باسيل 2020… نهاية حلم “الرجل الذي لا ينام”؟

اسكندر خشاشو – النهار

منذ تولّي الرئيس ميشال عون سدّة الرئاسة، دخل اسم جبران #باسيل محورياً في عمق السياسة اللبنانية والحكم، وعلى مرّ 3 سنوات أصبح أكثر الشخصيات اللبنانية جدلاً في لبنان. ولعلّ العقوبات الأميركية هي الثمن المباشر والأكثر دلالة لتحالفه مع “حزب الله”. وهو الثمن الذي أرخى بظلاله على أحلام باسيل الرئاسية ورسم علامات استفهام حول العراقيل الجوهرية التي باتت تحول دونها.




رئيس الظل، المتدخل في الشاردة والواردة في الدولة من الحاجب إلى الوزير والمدير العام والنائب، الحاكم المطلق في حزبه، الرجل الذي لا ينام، الصلب، والعديد من الصفات التي رافقت باسيل في الأعوام الماضية، قبل أن يأتي حراك 17 تشرين ويجعله أكبر ضحاياه عبر الإشارة إليه بالاسم كـ”متورط بقضايا فساد، وطائفي وعنصري”، كما وصفه ناشطو 17 تشرين واستطاعوا إيصال هذه الصورة عنه إلى العالم أجمع.

كان الجزء الأخير من سنة 2019 مأسوياً على جبران، أصبح أحد الحاكمين بأمر الوطن أكثر المغضوب عليهم، وأكثر الشخصيات التي لحقتها الشتائم والاتهامات من الناس المنتفضة على الواقع. حتى الاغتراب الذي راهن عليه لسنوات في عمله وزيراً للخارجية، كان كثيرين من صفوفه من أوّل المنتفضين عليه، وعامله الإعلام العربي والغربي كأكبر الشخصيات فساداً في لبنان.

ولم يكن عام 2020 أفضل حالاً على باسيل من نهاية عام 2019، فشُكّلت أولى الحكومات من دون حضوره الشخصي على طاولة مجلس الوزراء، وهو ما لم يحصل منذ سنة 2008 حين دخل للمرة الأولى وزيراً للاتصالات في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، ولم يفارق طاولة مجلس الوزراء حتى استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري في 2019، متنقلاً بين وزارات الاتصالات والطاقة والخارجية.

ورغم انكفائه عن المشهد شخصياً، إلّا أنه بقي الشخصية المحركة في جميع الملفات السياسية والاقتصادية، فكان له اليد الطولى في تعيين عدد كبير من الوزراء، وبقي الآمر الناهي في وزارات أساسية وخدمية عديدة كالطاقة والعدل والمهجرين والدفاع، والخارجية حالياً بعد استقالة الوزير ناصيف حتي.

الحكم والسلطة

بقيت الملفات الكبيرة بيده، فاستطاع توقيف التشكيلات القضائية، وقانون العفو، وطعن بقانون آلية التعيينات وأوقفه، حتى الملفات السابقة التي كان أوقفها بحجّة عدم التوازن لم تمرّ، وبقيت على حالها. العديد من المشاريع والتعيينات توقفت بإشارة من باسيل، حتى التعيينات القليلة التي قامت بها حكومة حسان دياب كان له حصة الأسد فيها، فأكمل وضع يده على جميع المواقع المسيحية تقريباً، الأمنية والإدارية والعسكرية والاقتصادية.

وبعد استقالة الحكومة، بقي لباسيل اليد الطولى في تشكيل الحكومة. وعقبات التشكيل الجديد للحكومة حالياً برئاسة الحريري، فلجبران الحصّة الكبرى فيها من خلال المطالبة بحقائب محددة وفرض شروط على التعيين، ومطالبة ثلث معطل له شخصياً، وهو حتى هذه اللحظة صامد بشروطه ومعاييره حتى لو جاع أكثر من نصف الشعب وسقطت الدولة.

في السياسة

هذا على مستوى الحكم والسلطة، أما على المستوى السياسي العام، فكذلك كانت هذه السنة قاسية عليه رغم دهائه السياسي، وعمله على استعادة ما فقده في السنة الأخيرة، فالسنة التي بدأت باتفاق مع الرئيس نبيه بري انتهت بخلاف كبير معه وعودة الحساسية بين الفريقين، وتوسعت مساحات الافتراق بينه وبين سعد الحريري. وبعد سنتين ونصف من العسل، عاد التياران إلى الخصومة الشديدة، التي كادت أن تبلغ حدّ الانفجار في مراحل متعددة هذه السنة.

