//Put this in the section //Vbout Automation

سيناريوهات الأزمات المتراكمة تنسف إيمان اللبنانيين ببلدهم

في ذكرى مرور أربعة أشهر على انفجار مرفأ بيروت تجمعت أسر بعض الضحايا في وقفة احتجاجية، الخميس، عند مدخل المرفأ. وطالبت لافتة بمعرفة نتائج التحقيق وبالشفافية محذرة من نفاد الصبر.

وتجمع المحتجون في مجموعات متشحين بالسواد أمام الركام المتخلف من الانفجار الهائل الذي محا المرفأ ودمر وسط بيروت في الرابع من أغسطس الماضي. واحتضن المتجمعون رجالا ونساء وأطفالا من كل طوائف لبنان من مسيحيين ومسلمين صور الأحبة الذين رحلوا في الكارثة.




ها هي بيروت تعود إلى وقفات الاحتجاج التي كانت تشهدها في الحرب الأهلية من 1975 إلى 1990. وقتها كانت الأسر تطالب بمعلومات عن الأقارب الذين اختفوا ولم يُعثر لهم على أثر قط حتى عندما حان أوان إعادة البناء. أما المكلومون اليوم فيعلمون ما حدث لكنهم لا يعرفون الأسباب.

فبعد مرور أربعة أشهر لم توجه السلطات اتهاما لأحد بأنه المسؤول عن الانفجار الذي راح ضحيته نحو 200 قتيل وستة آلاف مصاب وشرد حوالي 300 ألف من سكان بيروت.

وكانت مأساة الرابع من أغسطس واحدة من أكبر الانفجارات غير النووية التي تم تسجيلها على الإطلاق، وراح ضحيته حوالي 200 قتيل والآلاف من الجرحى ودمر مساحات واسعة من العاصمة اللبنانية. ولا تزال أسئلة كثيرة بلا أجوبة وعلى رأسها لماذا تم تخزين مادة سريعة الاشتعال عن علم بالمرفأ في قلب المدينة لنحو سبعة أعوام.

بعد مرور أربعة أشهر لم توجه السلطات اتهاما لأحد بأنه المسؤول عن الانفجار الذي راح ضحيته نحو 200 قتيل وستة آلاف مصاب وشرد حوالي 300 ألف من سكان بيروت

وتعتقد تريسي وبول نجار أنه كان بالإمكان أن تنجو ابنتهما ألكسندرا من الانفجار لو أن السلطات أدت ما عليها في ذلك اليوم المشؤوم.

وفي غمار حزنهما على ابنتهما التي اختطفها الموت وهي في الثالثة يؤرقهما سؤال واحد: لماذا لم يُطلق أحد جرس إنذار أو يجلي السكان بينما كان الحريق يستعر لأكثر من نصف ساعة قرب كمية هائلة من مادة شديدة الانفجار؟.

وقالت تريسي (34 عاما) التي كانت في بيتها مع أسرتها في حي الجميزة عندما دمر الانفجار مرفأ بيروت القريب من المنطقة “كان عندهم 40 دقيقة ليقولوا لنا ‘اخرجوا من بيروت. اختبئوا. ابتعدوا عن النوافذ!’. لم يفعلوا ذلك”.

وتشير شوشان بيزجيان التي توفيت ابنتها جيسيكا الممرضة ذات الـ21 ربيعا في عملها عندما دمر الانفجار المستشفى الذي تعمل به إنها تشعر بالخجل من كونها لبنانية.

ويرى البعض في لبنان أن الانفجار وأسلوب أجهزة الدولة في التعامل مع تداعياته يمثلان إدانة للنخبة السياسية الحاكمة التي قادت البلاد من أزمة إلى أخرى.

واحتجزت السلطات عددا من كبار المسؤولين من بينهم المدير العام للمرفأ ومدير الجمارك. كما وجه القاضي الذي يتولى التحقيق تهمة الإهمال لرئيس وزراء لبنان حسان دياب وثلاثة وزراء سابقين.

وقال دياب الذي قدمت حكومته استقالتها بسبب الانفجار بعد أن تولت الحكم في أوائل 2020 إن ضميره مرتاح واتهم القاضي بمخالفة الدستور.

