتهامه بسرقة ملايين الدولارات على مدى سنوات عمله على رأس المصنع الياباني الشهير.

كان غصن استطاع الفرار من اليابان قبل يومين رغم أنه كان تحت المراقبة، وتقول المعلومات إنه استعان بفرقة مدربة لإخراجه من طوكيو إلى تركيا ومن ثم لبنان.

Lebanese protestors wave flags and shout anti-corruption slogans outside the parliament during a protest in downtown Beirut on…
.

وشهد شهر يناير استمرار المحتجين بالتعبير عن غضبهم واعتراضهم على السياسات الحكومية، فقطعت في التاسع منه طريق الشمال بالقرب من مدينة طرابلس ما أدى إلى مواجهات مع الجيش اللبناني الذي أُصيب منه بعض العناصر من جراء رشق الحجارة من قبل المحتجين، وتوازياً في اليوم التالي أي في 10 يناير، شهدت العاصمة اللبنانية بيروت احتجاجات متجددة هذه المرة كانت ضد رئيس بلدية بيروت ومحافظ المدينة حيث قام مؤيدوهما بضرب المحتجين.

وفي اليوم نفسه، أي 10 يناير، وفي خطوة أعطت مؤشرات واضحة حول تسارع الانهيار المالي في لبنان، أعلنت الأمم المتحدة أن سبعة دول تخلفت عن سداد مساهمتها لدى الأمم المتحدة، وكان من بين هذه الدول لبنان الذي اكتفى بالإعراب عن أسفه لعدم تمكنه من سداد مساهمته المالية في أهم صرح دولي.

وتوازياً مع كل هذا، استمرت المظاهرات في الشارع، في مناطق لبنانية عدة، مع مواجهات كبيرة حصلت مع الأمن والجيش، كانت ذروتها في 15 يناير، الليلة التي اصطُلح على تسميتها ليلة المصارف حيث تم حرق العديد من الأفرع وتحديداً قرب مصرف لبنان في شارع الحمرا واعتقلت قوات الأمن حوالي 59 متظاهراً، وشهدت الأيام التالية استخداماً مضاعفاً للعنف الذي طال الصحافيين والمحتجين وقام الأمن باعتقال عشرات الأشخاص.

واستمر الوضع على ما هو عليه، احتجاجات تواجه بالعنف من قبل الأمن إلى 22 يناير التاريخ الذي شهد إعلان تشكيل حكومة جديدة في لبنان برئاسة حسان دياب وعدت بتحسين الوضع المالي، وقامت بعد أيام، في 27 يناير بالإعلان عن موازنتها والسياسة المالية التي تعتمدها لتحسين الأوضاع الاقتصادية، ولاقت ردود فعل مختلفة غالبيتها كانت سلبية.

فبراير.. أهلاً كوفيد 19

لم يبدأ شهر فبراير بزخم المحتجين ضد السلطات. بل كان الموعد مع مجموعة من الفلسطينيين واللبنانيين الذين احتجوا على مقربة من السفارة الأميركية، الواقعة في منطقة عوكر شرقي العاصمة، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن خطة السلام المقترحة لإنهاء النزاع في المنطقة.

وفي سياق مواز، حكم المدعي العام بالسجن على عامر فاخوري، وهو لبناني أميركي، ذاع صيته أثناء الوجود الإسرائيلي في لبنان، حيث، وبصفته آمر سجن الخيام، أشرف على اعتقال وتعذيب مئات اللبنانيين لسنوات طويلة.

ترتفع أعداد مصابي كورونا بشكل سريع في لبنان
.

وشهد يوم 11 فبراير عودة المحتجين إلى الشارع بعد غياب قصير، توازياً مع جلسة دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري للتصويت على إعطاء الثقة لحكومة دياب، وحاول المحتجون منع وصول النواب واستطاعوا تأخيرهاً لساعات قبل أن يؤمن لهم النصاب نواب الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي تجمع رئيسه وليد جنبلاط وبري علاقة قديمة.