أضف إلى ذلك علاقته الشديدة الاضطراب مع الأفرقاء الآخرين في الطائفة السنّية، كالرئيس نجيب ميقاتي والرئيس تمام سلام، حتى المعارضين منهم كالنائب جهاد الصمد والنائب أسامة سعد. أما العلاقة مع القوى المسيحية فهي بأسوأ حالاتها، من “القوات” إذ عادت الخطابات بين الفريقين إلى ما قبل المصالحة المسيحية، إلى “الكتائب” و”المردة” حيث لا كلام ولا اتفاق. ومثل العلاقة مع القوى المسيحية كانت مع “الحزب التقدمي الاشتراكي”.

ومن كان يظهر نفسه ثالثاً عند الشيعة وثانياً عند السنّة، وأولاً عند المسيحيين، لم يعد كذلك لا من قريب ولا من بعيد، وهو أدرك ذلك في الثلث الأخير من هذا العام ليعود إلى خطاب ميشال عون سنة 2005 بصيغته المسيحية الصرفة، التي تنادي بالحقوق والمساواة علّه يرد شيئاً من الخسائر الهائلة لكنه لم ينجح أيضاً.

حاول باسيل أن يكسب ودّ الولايات المتحدة والمجتمع الغربي بشكل عام من دون أن يخسر علاقته مع باسيل، حماية لنفسه وأهدافه الرئاسية بخلافة عمّه الرئيس ميشال عون فلعب على النقيضين؛ فتارة يظهر الخلاف والشقاق وطوراً يظهر الودّ والتحالف؛ يفترق في ملف ويلتقي في آخر.

حاول إظهار استقلاله بالقرار ليرضي أميركا، من دون أن يخرج من التحالف مع الحزب لحماية ظهره في الداخل، إلا أنّ هذه الأمور لم تمرّ وكانت الضربة القاضية أميركياً، عندما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، أي الإدارة الأميركية، فرض عقوبات عليه في 6 تشرين 2020 وفق قانون ماغنيتسكي بتهم فساد، ما جعله شخصية معاقبة على المستوى الدولي، ومن ثم شبه انتهاء الحلم الرئاسي الذي طالما سعى إليه منذ وصول عمه إلى بعبدا.

حزبياً
وانتقالاً إلى المستوى الحزبي الداخلي، لم تكن هذه السنة هي الأفضل كذلك، فالتكتل الذي أراده متنوعاً أصبح حزبياً صرفاً، وخرج منه جميع المستقلين من الأقربين، أي عديله النائب شامل روكز ونائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي، إلى الأبعدين ميشال معوض وميشال ضاهر ونعمة أفرام.

وحتى النواب الموجودون والحزبيون لم يعودوا كما كانوا رهن إشارة الرئيس، وجزء منهم بات كمن ينتظر الجثة على النهر ويسهم بوصولها، فعدد كبير من التسريبات والملفات كان من عمل هؤلاء، وما بقي لا يعدو كونه شخصية تخسر ولا تربح ولا تقدم أيّ شيء.

أضف إلى ذلك، بقيت عملية نزف المناضلين والأسماء الكبيرة مستمرة ولم تتوقف خلال السنة، وكان آخرها مسؤول العلاقات الدولية في “التيار” ميشال دو شدرفيان، وقبله محرك العلاقات الأميركية طوني حداد، لينضما إلى سلسلة طويلة جداً من المناضلين، الذين بدأوا تنظيم خلوات ولقاءات لإطلاق تيار جديد.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن حركة حزبية أخرى أُنشئت داخل التيار لمواجهة حركة المتقاعدين من الضباط والأفراد الذين كانوا يعدّون الرئيس عصب الحزب، وابتعدوا عنهم. ولم تأتِ ثمارها أيضاً، وواصل العسكريون والضباط المتقاعدون الانضمام إلى حركات المجتمع المدني أو إلى فريق العميد شامل روكز.

في المقابل، وفي خطابه السياسي، اعتمد باسيل المحاججة التي تستند الى مشروعه في “بناء دولة المؤسسات ومكافحة الفساد والمساواة”، واعتمد في زمن “كوفيد” المؤتمرات الصحافية المتلفزة والكلمات المطوّلة بالعامية، مخاطباً جمهوره وحلفائه وخصومه. وبدا مصمماً على إكمال معاركه وعدم تصوير نفسه منهزماً، لا سيما في لحظة إقرار العقوبات الأميركية عليه وكشفه العرض الأميركي عليه المشروط بفك تحالفه مع “حزب الله” في مقابل عدم ايقاعها به.

علامات استفهام كثيرة رسمت حول ما أرخته سنة 2020 على مستقبل باسيل السياسي، ولاسيما حلمه الرئاسي، فما هي تكتيكات رئيس “التيار الوطني الحر” للمواجهة في 2021؟ وهل تفلح؟