وتبيّن وثائق اطلعت عليها رويترز وتصريحات لمصادر أمنية رفيعة أن مسؤولين أمنيين حذروا رئيس الوزراء ورئيس الدولة في يوليو من أن نترات الأمونيوم المخزنة في المرفأ تمثل خطرا أمنيا وربما تدمر العاصمة إذا انفجرت.

وتعتقد وكالات أميركية أخرى ووكالات حكومية أوروبية تتابع التحقيقات عن كثب اعتقادا راسخا أن الانفجار غير متعمد.

ومنذ الانفجار واستقالة الحكومة في أعقابه، فشل الساسة من أصحاب النفوذ في تشكيل حكومة جديدة وسط مماحكات على شغل المناصب. وعرقلت هذه الخلافات المعهودة مساعي لبنان لإعادة البناء بعد الانفجار في ظل المشاكل الأوسع مثل الأزمة الاقتصادية المتصاعدة التي دفعت بالملايين إلى صفوف الفقراء للخارج.

وقفت الأيام

غضب شعبي متواصل
غضب شعبي متواصل

يجمع المتابعون على أن الأسس التي يقوم عليها لبنان ضعيفة بسبب المحن والاظطرابات التي عصفت به، منذ اندلاع الحرب الأهلية في 1975 إلى حدود  تاريخ انفجار المرفأ.

فقد كان لبنان يعيش بما يفوق إمكانياته وأقبلت الحكومات المتعاقبة على الاستدانة فتراكمت الديون على البلاد لتصل إلى ما يعادل 170 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في مارس 2020 وفقا لبيانات وزارة المالية اللبنانية.

وهذه المرة تحملت البنوك اللبنانية العبء الأكبر من إنفاق الدولة. وبحلول أوائل العام الماضي كانت خسائر البنوك من قروضها للدولة قد بلغت 83 مليار دولار وهو ما يفوق الناتج المحلي الإجمالي السنوي بكثير.

وردت البنوك بإغلاق أبوابها فجمدت كل الحسابات الأمر الذي تسبب فعليا في توقف الاقتصاد اللبناني.

ولأكثر من عام الآن يعجز الناس عن تحويل أو سحب أي مبالغ تزيد على 500 دولار أسبوعيا. وعطل إغلاق البنوك مصدرا رئيسيا آخر من مصادر الدخل للاقتصاد اللبناني متمثلا في تحويلات اللبنانيين في المهجر.

البعض يرى في لبنان أن الانفجار وأسلوب أجهزة الدولة في التعامل مع تداعياته يمثلان إدانة للنخبة السياسية الحاكمة التي قادت البلاد من أزمة إلى أخرى

وحتى قبل تفشي فايروس كورونا انكمش الناتج الاقتصادي اللبناني 6.7 في المئة في 2019. وفي 2020 من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد 20 في المئة أخرى.

وتبين أرقام حكومية أن أكثر من 50 ألف تلميذ تركوا المدارس الخاصة وانتقلوا إلى مدارس الدولة خلال العام الأخير فيما يؤكد على تآكل الطبقة المتوسطة في لبنان.

وقال شرف أبوشرف رئيس نقابة الأطباء إن ما يقرب من 700 طبيب غادروا لبنان خلال العام الأخير. وما لم يكن كثيرون من سكان بيروت يعرفونه قبل أغسطس أن خطرا أكبر يكمن في وسطهم.

ففي 2013 رست سفينة في مرفأ بيروت بحمولة من مادة نترات الأمونيوم سريعة الاشتعال. ولم يتضح سبب اتجاه السفينة إلى لبنان ولا يزال الغموض يلف هذا الأمر حتى يومنا هذا. غير أن وصول هذه المادة الكيماوية وتخزينها كان معروفا لمسؤولي المرفأ والأمن الذين عينتهم في مناصبهم تكتلات مختلفة ولم يستطيعوا قط الاتفاق على كيفية التخلص من الشحنة.

وظلت الشحنة قابعة دون أن تمسها يد لأكثر من ست سنوات في مخزن بمرفأ بيروت الذي يبعد مسافة قصيرة عن وسط المدينة المزدحم.