وفي وقت هدأت الاحتجاجات في الشارع على وقع انشغال العالم بالأخبار الآتية من ووهان الصينية، سجل لبنان أول حالة كورونا في 20 فبراير لشخص آت من إيران التي كانت إحدى بؤر انتشار الفيروس في بداياته، ومن ثم تم تسجيل حالة أخرى آتية من إيران ليبدأ العدد بالارتفاع وليعلن وزير الصحة في 29 فبراير أن عدد الإصابات وصل إلى 7.

مارس.. لا أموال للدائنين الدوليين

وفي حين كان الناس منشغلين بمتابعة ما يجري حول العالم بسبب الجائحة، أعلن رئيس الحكومة، حسان دياب، في 7 مارس، أن لبنان لن يدفع استحقاقاته المالية للدائنين الدوليين، والتي تبلغ قيمتها 1.2 مليار يورو، في خطوة هي الأولى من نوعها، لاقت ترحيباً من قسم من اللبنانيين وتوجساً من جزء آخر.

وفي وقت كان عدد الإصابات بكورونا يزداد بشكل سريع حول العالم، أعلنت السلطات وقف الرحلات من كل البلدان التي تشهد انتشاراً للفيروس في 11 مارس، بعد أن كان قبل يوم فقط، أي في العاشر منه، قد سُجلت أول حالة وفاة من جراء الجائحة، مع دعوة رئيس البلاد اللبنانيين للعمل من منازلهم.

يقول خبراء لبنانيون إن حزب الله يهرب الدولار والعملات الأجنبية  بين لبنان وسوريا
.

أيضاً توالت فصول قضية عامر فاخوري، فأصدرت محكمة الاستئناف العسكرية في 16 مارس قراراً بإطلاق سراحه كون التهم سقطت بالتقادم لمرور أكثر من 10 سنوات على القضية، ليفرج عنه في 19 مارس بالرغم من محاولة قاضٍ عسكري استئناف الحكم، ولم تنته فصول القضية هنا، إذ وفي سياق متصل، قُتل المواطن اللبناني أنطوان الحايك، يوم 22 مارس في محله في منطقة المية ومية قرب مرفأ صيدا وهو كان حارساً في سجن أدارته ميليشيا لحد طيلة فترة الوجود الإسرائيلي في لبنان.

وخرج وزير المالية غازي وزنة ليقول إن لبنان سيتوقف عن دفع كُل استحقاقاته المالية للدائنين الدوليين فيما كان رئيس الحكومة يقدر خسائر القطاع المصرفي بحوالي 83 مليار دولار، واستغلت السلطات الجائحة فخفت زخم الاحتجاجات بشكل ملحوظ، وأعلنت الحكومة في 26 مارس تمديد حظر التجول لأسبوعين إضافيين، لتقوم القوى الأمنية بعدها بيومين بإزالة مخيم الاعتصام الذي أقامه المحتجون وسط بيروت.

أبريل.. الموت مستمر

وبدأ شهر أبريل بتزايد مستمر لعداد كورونا، مع استمرار الإغلاق التام، مع تسجيل هيومين رايتس ووتش لممارسات تمييزية قامت بها السلطات اللبنانية بحق اللاجئين السوريين مستفيدة من الجائحة.

وقامت مجموعة أشخاص بقتل عضو في حزب الله ويدعى علي محمد يونس، في 4 أبريل وتم اعتقال مشتبه به لاحقاً، وصادرت السلطات في 10 أبريل 25 طناً من الحشيشة كانت مجهزة لتهريبها إلى أفريقيا.

وفي سياق غير بعيد، أعلنت الولايات المتحدة في اليوم نفسه وضع جائزة قدرها 10 ملايين دولار لقاء معلومات عن حركة محمد كوثراني، القيادي في حزب الله، والذي تتهمه بلعب دور المنسق مع المجموعات الإيرانية في العراق.

