اللاجئون السوريون في لبنان: برد وفقر وغربة

يجد لاجئون سوريون في لبنان أنفسهم مرغمين على تحمّل برد قارس وثلوج كثيفة مع حلول الشتاء، بعد أن باتت وسائل التدفئة صعبة المنال بسبب تلميح الحكومة إلى رفع الدعم عن الوقود تحت وطأة الأزمة الاقتصادية.

وتُطرح علامات استفهام حول مدى استعداد اللاجئين لتحمّل الشتاء، مع بروز أزمة الوقود، بسبب ندرته وارتفاع أسعاره، لاسيما في ظل مساعدات أمميّة محدودة.




وعامة، يُشكّل فصل الشتاء عبئا ثقيلا على اللاجئين، إذ يجدون أنفسهم تحت سطوة برد قارس وعواصف عاتية، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر.

ويعيش في لبنان أكثر من مليون لاجئ سوري مسجلين لدى المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لكن الحكومة تقدر عددهم بـ1.5 مليون لاجئ، 74 في المئة من هؤلاء يقيمون بطريقة غير شرعية.

وعلى فترات، ظهرت مبادرات إنسانيّة لمساعدة هؤلاء اللاجئين، لكنّ شظايا الأزمات التي تعصف بلبنان طالتهم مباشرة، فوجدوا أنفسهم ‏في خضم حالات العوز، خاصة في ظل تداعيات جائحة كورونا.

من مخيّم “برّ إلياس” في البقاع اللبناني، قال طارق زهوان “منذ أزمة كورونا ونحن لا نعمل والأوضاع صعبة جدا هنا”.

أخذ زهوان (40 عاما) نفسا عميقا، وتابع “خيامنا في فصل الشتاء بحاجة إلى تأهيل سواء بالشوادر أو بالخشب، والأهم من ذلك يجب تأمين مادّة المازوت (وقود للتدفئة) بسبب البرد”.

وأردف “لا أحد يستطيع أن يؤمّن كلّ ذلك، فنحن نعيش من دون مادّة المازوت ومن دون حطب وأغطية شتويّة”.

أما سلمى السلام (45 عاما) فقالت “أحيانا ننام من دون تناول وجبة العشاء”.

شظايا الأزمات التي تعصف بلبنان طالت اللاجئين، فوجدوا أنفسهم في أشدّ العوز، خاصة في ظل تداعيات كورونا

وبحرقة وألم، أضافت “نعيش في حالة قاسية جدا، أولادنا بحاجة إلى الطعام، ولكنّنا لا نملك أي شيء، خاصة في مخيمنا”.

واستطردت “سجلنا أسماءنا على لائحة المساعدات، ولكن للأسف الشديد يكون الرد: نحن لسنا مسؤولين عنكم”.

واختصرت فاتن الخلاوي (30 عاما) الحال في مخيّم “برّ إلياس” بقولها “الشتاء بارد جدا هنا ووضعنا سيء، لاسيّما وأنّنا نعيش في الخيام”.

ولا تختلف معاناة أم أحمد الدبوق (45 عاما) عما تواجهه فاتن، إذ قالت “العيش في لبنان بات صعبا جدا، نحن بحاجة إلى الكثير، لكن لا أحد ينظر إلى أحوالنا”.

ودعت الدبوق المنظمات إلى إعادة النظر بأحوالهم، موضحة “نحن نشعر بضغوط الحياة القاسية علينا”.

فيما وصفت أم عمر (27 عاما) الحالة التي تعيش فيها بالمأساوية. وتابعت “لا طعام، لا مازوت، لا أغطية، وبالإضافة إلى كل ذلك المجارير (مياه الصرف غير المعالجة) تفيض علينا.. حالتنا إن صحّ التعبير، يمكن القول عنها بالعاميّة بهدلة (يرثى لها)”.

ويعاني لبنان منذ أكثر من عام أزمة اقتصادية هي الأسوأ منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975 – 1990) أدت إلى انهيار مالي، فضلا عن خسائر مادية كبيرة تكبدها البنك المركزي.

ويرافق ذلك انهيار متواصل للعملة المحلية، في ظل فرضية قوية بتوجه السلطات إلى رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية والوقود والدواء. ويبلغ سعر الدولار الواحد في السوق غير الرسمية 8100 ليرة، مقابل 1507.5 ليرة في السوق الرسمية، بينما يبلغ متوسط السعر المدعوم من المصرف المركزي 3200 ليرة.

الناطقة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، ليزا أبوخالد، قالت إن “المفوضيّة تعمل جاهدة مع جميع الشركاء والجهات المانحة لضمان حصول الأسر المحتاجة على الدعم الذي تحتاج إليه لتخطي هذه الأوقات العصيبة”.

الشتاء عبئ ثقيل على اللاجئين
الشتاء عبئ ثقيل على اللاجئين

واستدركت “نظرا إلى التمويل المتاح للمساعدات الإنسانية، لا يمكننا الوصول سوى إلى 31 في المئة من العدد الإجمالي لعائلات اللاجئين السوريين عبر برنامج الدعم النقدي المتعدد الأغراض والدعم الغذائي الشهري، و17 في المئة آخرين عبر برنامج المساعدات الغذائية”.

وزادت “حاولنا توسيع نطاق شبكة الأمان قدر الإمكان هذا العام للوصول إلى المزيد من العائلات، غير أن ذلك لا يزال غير كاف إلى حد كبير”.

وعن نسبة اللاجئين الذين يعيشون تحت خط الفقر، أجابت “88 في المئة من اللاجئين السوريين في لبنان يعيشون اليوم تحت خط الفقر المدقع، الأمر الذي شكّل ارتفاعا مقارنة بنسبة العام الماضي البالغة 55 في المئة”.

ويتعرّض لاجئون سوريون لانتهاكات مختلفة في لبنان تصل إلى حدّ العنصريّة، وآخرها كان إضرام النار في مخيم للاجئين في منطقة المنية شمالي البلاد بعد شجار اندلع بين أحد أفراد عائلة لبنانية وعمال سوريين.

ودعا الرئيس اللبناني ميشال عون، في مناسبات عديدة، إلى البحث عن “حل سريع” يحقق عودة اللاجئين السوريين، محذرا من أن “تداعيات وجود اللاجئين كبّدت لبنان خسارة كبيرة، ولم يعد قادرا على تحمّل المزيد”.

وبحسب تامر الشويرتاني، مسؤول عن فريق “سوا منوصل” التطوعي (مؤسسة أهلية)، فإن “الأوضاع في مخيّمات اللجوء بالعادة سيئة، لكن هذا العام هي الأسوأ”.

وأضاف الشويرتاني “اليوم لا توجد فرص عمل نهائيا بسبب الظروف المسيطرة على لبنان، وحتى إذا استطاع اللاجئ العمل، فراتبه لا يوازي شيئا مع انهيار العملة اللبنانيّة”.

واستطرد “هناك بعض الناشطين السوريين واللبنانيين الذين يقومون بمبادرات تطوعيّة خجولة لمساندة اللاجئين قدر المستطاع من خلال تأمين الملابس والأغطية في فصل الشتاء”.

وعن وسائل التدفئة، ردّ الشويرتاني “هناك عائلات نازحة تحرق الخشب والأكياس المصنوعة من مادة النيلون، والبعض يحرق الأحذية للتدفئة بواسطتها”.