وقالت ريتا حتي التي قتل ابنها نجيب (27 عاما) أحد رجال الإطفاء الثلاثة “وقفت الأيام بـ4 أغسطس.. لم يعد يعني لي أحد، لا بلد ولا بيت ولا عيد ولا شيء”.

وبعد الانفجار استقالت الحكومة في مواجهة الغضب الشعبي. غير أن التكتلات المختلفة الحاكمة في لبنان لا تزال منقسمة بما يحول دون تشكيل حكومة جديدة يمكن أن تساعد في إعادة بناء المدينة والاقتصاد اللبناني.

وتنقسم ولاءات هذه التكتلات بين الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج في جانب وإيران وسوريا في الجانب الآخر. ولم تفلح محاولات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دفع الكتل السياسية إلى تشكيل حكومة جديدة.

مجتمع منقسم

إدانة النخبة السياسية الحاكمة
إدانة النخبة السياسية الحاكمة

أصبح الفارق الفاصل بين الشعب وحكامه صارخا اليوم. فأثرياء لبنان يظهرون بانتظام في قائمة فوربس لأثرياء العالم. ومن الستة الذين وردت أسماؤهم في قائمة 2020 أعضاء في أسرة الحريري رئيس الوزراء المغدور ورئيس وزراء سابق آخر هو نجيب ميقاتي وشقيقه طه.

ويعيش زعماء آخرون كثيرون منهم أمراء الحرب وقادة الميليشيا السابقون في فيلات وقصور محاطة بتدابير أمنية في الضواحي التي يسكنها أثرياء بيروت أو على تلال منعزلة.

وفي 2019 كان أغنى 10 في المئة يملكون حوالي 70 في المئة من الثروات الخاصة في البلاد وفقا لتقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا. ويقول التقرير إن أكثر من نصف السكان يعيشون في فقر.

وشاركت سامية دوغان (48 عاما) مؤخرا في وقفة احتجاجية بمرفأ بيروت احتجاجا على قيادات البلاد وقفت خلالها تحمل صورة لزوجها الذي لقي مصرعه في الانفجار.

وأجهشت سامية وهي أم لبنتين توأم بالبكاء وقالت “كل يوم نصحو على البكاء وننام على البكاء. هؤلاء الزعماء كان يجب عزلهم منذ فترة طويلة. حكمونا 30 سنة. كفى”.

وعلى النقيض من الفترة التي أعقبت الحرب الأهلية وتدفقت فيها المساعدات من الخارج، يقول المانحون الأجانب إنهم لن يمولوا لبنان إلى أن يشكل حكومة جديدة يمكنها أن تثبت أن أموال المساعدات لن تضيع هباء.

وخلال الحرب الأهلية هاجر لبنانيون كثيرون إلى الخارج. وهذه المرة بدأ الناس يتطلعون من جديد للسفر إلى الخارج. فقد قالت شركة إنفورميشن انترناشونال للأبحاث في بيروت والتي أجرت بحوثا مستفيضة في الهجرة إن ما يقدر بنحو 33 ألف شخص سافروا في 2018 ولحق بهم 66 ألفا في 2019.

وعقب انفجار أغسطس مباشرة بلغ البحث عن كلمة “هجرة” على غوغل أعلى مستوياته في عشر سنوات وكشف مؤشر الرأي العربي أن أربعة من كل خمسة لبنانيين بين الثامنة عشرة والرابعة والعشرين يفكرون في الهجرة.

ويقول شرف رئيس نقابة الأطباء إنه يتلقى ما بين خمسة وعشرة طلبات كل يوم لتوصيات من أطباء يبحثون عن وظائف في مستشفيات أجنبية.

وأصبح قلب العاصمة اللبنانية الذي كان يزدحم في العادة بالمحتفلين بعيد الميلاد مهجورا. فالمتاجر والمطاعم مغلقة. ولم تعد الأنوار تضيء ساحة الشهداء التي وقعت خلال الحرب الأهلية قبل إعادة بناء بيروت على الخط الأمامي الفاصل بين بيروت الغربية المسلمة وبيروت الشرقية المسيحية.