القيادي في حزب الله محمد كوثراني
القيادي في حزب الله محمد كوثراني

وشهر أبريل، لم يكن أفضل مما سبقه، إذ وفي ظل الوضع الاقتصادي والصحي الدقيق، سُجل في بلدة بعقلين في منطقة الشوف، في 21 أبريل، جريمة قتل طالت 7 أشخاص بينهم 5 سوريين كانوا يعملون في مكان قريب من موقع الجريمة الأولى التي نفذها القاتل بحق زوجته، في منزلهما.

ولم ينته الشهر بأقل الأضرار، إذ قامت القوى الأمنية والعسكرية في 27 أبريل بإطلاق النار على متظاهرين في شوارع طرابلس في شمال لبنان ما أدى إلى مقتل الشاب فواز سمّان وعمره 27 عاماً، بعد أن أصيب بطلق ناري، لتستمر في اليوم التالي المواجهات مع القوى الأمنية وقام المتظاهرون بحرق مصرفين، لتتوسع الاحتجاجات في 29 أبريل إلى عدة قرى ومدن في أنحاء لبنان في تحدٍ لحظر التجول المفروض.

مايو.. مسرحيات حكومية

بعد وقف دفع مستحقات الدائنين الدوليين، قامت الحكومة في 1 مايو بالطلب من صندوق النقد الدولي تقديم المساعدة للخروج من الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان، في وقت ارتفع الدولار إلى ما يفوق 4000 ليرة في مطلع مايو واستمر بالارتفاع بعد أن فرض مصرف لبنان على مؤسسات التحويل المالي (OMT وسواها) تسليم الحوالات المالية وفق مديرية العمليات النقدية بـ3200 ليرة لبنانية للدولار.

وعلى وقع العجز الاقتصادي حاولت الحكومة أن تعيد فتح البلاد على أمل ضخ عملة صعبة وتحريك عجلة الاقتصاد قليلاً خاصة أن اللبنانيين بدأوا يشعرون بالقلق جراء الأزمة وخاصة مع استمرار إقفال أشغالهم، ففتحت البلاد في 4 مايو جزئياً وسمحت للمطاعم بتشغيل 30٪ من قدرتها الاستيعابية ولم يتوقف عداد كورونا عن التزايد.

وهرع اللبنانيون في 13 مايو إلى تخزين المواد الغذائية بعد إعلان الحكومة عزمها فرض إغلاق تام لمدة 4 أيام، وصرح حينها رئيس الحكومة حسان دياب أن السبب بارتفاع حالات كورونا هو عدم التزام المواطنين بالإرشادات، وليس سياسات الحكومة.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

وخلال هذا الشهر، وتحديداً في 14 منه، أصدر النائب العام المالي علي إبراهيم مذكرة اعتقال بحق مدير العمليات النقدية في مصرف لبنان مازن حمدان على خلفية تلاعب الأخير المزعوم بسعر الصرف، ليعلن مصرف لبنان في اليوم التالي أن لا علاقة له بالتلاعب بسعر الصرف وأنه مستمر في ضخ الدولار للحفاظ على سعر صرف 3200 ليرة مقابل الدولار.

وحاولت الحكومة من خلال تصعيد الخطاب مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أن تُزيح عنها مسؤولية الوضع وتحصرها بسلامة، إلا أن محاولاتها لم تصل إلى نتائج ملموسة.

ولحق البرلمان بالحكومة، إذ وافق في 28 مايو على قانون لإلغاء السرية المصرفية المعمول بها منذ عقود من أجل مكافحة الفساد المستشري الذي دفع البلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي.

توازياً، أفادت التقارير أن حوالي 250 ألف عامل مهاجر يعيشون في حالة قلق بسبب الوضع المالي والاقتصادي السيء الذي يمر فيه لبنان، فضلاً عن المحظورات بسبب كورونا.

يونيو.. شارعان وأزمة واحدة

هذا الخوف المتنامي لدى العمال الأجانب تحوّل إلى مظاهرات واعتصامات أمام سفارات بلادهم مطالبين بتأمين خروجهم من لبنان، وفي 4 يونيو اعتصم عشرات العمال الأثيوبيين أمام سفارتهم آملين العودة، فيما بعضهم اشتكى من المعاملة السيئة التي تلقاها من مشغليهم الذين توقفوا عن دفع رواتبهم.

