بايدن والفلسطينيون – محمد كريشان – القدس العربي

في هذه الأيام التي تسبق دخول جو بايدن البيت الأبيض في العشرين من الشهر المقبل تبذل عديد مراكز الأبحاث السياسية والمجلات المختصة جهدا واضحا في محاولة التعرف على ما يمكن أن يقوم به الرئيس الأمريكي الجديد في عدد من الملفات الدولية.
ما يهمنا هنا هو الملف الفلسطيني الإسرائيلي الذي عبث فيه ترامب وصهره كوشنير وسفيره في إسرائيل فريدمان كما يحلو لهم، وبرغبة واضحة في كسر كل القواعد بنية أن تستتب الأمور مرة واحدة ونهائيا إلى الاحتلال وتأبيده.
«التراجع» هو الكلمة المفتاحية في كل ما كتب فمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية رأت أن الفلسطينيين يتوقون إلى رؤية بايدن «ليس بسبب ما قد يفعله ولكن لما يأملون أن يتراجع عنه» فيما رأى «مركز الأمن الأمريكي الجديد» أنه يتعين على الولايات المتحدة التراجع عن عدد من الخطوات التي اتخذتها إدارة ترامب والتي قوضت العلاقات الأمريكية الفلسطينية».

 الوقت الذي سيستغرقه جبر الضرر الذي ألحقه ترامب بعملية التسوية قد لا يترك من مجال سوى القيام ببعض الخطوات ليس أكثر




أما «مجموعة الأزمات الدولية» ومقرها بروكسيل، فاعتبرت أن «التحدي الذي تواجهه الادارة الجديدة يتمثل في التراجع عن إرث ترامب دون الاكتفاء بإعادة الوضع الذي كان قائما قبل رئاسته».
فعلا هذا هو التحدي الأكبر، ذلك أن مجرد التراجع عما فعله ترامب لا يمكن، على أهميته، أن يمثل إنجازا في حد ذاته لأنه ببساطة سيعيد الجمود السابق إلى سالف عهده وهو ذات الجمود الذي زعم ترامب وفريقه أنه جاء لكسره إلى الأبد. ولهذا السبب حفلت الكتابات التي تناولت هذه الاشكالية بتقديم مجموعة مقترحات لعلّها تسهم في إعطاء دفع للدور الأمريكي في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بعد الضربة الكبيرة التي نالت من مصداقيته التي لم تكن عالية من الأساس.
«مركز الأمن الأمريكي الجديد» رأى أن هناك ثلاثة مبادئ أساسية يجب أن تقود السياسة الأمريكية في هذا الشأن وعلى الرئيس أو وزير الخارجية الجديد أن يغتنم أول فرصة للتعبير عنها للعالم: أولا الاعتراف بأن المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية تستند إلى قرارات الأمم المتحدة والمرجعية الدولية وأهمها مبدا الأرض مقابل السلام، ثانيا السعي إلى ضمان الحرية والأمن وازدهار لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء إن كان في الاجراءات التي تتخذها أو في أي اتفاق مستقبلي، وأخيرا تأكيد الالتزام بحل الدولتين.
أما «مجموعة الأزمات الدولية» فخاضت أكثر في التفاصيل مقدمة جملة من الخطوات أولها «التنصل بشكل لا لبس فيه من خطة ترامب التي أعلنها في كانون الثاني – يناير 2020، وإصدار بيان واضح بأن هذه الخطة لا تمثل سياسة الولايات المتحدة» إلى جانب التأكيد على أن المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية وإعادة تأكيد وتعزيز التفريق بين إسرائيل والأراضي المحتلة في جميع التعاملات الأمريكية، فضلا عن إعادة كل من التواصل مع القيادة الفلسطينية وإعادة فتح بعثة منظمة التحرير في واشنطن والقنصلية الأمريكية في القدس الشرقية وفتح المؤسسات الفلسطينية فيها وتأكيد نية واشنطن فتح سفارة لها لدى الفلسطينيين في القدس الشرقية.
ومع أن هناك توصيات ومقترحات عديدة أخرى إلا أن المشكل الحقيقي التي يواجه جميعها يتمثل في أمرين أساسيين:
أولا: الوقت الذي سيستغرقه جبر الضرر الذي ألحقه ترامب بعملية التسوية قد لا يترك من مجال سوى القيام ببعض الخطوات ليس أكثر، بمعنى قد لا تتاح أمام إدارة بايدن من فرص تحرك حقيقية غير مبادرات محدودة مما يحول دون البناء عليها للتقدم إلى الأمام.
ثانيا: ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن الملف الفلسطينيي الإسرائيلي ليس أولوية عند بايدن الذي، كما قالت مجلة «فورين بوليسي» «سيركز في عامه الأول على القضايا المحلية الأمريكية، وقبل كل شيء، على كيفية الخروج من جائحة كورونا وإعادة تحفيز الاقتصاد، وفي السياسة الخارجية العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني إلى جانب معالجة التهديدات من الصين وروسيا».
على هذا خلصت المجلة الأمريكية إلى أن «احتمالات إحراز تقدم على جبهة السلام الإسرائيلية الفلسطينية بعيدة إلى معدومة في عام 2021». أما «مجموعة الأزمات الدولية» فبدت أكثر تشاؤما حيث خلصت في تقريرها حول «المقاربة الأمريكية الجديدة من أجل السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين» إلى أن إدارة بايدن قد تميل إلى الحد من مشاركتها في هذا النزاع للتخفيف من الأضرار التي سببتها إدارة ترامب واستئناف المفاوضات لكنها رأت أن مثل هذا التوجه سيكون «مفهوما ولكنه غير فعال».
في النهاية، ما يمكن أن يخرج به الفلسطينيون مبدئيا مما يكتب الآن أو يقال عن توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة هو أنه لا ينتظر منها الكثير سوى جبر بعض ضرر ترامب ليس أكثر فهي على سبيل المثال لا تمانع في استمرار التطبيع بين إسرائيل ومزيد من الحكومات العربية، كما أن توقع اختراقات كبيرة مع هذه الادارة قد لا يكون أكثر من مجرد أوهام.
كل هذا يحتم على الفلسطينيين التوجه بأكثر جدية وإخلاص إلى توحيد صفوفهم وتقوية صمودهم ونفض يدهم من التعويل على النظام الرسمي العربي … في انتظار أيام أفضل.