//Put this in the section //Vbout Automation
قاسم يوسف - أساس ميديا

من يجلس إلى طاولة التسوية؟: توثبٌ قواتي وأريحيةٌ شيعية – قاسم يوسف – أساس ميديا

ما عاد ترف النقاش محصورًا بين وقوع الانهيار أو تفاديه، فالحقيقة أنّنا دخلنا جميعًا مرحلة الانهيار الكبير، وما بعده لن يكون حتمًا كما قبله، لا سيما وأنّ الأمور ستسلك سريعًا درب الخراب المتراكم، في الوضع السياسي كما في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، وصولاً إلى الانفلات الأمني المتدحرج، والذي قد يُلامس عتبة استعادة مشهديات المناطق المغلقة والأمن الذاتي.

العارفون وأصحاب الباع الطولى في الأمن وفي السياسة يدركون تمامًا أنّ البلاد مُقبلة على انفجار شامل وغير مسبوق، وأنّ المرحلة المقبلة ستكون مختلفة جدًا عن كل المراحل التي شهدها لبنان منذ ولادته، وانطلاقًا من هذه الحقائق والوقائع، نضع بين يد اللبنانيين ثلاث حلقات متتالية بهدف التأمل والاستشراف، خصوصًا وأنّ الخلاصة النهائية لكل هذه المتحركات تتعلق بتغيير وجه لبنان وبإعادة صياغة عقده الاجتماعي وفق التوازنات التي سيرسو عليها الواقع الجديد، لأنّه، وبكل بساطة، من يمسك الأرض سيجلس قطعًا إلى طاولة التسوية.




يقول سمير جعجع لكوادره في مجلس خاص: معركتنا المقبلة تتجسّد تمامًا بقدرتنا على تثبيت حضورنا الشعبي في مواجهة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي، ولا بد لهذه المعركة أن تشكل أولويتنا المطلقة في المرحلة المقبلة، فنحن دخلنا لعبة عضّ الأصابع، ومن يستسلم أولاً سيخرج من المعادلة، وبالتالي مهمتنا الراهنة تكمن بتثبيت الناس في أرضهم، وبتأمين الحد الأدنى من المساعدات المادية والعينية لتخطي هذه الأزمة.

يدرك سمير جعجع أنّ الاستنزاف هو العنوان الحقيقي للفترة العصيبة التي انطلقت عقب ثورة 17 تشرين، وأنّ العناوين السياسية أخذت تتراجع على حساب الوضع الاقتصادي والمعيشي. وبالتالي فإنّ دور القوات المستقبلي يكاد ينحصر في أولوية الثبات والحفاظ على الأرض بوجه العاصفة الهائلة التي أطلّت برأسها، وقد بدأت فعليًا بتحضير الأرضية لمواكبة تنفيذ هذه المهمة بأفضل الطرف الممكنة، إذ باشرت بتوزيع آلاف الحصص الغذائية، وتأهيل مئات الوحدات السكنية التي تدمرت عقب انفجار بيروت، وتخصيص بعض المراكز والمساعدات الطبية، وافتتاح سلسلة من الأفران لتوزيع المناقيش بشكل مجاني لأي محتاج أو عابر سبيل، على أن تتطور هذه الأفكار وسواها تباعًا وتأخذ أشكالها المختلفة في سبيل تحصين البيئة الحاضنة للقواتيين في مناطق انتشارهم.

المهمة الثانية تتلخص في السعي المكثف والمنظّم لاستمالة مجموعات كبيرة من المجتمع المسيحي، لا سيما أولئك الذين خرجوا من عباءة الأحزاب، وتحديدًا التيار الوطني الحر الذي يعاني من تسرّب حزبي وشعبي غير مسبوق، وهو سيكثّف تحركاته في المرحلة المقبلة لاستمالة أكبر عدد ممكن من الناشطين، تحت عناوين كثيرة، ليس أقلها الخروج من السلطة والالتحاق بصفوف الثورة.

تسعى القوات إذن إلى تثبيت حضورها السياسي والاجتماعي عبر الاضطلاع المباشر بتأمين احتياجات الناس، وقد بدأت بمأسسة هذه النشاطات وتطويرها وتفعيلها على كل المستويات، ابتداءً من تأمين الأموال المطلوبة عبر كل الطرق الممكنة والمتاحة. وهنا ثمة دور كبير للمغتربين ولمكاتبها ومنسقياتها في دول الانتشار، وصولاً إلى توسيع إطار توزيع هذه المساعدات على نحو مُضاعف، فضلاً عن ابتكار عشرات الأفكار الآيلة للمساعدة والتخفيف من الأعباء الاقتصادية والمعيشية، عبر تأمين أبسط مقومات العيش، من اللقمة اليومية، إلى المواد الأساسية، كالمازوت وغيره.