ومع خروج البلاد شيئاً فشيئاً من الإغلاق القسري، تداعى ناشطون لاحتجاجات جديدة في 6 يونيو وسط بيروت، حيث ظهرت شعارات منددة بالسياسات الحكومية، كذلك شعارات ضد حزب الله وسلاحه ما أدى إلى شن أنصار الحزب هجوما منظما على المحتجين، واندلعت مواجهات حاول الجيش اللبناني وقفها عبر الفصل بينهم، وبعد تراجع مناصري الحزب، بدأت المواجهات بين المحتجين وقوى الأمن واستمرت حتى وقت متأخر من الليل، أصيب في خلالها عشرات المحتجين وحوالي 25 عسكرياً كما صرحت الجيش اللبناني.

وحاولت السلطات تهدئة الشارع، فوافق مصرف لبنان على ضخ المزيد من الدولار في السوق آملاً بوقف الانهيار السريع للعملة إلا أن القرار لم يمنع اللبنانيون من النزول إلى الشارع والاحتجاج ومطالبة الحكومة بالاستقالة فوراً.

وعلى وقع الانهيار المالي، بدأت بوادر الانهيار الأمني، بعد تزايد عصابات الخطف والابتزاز، حيث قامت مخابرات الجيش في 14 يونيو بتحرير 23 مخطوفاً كانوا محتجزين في بلدة بريتال البقاعية، بعد خطفهم قبل أسبوعين.

كيندا الخطيب ناشطة معارضة لحزب الله - @elkhatibkinda
كيندا الخطيب ناشطة معارضة لحزب الله.

وفي 22 يونيو، اتُهمت كيندا الخطيب، الناشطة المعروفة بمناهضتها لحزب الله بالتواصل مع إسرائيل، وأحيلت إلى المدعي العام العسكري بعد أسبوع من اعتقالها، في وقت قرر قاضٍ لبناني يدعي محمد مازح إصدار قرار يمنع فيه القنوات الإعلامية من استصراح السفيرة الأميركية في لبنان، بعد انتقادها لحزب الله، إلا أن القرار لم يُطبق واستقال القاضي لاحقاً.

يوليو.. فرنسا تطل برأسها

لم يكن شهر يوليو حافلاً بالأحداث مقارنة بالأشهر التي مرت على اللبنانيين منذ بداية 2020. محطات سريعة ومتقطعة بدأت في 8 يوليو حين أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية سراح رجل الأعمال اللبناني قاسم تاج الدين المتهم بتمويل حزب الله بملايين الدولارات.

وفي ظل استمرار الجائحة، والارتفاع التدريجي بأعداد الإصابات، سُجلت سابقة في 13 يوليو بعد أن قام صاحب أحد المعامل بحجر حوالي 133 عاملاً سورياً بعد أن أصيبوا جميعاً بالفيروس.

لكن اللافت خلال هذا الشهر كان بدء بروز محاولات فرنسية للعب دور في الأرمة اللبنانية، فبعد أن طالب المسؤول الأممي ميشال باشليه بضرورة الإسراع لتحرك داخلي سريع مدعوم دولياً، زار وزير الخارجية الفرنسي لبنان في 24 يوليو وقدم دعماً يوازي 17 مليون دولار خصصها للمؤسسات التعليمية من دون أن تمر عبر مؤسسات الدولة.

وتجاوز سعر صرف الدولار أمام الليرة في هذا الشهر حاجز الـ 10000 ليرة، مسجلاً رقماً قياسياً هو الأعلى على الإطلاق ما أدى أيضاً إلى ارتفاع كبير بأسعار المواد الاستهلاكية، وشهدت المناطق اللبنانية تحركات شعبية محدودة احتجاجاً على ارتفاع سعر الصرف.

