//Put this in the section //Vbout Automation

المشاريع الإنهزامية! – رامي الرّيس – نداء الوطن

من الواضح أنّ المنطقة العربيّة والشرق الأوسط أمام حقبة جديدة مختلفة تماماً عمّا كانت عليه الأوضاع طوال القرن المنصرم الذي سيطرت فيه العسكريتاريا والأنظمة القمعية والديكتاتورية، وهي الأنظمة التي صادرت حريّات الشعوب تحت مسمّيات مختلفة، رافعة عناوين برّاقة لشعارات فارغة بمعظمها إستخدمت للإطباق على المجتمعات ووقف تطوّرها وتقدّمها وعصرنتها ومواكبتها للحداثة.

ليست الحداثة أبنية شاهقة وناطحات سحاب، وليس التقدّم يُقاس حصراً بالعمران والمساحات الهندسية المشيّدة، ولو كان لتلك المؤشّرات دلالات معيّنة على مستوى تطوّر المجتمعات. ولكن الأهمّ من كلّ ذلك هو البحث في العمق عن الأسباب الحقيقية للتخلّف والتراجع، وعن الأسباب الفعلية الكامنة خلف غياب المبادرة السياسية عند العرب، وإنعدام القدرة على استعادة الحضور الدولي.




لا شكّ أنّ التشرذم العربي هو أحد الأسباب، ويتّصل بشكل رئيسي بتضارب المصالح وتشابكها وغياب الرؤية الموحّدة لكيفية معالجة المشاكل المتراكمة على الصعيد العربي عموماً.

ولعلّ المرحلة المتقدّمة من الإنقسامات إياها باتت تجعل مجرّد الكلام عن إطار عربي رسمي جامع هو كلام خارج السياق في الزمان والمكان، خارج التاريخ والجغرافيا، وأخيراً خارج المصالح والإعتبارات الفئوية التي باتت تشكّل المعيار الأساسي للعلاقات البينية العربية.

بطبيعة الحال، ليس المطلوب في هذه اللحظة السياسية الملتهبة التي تشهد تحوّلات غير مسبوقة، خصوصاً على صعيد الصراع العربي- الإسرائيلي، إعادة الإعتبار للنقاش النظري حول العروبة وسبل تأطيرها مؤسّساتياً وإعادة تكوين مفاهيمها الأساسية، فهذه مسألة مضى عليها الزمن، وقد لا تتيح الظروف والمسار التاريخي الذي تسلكه الأحداث العودة إليه أساساً.

بل لربّما كانت الطموحات المتّصلة بالعروبة من الأساس تعتريها عيوب نظرية وتكوينية تجعل تطبيقها مستحيلاً، على ضوء التناقض العميق في رؤى المكونات المؤتمنة على تطبيقها وتطويرها وتوسيع آفاق تنفيذها. وما عزّز هذا المسار الإنكساري هو الأداء السياسي السيّئ الذي تمثّل بالقبضة الحديدية التي سيطرت على قوى المجتمع الحيّة، وأفرغت المشروع العربي من مضامينه، لا سيّما من مداه الإنساني والتحرّري والمتطوّر، ووضعته في قالب ضيّق ومنغلق يتماشى مع ضيق أفق القيّمين على إدارة شؤون البلاد، وهم من القاصرين سياسياً وفكرياً وعقلياً.

لقد أدّت هذه المقاربة الإنهزامية إلى بعثرة أوراق القوة التي كان من الممكن الإستفادة منها لإحداث الحد الأدنى من التوازن المطلوب يمكن من خلاله إختراق جدران الأزمات التي توالدت في داخل المجتمعات العربية، أو في ما بينها.

اليوم، جيل الشباب في مكان آخر تماماً، وهو قلّما يكترث للغوص في النقاشات الفكرية والفلسفية العقيمة، لا بل هو قلّما يُعيرها أي إهتمام يُذكر. إهتماماته في مجالات مختلفة، وأولوياته مختلفة. كما أنّ غياب التثقيف السياسي فاقم حالات الضعف والوهن، وأدّى إلى تحوّل نوعي في دور الأحزاب العربية التي تعثرت بدورها في مواكبة الحداثة بعدما فشلت في السابق في إمتحان التحرّر من السلطات القابضة على شؤون الحكم.

لقد أهدر العديد من الفرص على مرّ الزمن، لا سيّما في السنوات الأخيرة، ما يجعل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء أمراً مستحيلاً. نحن أمام حقبة جديدة على مختلف الصعد. كان بالإمكان، مثلاً، الإستفادة من تجربة الإتحاد الأوروبي بحيث حافظت الدول الأوروبية على استقلالها ولكنّها عزّزت خطوات التعاون بما يحقّق الفائدة المزدوجة في إطار نظام كونفدرالي، ولو أنّ الإنسحاب البريطاني قد يعرّضه للإهتزاز في بعض المجالات.

أما الآن، فلنعد إلى الواقع المرير عربياً ولبنانيّاً! كم سجّل سعر صرف الدولار اليوم؟