كما وتضع نصب عينيها حتمية التوسع السياسي في الوقت الراهن وفي المدى المنظور. فكلّ الأطراف المسيحية الأخرى باتت واهنة وضعيفة، من التيار الوطني الحر الذي يعاني من أزمة وجودية، ومن مشكلات جذرية وبنيوية وحتّى عائلية، ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى تقلصه واضمحلاله تمامًا لحظة وفاة مؤسّسه “لا سمح الله” أو انتهاء ولايته. فيما لم تُسجّل الكتائب أي حضور شعبي وازن على مستوى الساحة المسيحية، وقد أظهرت الانتخابات النيابية عام 2018 أنّ حضورها المقبول بات يقتصر على بعض قرى المتن، في مقابل حضور شكلي وغير فعّال في مختلف المناطق المسيحية، وهذا ما ينسحب أيضًا على سليمان فرنجية، ولو بشكل مختلف، حيث أنّ حضوره السياسي والشعبي الحاكم يقتصر على منطقة محدودة، وهو حضور غير قابل للتوسع.

القوات بدأت معركتها لحسم الساحة المسيحية بالمعنى السياسي، وهي ستكون جاهزة لمواكبة هذا التحول بمساندة عسكرية متى انزلقت الأوضاع برمتها نحو الاشتباك المسلّح. مع الإشارة إلى أنّ هذا المعطى لا يندرج ضمن الأولويات المطروحة، لكنّه يظل خيارًا أكيدًا لحظة الحاجة اليه، وما الكلام الذي نقله وليد جنبلاط عن سمير جعجع إلا تأكيدًا إضافيًا على هذا الجانب، رغم نفي القوات، وهو نفي لا بد منه في اللحظة الراهنة.

في الموازاة، احترف حزب الله على مدى سنوات طويلة لعبة الإمساك ببيئته الحاضنة، وقد أطلق مؤخرًا سلسلة من الإجراءات الضرورية لمواكبة حالة الانهيار الشامل. فبدأ بتفعيل نظامه المصرفي الخاص، بعيدًا من سلطة الدولة ومرجعية المصرف المركزي، فضلاً عن توزيع المساعدات المادية والعينية، ودفع آلاف الرواتب الشهرية بالدولار الأميركي. ناهيك عن تكثيف المساعدات الطبية، وتأمين البدائل الغذائية بأسعار زهيدة، عبر الاعتماد على المنتجات الايرانية وغيرها.

هذا الواقع يؤكد إلى حدّ كبير قدرة حزب الله على تحصين مناطقه بوجه الانهيار الشامل، وقد أعدّ بطبيعة الحال مخططًا شاملاً لمواكبة هذه المرحلة، بما يضمن ارتياحًا نسبيًا لبيئته الحاضنة. بل يمكن الإشارة إلى أنّه سيكون أقلّ الأطراف السياسية تأثرًا بهذه الأزمة، وهو سيعمد لحظة الانهيار إلى تأمين خطوط الترابط الجغرافي بين مختلف مناطقه، لا سيما الطريق بين الجنوب وبيروت، وبين بيروت والبقاع، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، نُشير إلى مخطط معروف لشقّ طريق جديد في البقاع لا يمرّ من نقطة التوتر في سعدنايل، وعلى هذا المثال قصّ ما شئت.

عمليًا، يستطيع حزب الله أن يُؤمن مناطقه بشكل شبه تام، وأن يفرض سيطرته شبه المطلقة عليها، وهذا جانب محسوم وغير خاضع للنقاش، فيما ستتركز مهمته على التوسع في مناطق الخصوم، لا سيما في الساحة السنية، عبر سرايا المقاومة وغيرها، وعبر اللعب أيضًا بورقة المخيمات والنازحين السوريين، ناهيك عن تكثيف دعمه لبعض الشخصيات التابعة له، والتي سيعمد إلى تغذيتها وحمايتها ومواكبتها بما يلزم من أموال وسلاح.

هذه القراءة السريعة تؤكد أريحية حزب الله في المناطق الشيعية وقدرته على مواكبة الانهيار الشامل بأقل الأضرار الممكنة، وتوثبه أيضًا للعب دور محوري في الساحات الأخرى، فيما تؤكد أيضًا فهم القوات اللبنانية العميق لطبيعة المرحلة المقبلة، وتجهّزها للثبات في مواجهة العاصفة، بالتوازي مع التوثّب لحسم الساحة المسيحية لصالحها، بحيث تصير الحزب الأقوى، وربما الوحيد، الذي سيجلس إلى طاولة المفاوضات حين تدقّ ساعة التسوية، أو حين تضع الحرب أوزارها.

ماذا عن الدروز والسنّة؟

إلى الحلقة المقبلة.