العديد من دول العالم صنفت حزب الله بجناحيه منظمة إرهابية
العديد من دول العالم صنفت حزب الله بجناحيه منظمة إرهابية

وفي ختام يوليو، وتحديداً في 27 منه، حصل تبادل لإطلاق النار بين الجيش الإسرائيلي وعناصر من حزب الله على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية المضطربة إذ أعلن الجيش الإسرائيلي إحباطه “عملية تخريبية” حاولت تنفيذها خلية تابعة لـحزب الله على الحدود وحصل تبادل لإطلاق نار وسمع دوي انفجارات في مزارع شبعا المتنازع عليها، بينما نفى حزب الله هذه المزاعم.

أغسطس.. الانفجار الكبير

وإذا كان شهر يوليو قد مرّ بسلام نسبي على اللبنانيين، فبالإمكان اعتبار أغسطس 2020 شهر إعلان بدء حقبة جديدة في لبنان مغايرة لكل ما سبق، وستبقى في ذاكرة اللبنانيين لسنوات طويلة قادمة.

ففي 3 أغسطس وفي ظل العقم الحكومي وعدم قدرة السلطات على النهوض بالبلاد أو القيام بأي شيء يُذكر لمواجهة الأزمة، أعلن وزير الخارجية ناصيف حتي استقالته من منصبه في خطوة فتحت الباب أمام وزراء آخرين كانوا ينوون الانسحاب من المركب الغارق أصلاً.

كُل الأحداث التي سبقت، هي للنسيان مقارنة بما سيأتي. 4 أغسطس موعد اللبنانيين مع انفجار لم يكن يتوقعه أشد المتشائمين. حوالي 2750 طن من نيترات الأمونيوم المخزنة في العنبر رقم 12، انفجرت لتُخلف دماراً لم تشهد بيروت مثيله في عز المعارك والحروب.

وسجّلت وزارة الصحة مقتل أكثر من 204 أشخاص وإصابة أكثر من 6500 آخرين، وأُعلن عن تضرّر مباشر لنحو 50 ألف وحدة سكنية، وبات نحو 300 ألف شخص بلا مأوى، وقدرت الخسائر المادية الناجمة عن الانفجار بما يقارب 15 مليار دولار، بحسب السلطات المحلية التي يقول اللبنانيون إنهم لا يثقون بها.

وامتدت الأضرار إلى آلاف المنازل على بعد كيلومترات من موقع الانفجار، وكشفت الجهات الأمنية اللبنانية أن سبب الانفجار “مواد شديدة الانفجار” كانت مخزنة في المرفأ منذ أكثر من ست سنوات وتعددت الروايات حينها، ووجهت أصابع الاتهام لحزب الله الذي يستخدم هذه المواد عادة في تصنيع المتفجرات.

وتحركت الأجهزة الأمنية وألقت القبض على 16 شخصاً، جميعهم يتولون مراكز غير مؤثرة كثيراً، من دون المس بوزراء ورؤساء حكومات ورؤساء جمهورية تعاقبوا على مر السنوات وعرفوا بالنيترات وبخطورتهم دون أن يحركوا ساكناً.

وعقب الانفجار بيومين، وعوضا أن يتفقد رئيس البلاد الموقع، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وتوجه فوراً إلى المرفأ وعرّج على الجميزة والتقى بمتطوعين تواجدوا في المنطقة للإغاثة حيث وعد بتقديم مساعدات للشعب اللبناني، وسمع من المحتشدين كلمات تحذره من تقديم الدعم لأي مؤسسة رسمية خوفاً من سرقة الهبة.

وتداعى اللبنانيون إلى التظاهر وسط بيروت في 8 أغسطس، للمطالبة باستقالة الحكومة ومعاقبة المسؤولين عن الانفجار والإهمال الذي أوصل إلى هذه الكارثة، فردت قوات الأمن باستخدام العنف بحقهم حين حاولوا الاقتراب من مجلس النواب، ليستعجل دياب بعدها بيومين الاستقالة جراء الضغط الشعبي وعلى وقع استقالات متعددة من حكومته.

وبعيد الاستقالة، بدأت المساعدات بالوصول إلى لبنان حيث أعلنت الأمم المتحدة في 11 أغسطس عن إرسال 50 ألف طن من القمح لتعويض ما خسره لبنان جراء انهيار الإهراءات المخصصة لتخزين القمح في مرفأ بيروت كذلك أعلنت عن بدء جمع أكثر من 500 مليون دولار لمساعدة اللبنانيين على النهوض، في وقت أعلن البرلمان في 13 أغسطس حالة الطوارئ وسلم السلطة للجيش في العاصمة.

وبعد 13 يوماً من الانفجار، أُعلن عن اعتقال مدير عام الجمارك بدري ضاهر بعد أن تم استجوابه، وهو محسوب على فريق رئيس البلاد، ومقرب من صهره جبران باسيل وتربطه علاقة جيدة ونفعية مع حزب الله.

وبعد 15 سنة من الاغتيال الذي أودى برئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في بيروت، وجدت المحكمة الخاصة بلبنان، في جلسة محاكمة علانية حضرها نجل الحريري، رئيس وزراء لبنان السابق سعد الحريري، أن سليم عياش وحده المُدان بالاغتيال بواسطة شاحنة مفخخة. وبُرئ المتهمون الآخرون وهم حسين عنيسي وأسعد صبرا وحسن مرعي وكان قتل الرجل الخامس مصطفى بدر الدين في سوريا عام 2016 وأسقطت التهم الموجهة إليه بعد ذلك.

المحكمة الدولية أدانت قياديا في حزب الله بقضية اغتيال رفيق الحريري.
.

وفي خضم كُل هذا، كان عداد كورونا مستمراً في الارتفاع وساعده في ذلك يوم الانفجار وما تلاه، والفوضى التي عاشها اللبنانيون في بيروت من هول ما حصل وضرب العداد اليومي رقم 400 حالة وأكثر يومياً، علماً أن عدد وفيات الفيروس حين وقع الانفجار لم يصل إلى نصف ما خلفته نيترات الأمونيوم. ودخل لبنان بإغلاق جزئي في 21 أغسطس بعد الارتفاع الكبير بأعداد المصابين والوفيات.

ووصل معدل التضخم السنوي في لبنان إلى 120 بالمئة، ليُكلّف رئيس الجمهورية ميشال عون سفير لبنان في ألمانيا مصطفى أديب تشكيل حكومة بعد نيله 90 صوتاً من أصل 128.

وأعلن البنك الدولي في 31 أغسطس أن الانفجار الذي وقع في المرفأ وخلف آلاف الضحايا، سبب بخسائر مادية تصل إلى 4.6 مليون دولار.

سبتمبر.. ساعة العقوبات

ما حدث في شهر أغسطس سيترك أثره على ما تبقى من العام، وعلى الآتي من أعوام. إلا أن سبتمبر وتحديداً في الثامن منه، بدأ مع تحرك أميركي جديد من خلال وضع مسؤولين لبنانيين على لائحة العقوبات لتقديمهم العون لحزب الله وتسهيل أموره من خلال السلطة المعطاة لهم، فكان أول العنقود وزير حركة أمل

علي حسن خليل على يمين الرئيس اللبناني ميشال عون في صورة أرشيفية تعود لعام 2009.
علي حسن خليل على يمين الرئيس اللبناني ميشال عون في صورة أرشيفية تعود لعام 2009.

اليد اليمنى لنبيه بري والذي قضى سنوات وزيراً للمالية، واليد اليمنى للنائب سليمان فرنجية، يوسف فنيانوس الذي كان أيضاً رجل حزب الله والذي يثقون به أكثر من أي شخص آخر من خارج دائرتهم.

ولكي يبقى الانفجار ماثلاً أمامهم. شب في 10 سبتمبر حريق ضخم في المرفأ وغطت السحب الدخان بيروت ما أثار هلعاً لدى اللبنانيين ليتبين أن المواد المستعلة غير خطرة ومن مخلفات الانفجار.

وحاول مجموعة من الناشطين القيام بمسيرة احتجاجية إلى قصر بعبدا في 12 سبتمبر إلا أنهم جوبهوا برصاص مطاط ورصاص حي في الهواء لتفريقهم ومنعهم من الوصول إلى مقربة من بعبدا للتعبير عن سخطهم من أداء رئيس الجمهورية.

والأحداث الأمنية لم تتوقف طيلة العام، ففي 13 سبتمبر أعلن الجيش اللبناني، مقتل خالد التلاوي، قائد الخلية المنفذة لعملية “كفتون” شمالي البلاد، في 22 أغسطس والتي راحض ضحيتها 3 شبان، فيما أدى المداهمة التي قام بها الجيش إلى مقتل ثلاثة من عناصره.

وفي 17 سبتمبر، وصلت إصابات كورونا إلى سجن رومية، المكتظ أساساً والذي يُعد أكبر سجن في لبنان وفيه حوالي 3000 سجين، أصيب منهم 200 وسرت شائعات أن السجناء أخلوا أخذ الاحتياطات اعتقاداً منهم أن إصابتهم ستُعجل بإطلاق سراحهم.

كذلك، عادت في اليوم نفسه، أي في 17، الولايات المتحدة كي تعلن فرض عقوبات جديدة طالت سلطان خليفة أسعد، مسؤول المجلس التنفيذي بحزب الله، وشركتين هما Arch للدراسات والاستشارات الهندسية، وMeamar للهندسة والمقاولات على صلة بالحزب.

وسجل رئيس البلاد ميشال عون حضوره في 21 سبتمبر من خلال تصريح يقول فيه إن لبنان قد يذهب إلى الجحيم إذا لم تتشكل حكومة جديدة، وأن تشكيل هكذا حكومة بحاجة إلى معجزة علماً أنه يعتبر أن عهده أعاد لموقع الرئاسة هيبته، ثم عاد بعد يومين ليطلب من العالم إعادة إعمار مرفأ بيروت.

توازياً استمر مسلسل الأمن، هذه المرة مع انفجار حصل في منطقة عين قانا جنوب لبنان في مركز لحزب الله يحوي على ذخائر ومتفجرات، وقال مصدر أمني لوكالة رويترز حينها أن الانفجار حصل بسبب خطأ تقني.

أيضاً كان مصطفى أديب لا يزال يحاول تشكيل حكومة “اختصاصيين” لكنه وبعد العرقلة التي حصلت، قرر الاعتذار، في 26 سبتمبر، بعد أن تعرضت المبادرة الفرنسية لمحاولات عرقلة أو عدم التزام أبداه الأطراف المعنيين بروح هذه المبادرة التي راهن عليها ماكرون.

وانتهى هذا الشهر بمقتل جنديين في شمال لبنان ومهاجم بعد أن فتحت مجموعة من المتطرفين الإسلاميين النار على حاجز للجيش اللبناني، وحصل تبادل لإطلاق نار أسفر عن قتلى وجرحى

أكتوبر.. إشاعة ترسيم الحدود

بشكل مفاجئ وغير متوقع، بدأ هذا الشهر بالإعلان عن وصول لاتفاق مبدئي حول خطة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، هذا الموضوع الذي استمر لسنوات وبدا من شبه المستحيل أن يحصل فيه أي تقدم، ليحصل أول اجتماع في 14 أكتوبر في الناقورة بإشراف الأمم المتحدة، وثان في 28 من الشهر نفسه.

وبعد ارتفاع معدات الإصابات بكورونا في مناطق عدة، أصدرت السلطات اللبنانية في 2 أكتوبر قراراً بإغلاق ما يفوق 100 قرية ومدينة بسبب كثرة الإصابات ولمحاولة الحد من الانتشار، ليُعلن لبنان في 11 أكتوبر عودته لإغلاق الملاهي والحانات للمساعدة في مكافحة الفيروس.

انتهاء الجلسة الافتتاحية لمفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل
.

وتوالت الأخبار الكئيبة، خاصة فيما يتعلق بمحاولات لبنانيين الهرب عبر قوارب الموت إلى قبرص ومقتل نساء وأطفال وشباب غرقاً في البحر، لتُعلن قبرص في 6 أكتوبر عن توصلها لاتفاق يسمح للسلطات اللبنانية باستعادة اللاجئين إلى أراضيها قبل أن يُكملوا رحلتهم إلى أوروبا إن نجحوا بالوصول إليها.

وباستمرار لسياسة ملاحقة المسؤولين في حزب الله، فرضت وزارة الخزانة الأميركية. في 23 أكتوبر، عقوبات على قياديين اثنين في الحزب، هما عضوا المجلس المركزي للحزب نبيل قاووق وحسن البغدادي، اللذين وصفهما مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع للوازرة بأنهما من أبرز العاملين في إدارة عمليات حزب الله وأنشطته العسكرية.

نوفمبر.. باسيل مُعاقب

وكما انتهى شهر أكتوبر، بدأ نوفمبر، السادس منه، بعقوبات على وزير الخارجية اللبناني السابق جبران باسيل، صهر رئيس الجمهورية، وأحد أبرز حلفاء حزب الله، ما استدعى تحرك عون ليطلب من وزارة الخارجية التواصل مع الجانب الأميركي للحصول على الوثائق التي أدت إلى اتخاذ هذا القرار، فيما اعتبر باسيل في 8 نوفمبر أن سبب العقوبات هو رفضه فض التحالف مع حزب الله.

وفي سياق آخر، استمر الارتفاع المخيف بعداد كورونا ما استدعى السلطات لإعلان نيتها الإغلاق التام لمحاولة وقف التزايد المستمر بالحالات، وهو ما حصل في 14 نوفمبر حين دخلت البلاد في إغلاق قالت السلطات إنه تام لكنه كان باستثناءات جعلته غير فعال، توازياً مع نفاذ الأدوية من الصيدليات بسبب أزمة الدولار والدعم والاحتكار الحاصل.

وفي حادثة طرحت العديد من علامات الاستفهام، هرب 69 سجيناً من سجن بعبدا في 21 نوفمبر، بعد خلعهم للأبواب، وأدت هذه العملية إلى مقتل 5 سجناء بحادث سير بعد مطاردتهم من قبل القوى الأمنية.

ديسمبر..  ماذا ستحمل 2021؟

وبدأ الشهر الأخير من السنة بواقع أن السلطات تتجه لرفع الدعم عن غالبية السلع الأساسية بسبب عدم قدرتها على تأمين الأموال اللازمة وهو ما استدعى تصريحات من الأمم المتحدة تقول إن مثل هذا الأمر سيكون وقعه كارثي على المجتمع.

وفي 10 ديسمبر، وفي خطوة لافتة لكنها ناقصة كونها لم تشمل كل المسؤولين عن انفجار المرفأ والبعض اعتبرها مجرد محاولة لإسكات الرأي العام، ادعى المحقق العدلي فادي صوان، على رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب وعلى وزير المال السابق علي حسن خليل ووزيري الأشغال العامة السابقين غازي زعيتر ويوسف فنيانوس، بجرم الإهمال والتقصير والتسبب بوفاة وايذاء مئات الأشخاص.

وأصدرت المحكمة الخاصة بلبنان حكمها على عياش في 11 ديسمبر، بالسجن المؤبد خمس مرات متزامنة غيابياً بسبب تورطه في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عام 2005.

وختمت السنة باكتشاف مصاب بالسلالة الجديدة من كورونا قادم من لندن، في 25 ديسمبر، فيما استقر سعر صرف الليرة مقابل الدولار بين 8 إلى 8.5 ألف ليرة.

ماذا ستحمل 2021؟ يأمل اللبنانيون أن تكون أخف وطأة من 2020، وهذا أكبر أحلامهم، اليوم.